القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان: الجمع والرسم (عبد الله الجباري)_1_
مقدمة:
أولى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم عناية بالغة تفوق الوصف، وكان حريصا على حفظه وتبليغه لعموم الأمة، لذلك كان يحرك به لسانه أثناء سماعه من جبريل تعهدا له، ومخافة أن يشذ عنه شيء من كلماته أو حروفه، واتخذ مع الصحابة الكرام مجموعة من الوسائل والآليات للحفاظ على القرآن الكريم، منها:
- إباحة كتابة القرآن لعموم الصحابة : “لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ”[1]، وهذه كتابة عامة، تولاها جمع من الصحابة، كل بطريقته التي ارتضاها، منهم من كتب القليل من الآيات، ومنهم من توسع وأكثر.
- تعيين كتبة للوحي، يملي عليهم النبي ما نزل عليه من القرآن لكتابته، وهذه كتابة رسمية تحت إشراف النبي صلى الله عليه وسلم.
- تشجيع الصحابة على حفظه في الصدور، وقد تحقق ذلك لكثير منهم، كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان وتميم الداري[2] وغيرهم رضي الله عنهم.
ومباشرة بعد مبايعة أبي بكر الصديق، انخرط الصحابة في حروب الردة، وشارك جمع غفير منهم في موقعة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وأتباعه، فاستشهد منهم عدد غير يسير، منهم سبعون من القراء[3]، يكفي أن نذكر منهم سالما مولى أبي حذيفة، وهو أحد المتمكنين من القرآن، الماهرين به، الذين أمر النبي أن يُتلقى القرآن منهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب”[4]، وقد فطن عمر بن الخطاب – بفراسته – لخطورة فَقْد سالم، لذلك وردت في رواية سفيان بن عيينة : “إن القتل قد استحر بأهل القرآن، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة، وأخاف أن لا يلقى المسلمون زحفا آخر إلا استحر القتل فيهم”[5]، بناء على هذا الحدث، اقترح عمر بن الخطاب على أبي بكر مسألة جمع القرآن الكريم.
وبعد اقتناع أبي بكر بالمقترح العمري، استدعى زيدا بن ثابت[6] وأمره بذلك، فتردد أول الأمر ثم تحمل عبء هذا الجمع بمساعدة عمر بن الخطاب[7]، وجمع القرآن في صحف بقيت عند أبي بكر ثم عند عمر بن الخطاب ثم انتقلت إلى حفصة بعده.
واستمر الأمر على ما هو عليه أوائل خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلا أنه اضطر في فترة لاحقة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فما هي أسباب هذا الجمع؟ وما هو المنهج المتبع فيه؟ وما هي الفوارق بين الجمعين الأول والثاني؟ وهل كان للصحابة رسم خاص بالقرآن؟
المحور الأول: جمع القرآن في عهد عثمان
كان عهد عمر بن الخطاب عهد الفتوحات الإسلامية بامتياز، لذلك انتشر الصحابة في الأرض معلمين ومقرئين، وكان كل صحابي يعلم الناس القرآن ويقرئهم إياه بالحرف الذي تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه منه، وبعد استشهاد عمر، تولى الخلافة بعده سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي السنة الثانية أو الثالثة من خلافته (حوالي 25هـ)[8]، قرر الخليفة جمع القرآن في مصحف واحد.
1 – أسباب جمع عثمان:
تعددت الروايات في سبب جمع عثمان للمصحف الإمام، لكنها في العمق لا تعدو أن تكون سببا واحدا، وهو اختلاف الناس في قراءة القرآن اختلافا ينذر بعواقب وخيمة، وأهم هذه الروايات:
** أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك “أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى”.
** أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قِلابة قال: “لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين قال أيوب: لا أعلمه إلا قال : حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا فقال : “أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافا، وأشد لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما”[9].
من خلال الروايتين السابقتين، يتبين الآتي:
أولا: اختلاف أهل الأمصار الإسلامية في قراءتهم للقرآن الكريم، على اعتبار أن كل مصر كان يتبع قراءة الصحابي الذي وفد إليه، فأهل العراق على قراءة ابن مسعود، وأهل الشام على قراءة أبي بن كعب، … إلخ.
ثانيا: لم يقتصر الاختلاف في قراءة القرآن على الأمصار البعيدة (المحيط) فحسب، بل إن المدينة المنورة (المركز) عانت منه أيضا، بدليل قول عثمان: “أنتم عندي تختلفون فيه …”.
ثالثا : كان الاختلاف بين المسلمين في قراءتهم للقرآن مبنيا على اختلاف القراءات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أولا، وعلى اللحن والخطأ ثانيا، لذلك قال عثمان: “… فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافا، وأشد لحنا”، وهنا مكمن الخطورة التي كانت أشد وقعاً على الصحابة الكرام، ومنهم حذيفة بن اليمان الذي أفزعه الأمر في غزاة أرمينية كما ورد في رواية أبي قلابة، وفي رواية إبراهيم بن سعد “حتى سمع حذيفة من اختلافهم ما ذعره”، وفي رواية يونس “فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة”، وفي رواية عمارة بن غزية “فيكفر بعضهم بعضا”[10].
نماذج من الاختلاف في القراءة:
تلقى الصحابة رضي الله عنهم القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيغ مختلفة على مستوى هيئات النطق والصوت، وكان كل صحابي يقرأ القرآن على الهيأة التي تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وردت عدة نصوص تؤكد هذا الاختلاف، مثل اختلاف أبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل، وما رواه الإمام أحمد أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رواه ابن حبان والحاكم من اختلاف ابن مسعود مع رجل في سورة من آل حم، وأحيانا كان المختلفان من الصحابة يلجآن إلى التحكيم النبوي، مثل ما رواه الإمام أحمد بسند حسن أن عمرو بن العاص اختلف مع رجل، فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : “إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا فيه”[11].
وقد يجنح البعض في تأويل هذا الاختلاف بناء على عدة اعتبارات، منها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلقن القرآن للصحابة على حسب لهجاتهم ولغاتهم، وقد يُستدل على هذه الدعوى باختلاف أُبي بن كعب مع عبد الله بن مسعود، لأن الأول أنصاري خزرجي نجاري، والثاني هُذلي، إلا أن هذا التأويل سرعان ما يُنقَض بما ثبت في الصحيح “أن عمر بن الخطاب سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة غير الحروف التي أقرأها النبي لعمر، فقاده إليه في غضب، فحسَّن النبي قراءتيهما”[12]، والشاهد في هذا المتن أن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم اختلفا رغم قرشيتهما، مما يدل على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف” قد يُفهم على معنيين:
أولهما: اختلاف الأحرف واللغات، مثل قراءة ابن مسعود “عتّى حين” بدل “حتى حين”[13].
ثانيهما: اختلاف الألفاظ مع اتفاق المعنى، قال ابن عبد البر : مثل أقبِل وتعال وهلُم[14]، ولعل هذا هو السبب في قراءة البعض “وأتموا الحج والعمرة إلى البيت” بدل “وأتموا الحج والعمرة لله”[15].
ومن الآيات القرآنية الجامعة بين الاختلافين قول الله تعالى : “يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ”[16]، حيث اختلف القراء في فعلي “يخطف” و”مشوا”.
بالنسبة للأول قرأه الجمهور “يَخْطَفُ”، وقرأه علي بن الحسين ويحيى بن وثاب “يَخْطِفُ”، وقرأه الحسن وأبو رجاء وعاصم وقتادة “يَخِطِّفُ”، وأصله يختطف، وحكى ابن مجاهد قراءة دون نسبتها إلى أحد “يَخَطِّفُ”، وحكى أبو عمرو الداني عن الحسن “يَخَطَّفُ”، وروي عن الحسن والأعمش “يِخِطِّفُ”، وفي مصحف أبي “يَتَخَطَّفُ”، ونقل الفراء عن بعض أهل المدينة “يَخْطِّفُ”، وحكى الفراء عن بعض الناس “يُخَطِّفُ”.
أما “مَشَوْا” فقرأها ابن مسعود “مَضَوا”، وفي مصحف أبي “مَرُّوا”[17].
يجمل بي أن أشير إلى أن هذه الاختلافات ليست نابعة من تشهي الصحابة لتغيير بعض الألفاظ القرآنية بمرادفاتها، بل كانوا في اختلاف قراءاتهم يراعون سماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قول عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم “أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم”[18]، ولقول علي بن أبي طالب : “ليقرأ كل إنسان منكم كما علم، فإنه حسن جميل”[19].
هذه الاختلافات الكثيرة ولو في الآية الواحدة هي التي جعلت الصحابة الكرام يهرعون إلى النبي ويطلبون تحكيمه، وهي التي جعلت الناس في زمن عثمان يكفر بعضهم بعضا، فكان ذلك سببا للجوء الخليفة إلى جمع شمل الأمة من خلال مصحف موحَّد وموحِّد.
[1] رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند أبي سعيد الخدري. 17/251.
[2] ابن سعد، كتاب الطبقات الكبير، باب ذكر من جمع القرآن على عهد رسول الله عليه وسلم. 2/306، وفي فضائل القرآن للنسائي ترجمتان، إحداهما: “ذكر قراء القرآن” وأخراهما : “ذكر الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
[3] كان العرب أهل بداوة وأمية، ولم يشتهروا بالعلم أو الكتابة، لذلك أطلق لفظ القراء على من كان منهم قارئا للقرآن، ومنه قال البخاري في ترجمة من الجامع الصحيح: “باب القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وشرحه ابن حجر بقوله : “أي الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه”. فتح الباري : 9/42.
[4] أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : 6/186. وفي كتاب المناقب، باب مناقب أبي بن كعب : 5/36. ورواه الإمام البخاري بلفظ: “استقرئوا القرآن من أربعة …” في كتاب المناقب، باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة : 5/27. وباب مناقب عبد الله بن مسعود : 5/28. وباب مناقب معاذ بن جبل: 5/36.
[5] أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة: 390. وفي رواية أخرى لم يذكر عمر بن الخطاب سالما، بل ربط الأمر بعموم القراء “إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن” رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن: 6/183.
[6] اشتهر زيد بن ثابت بكتابة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر في الاستيعاب (ص: 43) : “وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان يكتب كثيرا من الرسائل”، ولكثرة تعاطيه لذلك ولإتقانه للكتابة أطلق عليه “الكاتب” بلام العهد. فتح الباري: 9/19.
[7] روى ابن أبي داود في المصاحف (1/157) أن أبا بكر قال لعمر وزيد : “اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه”.
[8] ابن حجر، فتح الباري: 9/15.
[9] ابن أبي داود، المصاحف: 1/204.
[10] أورد هذه الروايات ابن حجر في فتح الباري: 9/15.
[11] أورد هذه النصوص الحافظ في الفتح: 9/23.
[12] رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: 6/185، وكرره في مواضع عدة.
[13] الزمخشري، الكشاف: 1/388، قال الزبيدي في تاج العروس (1/22): “والفحفحة في لغة هذيل يجعلون الحاء عينا”، وابن مسعود هذلي.
[14] ابن حجر، فتح الباري : 9/25.
[15] “وأتموا الحج والعمرة إلى البيت” قراءة غير واحد، وبعضهم قرأ “وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت” ينظر تفسير الطبري 3/328.
[16] سورة البقرة، آية 20.
[17] ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. 1/137-139.
[18] فتح الباري: 9/24.
[19] قال زيد بن أرقم: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان…إلخ” رواه الطبراني في المعجم الكبير: 5/198 رقم 5078.



