المقالات

غرور المعرفة الموهومة:(ميمون نكاز)

يطعنون في “الموروث”، ولست بناصر له ولا عابد له ولا مدعيا عصمته، بدعوى كثرة الاختلافات والتناقضات والتعسفات والتحكمات والدخيل على الدين منه فيه، كما يقررون، ولكنهم في بضع سنين أحدثوا من الاختلافات والتناقضات والتعسفات والتحريفات والتحكمات ما المتابع به عليم، بذريعة “تحرير العقل من الموروث” ومن “سلطة الدين الموازي”، كَأَنَّا بهم يستندون إلى “عقلٍ أوحدَ صمدٍ محكمٍ إجماعيٍّ بَيِّنٍ لا التباس فيه”، وظني بهم أنهم -إذا صدقنا الدعاوى والقصود- سيُنشِؤون ” أديانا موازية سائلة” تراكم “الدين الموازي الموروث” في بضع عقود، وقد فعلوا…
من أكره الأشياء إلى نفسي “الدعاوى العريضة” و”غرور المعرفة الموهومة”، ومن أحب الأشياء إليها “جادة العلم والعمل في إحكام وإنصاف وسعة”…
كل ما يكسبه الناس في وجودهم التاريخي تأويلا للدين بالنظر أو العمل هو غير الدين من حيث الصدور، موروثا كان أو حديثا، والمساءلة النقدية له، ببينات العلم والمعرفة المقعدة المؤسسة من موجبات الدين وضرورات العقل، ولكن “التعبيث الصُّحُفي الانطباعي أو القصدي الخفي لتحوير القيم وتحريف الأحكام” كما نراه ونلاحظه ليس من الدين ولا من العقل في شيء…. يتحدثون عن “مؤثرات السقوف المعرفية التاريخية المحدودة على إمدادات النص”، كما يتحدثون عن “المؤثرات السياسية والدينية والثقافية السائدة على نشوء الدين الموازي”، ولكنهم لا يسائلون أنفسهم عن “المؤثرات الحداثية السقفية”، وعن “المؤثرات الإديولوجية الحقوقية العولمية”، ولا عن “التوظيفات الأمريكية والصهيونية للخطابِ الديني التجديدي المُحَدَّث”، العاملٍ القائمِ على “التعبيث والتفكيك” بمؤسساته ومراكزه ومنصاته وحساباته الإلكترونية، لا يتساءلون عن ذلك كله في “صناعة الدين الموازي العصراني المُحَدَّث” الذي يستجيب لخصوصية الدين وحدوده المطلوبة وفق شروط العولمة والهيمنة و”مقتضيات السياسة المستبدة”، ويجري على توافق مع “أهواء التأويل”…
النقد المسؤول والمساءلة العلمية المُقَدَّرة من تكاليف النظر وموجبات العمل، أما “لغو الأقاويل” و”طائشات العقول الهاوية” فلا محل لها ولا مكان في ديوان العلم وميزان المعرفة… منها على سبيل المثال “رفض حجية بيان النبوة للكتاب بدعوى المثنوية في الحاكمية والسيادة” والتشكيك في الموثوقية، والطعن لذلك يسمون دين القائلين بحجية السنة البيانية “دين المثناة”، ولكنهم أحلوا مكان “البيان النبوي” بياناتِ “مجددي الخطاب الديني”، فهم على طرائقَ عِوَجٍ لإنتاج “أديان مثنوية وثلاثية ورباعية”، بلا حدود، في سيولة مفتوحة، بلا ضابطة علمية محكمة، ولا شرط منهجي مسدد، إلا ما تهواه العقول وتشتهيه الأنفس، ذلك الذي نراه ونلحظه…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق