المقالات

المواسم الدينية: في الحاجة إلى وجهات نظر متعددة(رشيد حجيرة)

-أ-
هذه المواسم الدينية التي تتكرر في عدد من المدن والقرى المغربية ليست مجرد طقوس احتفالية تُستعاد كل عام، ولا مجرد تعبير عن التدين الشعبي أو مظهر من مظاهر الفرجة الجماعية؛ إنها ظاهرة اجتماعية وثقافية مركبة تختزن أسئلة عميقة عن علاقتنا بالدين، وبالموروث، وبالذاكرة الجماعية، وبالسلطة الرمزية، وبأنماط التفكير والسلوك التي ما تزال فاعلة في المجتمع. ومن ثم فإن النظر إليها بالاحتفاء وحده أو بالرفض وحده يظل قاصراً عن فهمها؛ لأنها تحتاج إلى قراءة متعددة التخصصات تفكك مكوناتها، وتتتبع وظائفها، وتكشف ما تنتجه من معانٍ وعلاقات ومصالح وتمثلات. فالموسم ليس فقط ما نراه من مواكب وطقوس وأناشيد واحتفالات وتجمعات بشرية؛ بل هو أيضاً ما يكمن خلف ذلك كله من حاجات نفسية، وبنى اجتماعية، ومصالح اقتصادية، ورموز دينية، وأشكال من النفوذ والشرعية، وأنماط من الوعي تتجاور فيها عناصر الحداثة مع رواسب التقليد. ولذلك فالسؤال الأهم ليس: كيف نحتفل بهذه المواسم؟ وإنما: ماذا تكشف لنا عن المجتمع الذي ما يزال يحتضنها ويعيد إنتاجها ويمنحها كل هذه الطاقة الرمزية والاجتماعية؟
-ب-
هنا ينبغي للأنثروبولوجي أن يتقدم إلى الواجهة، لا ليصف لنا الأزياء والطقوس وأشكال الاحتفال، وإنما ليبحث في البنية العميقة التي تجعل هذه المواسم قابلة للاستمرار. كيف نشأت؟ وكيف تشكلت حولها الذاكرة؟ وكيف انتقلت من جيل إلى جيل؟ وكيف تحولت بعض الأمكنة والأضرحة والشخصيات إلى بؤر للقداسة والبركة والانتماء؟ وما الذي يجعل جماعة بشرية تستعيد الطقس ذاته، بالرموز نفسها تقريباً، رغم تغير أنماط العيش والتعليم والعمران ووسائل الاتصال؟ على الأنثروبولوجيا أن تكشف لنا كيف يتحول الموروث من مجرد ذاكرة إلى ممارسة حية، وكيف يعيد الموسم بناء الجماعة حول سردية مشتركة، وكيف تتداخل فيه الهوية المحلية بالقرابة، والذاكرة بالقداسة، والانتماء بالفرجة. فالموسم، من هذه الزاوية، ليس حدثاً عابراً، بل آلية لإعادة إنتاج الذاكرة والهوية والروابط الاجتماعية.
-ت-
كما على علم النفس أن ينفذ إلى ما هو أعمق من الطقس الظاهر، وأن يسأل عن الحاجة الإنسانية التي تجعل هذه الممارسات قادرة على الاستمرار. عن ماذا يبحث الإنسان حين يلتمس البركة؟ وما الذي يدفعه إلى الاحتماء بالرمز حين يعجز الواقع عن تقديم إجابات مطمئنة؟ وما علاقة الخوف من المرض والمجهول والمصير بالحاجة إلى الاعتقاد؟ وكيف يعمل الإيحاء والأمل والانتظار والانتماء الجماعي في تشكيل السلوك؟ إن استمرار بعض المعتقدات لا يمكن تفسيره دائماً بضعف المعرفة أو نقص التعليم؛ فهناك حاجات نفسية عميقة إلى الأمان والمعنى والانتماء، وقد يجد الإنسان في الطقس الجماعي تعويضاً رمزياً عن عجزه أمام ما لا يستطيع التحكم فيه. ولذلك فإن المقاربة النفسية لا ينبغي أن تكون إدانة للناس، وإنما محاولة لفهم دوافعهم ومخاوفهم وآمالهم والآليات التي تجعل الاعتقاد قادراً على مقاومة التحولات الاجتماعية.
-ث-
على الاقتصاد الاجتماعي أن يقرأ الموسم من زاوية أخرى تماماً: زاوية المال والمصلحة وتوزيع الموارد. فما إن يبدأ الموسم حتى تنشأ حوله حركة اقتصادية واسعة: سياحة وتجارة، ونقل، وإيواء، وإطعام، وحرف، وخدمات، وباعة موسميون، وشبكات من المستفيدين. والسؤال هنا ليس فقط: كم تنفق الجماعة على موسمها؟ بل أيضاً: من يستفيد من هذا الإنفاق؟ وكيف توزع المنافع؟ وما الذي يعود على السكان المحليين؟ وهل يمكن تحويل هذه المناسبات إلى رافعة للتنمية المحلية، أم أنها تظل اقتصاداً موسمياً سريعاً يقوم أساساً على الاستهلاك والفرجة؟ والأهم: ماذا تكشف طبيعة الإنفاق عن سلم الأولويات الاجتماعية؟ حين تُنفق أموال كثيرة على مظاهر احتفالية بينما تعاني المدرسة والمستوصف والبنية الثقافية من الخصاص، يصبح الاقتصاد الاجتماعي للموسم سؤالاً في التنمية، لا مجرد شأن احتفالي.
-ج-
على علم الاجتماع السياسي أن يفكك العلاقة بين الموسم والسلطة والنفوذ. فالمجال الديني الشعبي ليس محايداً دائماً، وكل مجال ينتج الرمزية والاعتراف يمكن أن يتحول إلى مجال لإنتاج النفوذ. من يملك حق تنظيم الموسم؟ من يتحدث باسمه؟ من يحدد رموزه وضيوفه ومواعيده؟ من يمنح الشرعية لمن يحضر ومن يتقدم ومن يمثل الجماعة؟ وكيف تتحول المكانة الدينية أو العائلية أو الرمزية إلى رأسمال اجتماعي يمكن استثماره في النفوذ والوجاهة والمصلحة؟ إن السؤال هنا لا يتعلق بالدين في ذاته، وإنما بكيفية اشتغال السلطة داخل المجال الذي يكتسب شرعيته من المقدس؛ إذ قد تتقاطع القداسة مع الوجاهة، والوجاهة مع المصالح، والمصالح مع شبكات النفوذ المحلية.
-ح-
على علماء الدين أن يتحدثوا بوضوح، لأن الصمت هنا ليس موقفاً محايداً. المطلوب منهم أن يميزوا بين الدين والتدين، وبين العبادة والعادة، وبين الموروث الديني والموروث الشعبي، وبين ما له أصل معتبر وما أضافته المخيلة الجماعية عبر الزمن. فليس كل ما ورثناه باسم الدين ديناً، وليس كل ما استقر في الذاكرة الشعبية جزءاً من العقيدة. كما أن الدفاع عن الدين لا يكون بمنح الشرعية لكل ممارسة اكتسبت مع الزمن هالة القداسة، وإنما بالقدرة على تنقية المجال الديني من الخرافة والاستغلال والاتجار بالحاجة الإنسانية إلى الأمل والشفاء والبركة. إن الخطاب الديني الذي يخشى السؤال يترك المجال مفتوحاً أمام من يملكون قدرة أكبر على صناعة الوهم وتوظيف المقدس.
-خ-
أما الدولة، فإن مسؤوليتها تبدو أكثر تعقيداً وحساسية. فمن حق الدولة أن تحمي التراث الثقافي وأن تصون الذاكرة الجماعية وأن تدعم ما له قيمة تاريخية وفنية واجتماعية؛ لكن الرعاية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة ضد النقد، ولا إلى دعم غير مشروط لكل ما يندرج تحت عنوان الموروث. فحين ترعى الدولة موسماً، وتوفر له الإمكانات، وتضفي عليه حضوراً رسمياً، فإنها لا تحمي التراث فقط؛ بل تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إنتاج معانيه الاجتماعية. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل نرعى التراث باعتباره ذاكرة وثقافة، أم نرعى معه بعض أشكال الوعي التقليدي والخرافة؟ وكيف يمكن للدولة أن تصون الموروث دون أن تتحول إلى راعٍ للخرافة؟ وكيف يمكنها أن تحمي حق الناس في ممارسة تقاليدهم دون أن تمنح الوهم شرعية معرفية أو دينية؟
-د-
لعل ثقافة المواسم تكشف مفارقة تستحق التأمل العميق: مجتمع يتقدم في التكنولوجيا والاتصال والعمران، ويستخدم الذكاء الاصطناعي ووسائل المعرفة الحديثة، لكنه قد يستعيد، في بعض الممارسات والتمثلات، أنماطاً من التفكير تنتمي إلى مراحل تاريخية أقدم. وهذه المفارقة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها دليلاً على جهل الناس أو تخلفهم، بل بوصفها سؤالاً عن طبيعة التحديث نفسه: هل غيّر التحديث وسائل حياتنا فقط، أم استطاع أن يعيد تشكيل البنية العميقة للوعي؟ وهل يكفي أن تتغير التكنولوجيا بينما تبقى بعض التصورات المتعلقة بالمرض والمصير والبركة والقداسة أسيرة أنماط معرفية تقليدية؟ هنا تحديداً تصبح المواسم مرآة كاشفة للتوتر بين الحداثة المادية واستمرار بعض البنى الذهنية التقليدية.
ثم إن الموسم يكشف أيضاً عن علاقة المجتمع بالفرجة الجماعية؛ فالجموع التي تتوافد، والهواتف التي ترفع لتوثيق المشهد، والملابس التقليدية، والموسيقى، والحركات الجماعية، والاحتشاد في الفضاء العمومي، كلها تجعل من الموسم مسرحاً اجتماعياً تتداخل فيه الطقوس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق