المقالات

في الطائفية أو الإسلام التاريخي(إدريس مقبول)

في اعتقادي يجب أن نكون قادرين على التمييز بين مثالية القرآن وواقعية التاريخ، هناك إلحاح في القرآن على أن نقرأ التاريخ الاجتماعي للأقوام الذين حكى عنهم القرآن وقدم لنا أهم الدروس في حياتهم، في القرآن الكريم هناك رسم لملامح النموذج الكامل والمطلق، وفي التاريخ عادة ما نصادف التجربة النسبية.

المثالية التي يمنحها القرآن ضرورية لأن لها دورا تربويا ونهضويا، فالنموذج القرآني مهم في التربية وبعث النفوس على تحقيق الغايات والمقاصد الكبرى، لكن تجارب التاريخ التي تأخذ مرجعياتها من حياة الناس ومشكلاتهم وإخفاقاتهم وأيضا نجاحاتهم تجعلنا قادرين على أن نقيس المسافة بين المثال والواقع.

لدينا مفهوم الأمة الروحي كما ورد في القرآن الكريم يذهب بعيدا في تأكيد الوحدة المؤسسة على انسجام العناصر وعلى التوحيد، وهو مطلب “عقلي نقلي” طبع الأمة الوسط، أو بعبارة وائل حلاق، ما يسميه “التوليفة العظمى”، حيث تسقط كل الأطراف و “التطرفات” وحيث تسقط كل المعبودات القومية والجغرافية دونه، يقول تعالى: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” ولهذا رسم القرآن هنا وحدةَ منطلقِها ووحدة مصيرِها ومسارِها أو مسيرِها.

ولمَّا قال عز وجل “كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله”. فإنما نص على شروط الخيرية وهي شروط مثالية وواقعية في ذات الوقت تخصنا نحن المسلمين وتحدد ماهيتنا ورسالتنا في الحياة، وإنما ماتت الأمة روحيا ورمزيا، وفسد نظامُها السياسي وتخلف نظامها الاقتصادي، وقد سقطت الأمة من مقام “الخيرية” حين تركت الواجب العظيم وتخلفت عن أداء وظيفتها الرسالية في القيام بالقسط العالمي، الذي هو القسطاس المستقيم، ولهذا أمر سبحانه ببناء نظام القسطاس حين قال: (وزنوا بالقسطاس المستقيم).

القسطاس المستقيم هو الميزان الذي توزن به الأشياء والمواقف والأفعال قياسا إلى نفعها أو ضررها للإنسان والإنسانية في ميادين البيئة والسياسة والتربية والاقتصاد وغيرها، بغض النظر عن جنس فاعليها أو انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الثقافية، القسطاس المستقيم هو الميزان الذي يتجاوز الحساسيات النفسية والعاطفية تجاه الآخرين مهما بلغت مخاصمتهم (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى).

هذا فقه قرآني كبير يحتاج في تأسيسه إلى التنصل الكلي من دواعي العصبيات والطائفيات والمرجعيات الثقافية الضيقة، كما يحتاج أيضا إلى الشجاعة التي تجعل الإنسان يدور مع الحق حيث دار، الدوران المأمور به في الحديث غاية في الأهمية، يدفع في اتجاه حركة الفكر وتطويره بناء على تغير الزمان والمكان، ولأن الحق غير ثابت في جهة معينة ولا يستطيع أحد احتكاره، فإن هناك حاجة ملحة للتخلص من الرواسب السلبية ومن الوثوقية الفائضة التي تركها فينا تاريخ المحفوظات والانتماء للأفكار الإصلاحية والتعصب للمدارس والتيارات الفكرية، حينها فقط يمكننا الحديث عن حركة منسجمة وهادئة تبحث عن الحق وليس الانتصار للذات التي تتماهى عبر الزمن مع الحق. وحينها يمكننا فقط أن نضع مسافة بين الحق والأشخاص، وبين الأفكار والأشخاص فنتناول الأفكار بالنقد دون أن تثور الحساسيات، وإلا فإن الوضع متأزم ولا يبشر بخير إطلاقا.

لاشك أن المسلمين عبر مذاهبهم وطوائفهم في التاريخ انزاحوا عن المثال القرآني بمسافات تزيد أو تنقص، فأصبحنا إزاء إسلام تاريخي، هو خلاصة تفاعل الأمة بكافة فرقها وأحزابها مع قيم الإسلام، تحَكَّم في ذلك منطق الاجتهاد عامة ومنطق المصالح الفئوية تارة أخرى، فذهب كل فريق بجزء من الحق الذي في المثال، ولم يعد الحق في يد أحد منهم مُحتَكَرا، وهي مسألة مفهومة بمنطق التاريخ، غير أن نقدها قد يجعل منها موضوعا ذا حساسية مذهبية.

تبدو العلاقة من زاوية أخرى بين المسلمين والطور الأول من الإسلام والجيل الأول من الصحابة ملتبسة غاية الالتباس، وقد انتهت في كثير من النفوس والعقول إلى تقديس الزمان وتعصيم الأشخاص، وهو موقف غير منهاجي ولا منضبط في نظرنا إزاء شطر من الأمة بالقدر نفسه الذي أوقع آخرين في مضغ المآسي التاريخية لتشريع كراهية شطر آخر من الأمة هم الصحابة، فكلاهما التقديس والتدنيس شذوذ فكري ونفسي.

كان في الأمة جيل من الصحابة، وهؤلاء لم تخرجهم الصحبة النبوية من بشريتهم ولم تمنع من رفعهم السيوف في وجوه بعضهم البعض فيما سمي بأزمنة الفتنة، بل وفي مقاتلة بعضهم لبعض، وهي الحقيقة التي تكلم عنها القرآن بواقعية وتجرد في سورة الحجرات، فتكلم عن أفعال “التقاتل” و”البغي”(فإن بغت إحداهما على الأخرى)، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا بشرا ويعتورهم ما يعتور البشر من نزوعات ورغبات، وهذا كاف ليحرر العقل المسلم من أوهام التوثين..يجب ان نستحضر أن عبادة الأبطال والرموز والأطوار التاريخية عبادة تنتشر في كل الأزمنة التي يطبعها الضعف والانتظارية.

العقل المسلم يجب أن يتحرر في قراءته لتجربة الأمة بكافة ألوانها وأطيافها، هذا التحرر مهم لنعطي لكل طرف حقه، ونمارس في ذات الوقت واجب النقد واستخلاص الدروس بعيدا عن أمراض العصبية والتعصب للقائل والمقول سواء في التاريخ أو في الحاضر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق