المقالات

السياسة بين الممكن والواجب(ميمون النكاز)

من لغو القول أن يقال لك: “السياسة هي فن الممكن” فترد بالقول:”لا، بل هي فن الواجب”، ذلك لأن “الواجب” متعلق بالمبدإ والمثال، أما “السياسة” فمتعلقة بإدارة “القدرات والإمكانات” ضمن “واقعات التدافع” و”ظروف الاحتكاك” مع موازين القوى المخالفة والمعاكسة لاتجاهات “طلب الواجب” وابتغائه.

“الواجب” هو “المطلوب”، و”السياسة” هي “تفعيل المقدور عليه لمقاربة ذلك “الواجب” وتسديد “الأفعال والمواقف” إليه، وهو أمر في غاية المنطقية والمعقولية والأخلاقية، “الواجب في الواقع هو الممكن المقدور عليه منه فيه بالنظر إلى صورته الذهنية ومثاله المبدئي” ، ليس في “السياسة” وحدها، بل في “أفعال الوجود” و”شؤون الحياة” كلها.

الدين لا يطالب الناس بغير “إمكاناتهم” و”أوساعهم”، كذا “الطبيعة” لا تقتضي منهم ما لا طاقة لهم به… وكما يقع “الاضطرار” و”الإكراه” في “عوالم الطبيعة” يقعان كذلك في “عوالم السياسة”، إلا أنه في “عوالم السياسة” يُسْأَلُ الناسُ عن “اختياراتهم” بخلاف “مضطرات الطبيعة وإكراهاتها” فإنه لا اختيار للإنسان في “إجباراتها”.

والاستدلال بأصل “الإعذار الشرعي” في حالة “الإكراه على الكفر” لتأويل “الإكراه على الظلم والفساد” استدلال فاسد واستدعاء مضلل، ذلك لأن آثارَ الإكراه على الكفر وأضرارَه الظاهرة قاصرةٌ على المُكره دون غيره، بخلاف الإكراه على الظلم والفساد والعدوان على الحقوق والمصالح، فإن آثارَه وأضرارَه “متعدية إلى الغير” وجارية عليه”، فلا يشملها “الإعذار الشرعي” لتجاوزها “مناط المُكرَه” إلى غيره، فيكون بذلك “شريكا” للظالم في ظلمه وللفاسد في إفساده، إلا أن يكون في قبوله لذلك الإكراه دافعا بتحمله له لما هو أظلم أو لما هو أفسد، حيث يتعذر دفع المظالم والمفاسد جميعها، وذلك إذا كان قد استفرغ أوساعَه في تحصيل الإمكانات وتجميع القدرات…

بينات هذا “المجمل التقريري” في “واقعات الطبيعة والسياسة” متكثرة وغير محصورة، ويبقى النظر في ظروف هذا “الاشتغال” ومواقيت هذا “الإعمال” واردا ومشروعا ومطلوبا…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق