المقالات

في وداع فيلسوف ماليزيا سيد محمد نقيب العطاس: مؤسس النموذج المعرفي لنهضة ماليزيا المعاصرة(محمد همام)(2)

لم أبالغ عندما وصفت سيد محمد نقيب العطاس بفيلسوف ماليزيا، وكذا عندما قلت إنه من المؤسسين الكبار للنموذج المعرفي لمشروع نهوض ماليزيا المعاصرة. فقد أكد ذلك رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم بحضوره الشخصي مع وزراء حكومته في جنازة العطاس في مسجد التقوى في منطقة كولالمبور، وقد أم المصلين ابن العطاس سيد علي توفيق العطاس، وهو من أبرز الأكاديميين في ماليزيا ومن المهتمين بتجديد الفكر والفلسفة الإسلاميين.  وقد نشر أنور إبراهيم صورا لصلاة الجنازة على حسابه الرسمي على الفايس بوك. كما نشر أنور إبراهيم تعزية بالإنجليزية على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي يوم وفاة سيد نقيب العطاس، باسم حكومته وباسم الشعب الماليزي. ومما قاله في تعزيته  العطاس:  (لقد حزنت بشدة لوفاة الأستاذ الدكتور سيد محمد نقيب العطاس(…)كان بلا شك أحد أعظم عقول عصرنا (…) فيلسوف لم يكتف بالتساؤل عما نعرفه، بل تساءل عن الغاية من المعرفة (…) تحدى علمنة المعرفة، ووضع الأسس الفكرية لرؤية إسلامية شاملة. استمعت إليه ماليزيا، واستمع إليه العالم الإسلامي(…) بالنيابة عن حكومة وشعب ماليزيا، أتقدم بأحر التعازي إلى أسرته وإلى جميع من تتلمذوا على يديه). وأرفق رئيس الوزراء الماليزي التعزية بصورة له وهو يقبل يد سيد محمد نقيب العطاس ( الصورة رفقته).

أنور إبراهيم (رئيس وزراء ماليزيا)يقبل يد أستاذه نقيب العطاس

ذكرنا سابقا أن نقيب العطاس كان سباقا إلى فكرة (إسلامية المعرفة) بمنظور اختلف عن منظور المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سواء من منظور مؤسسيه المرجعيين، وفي مقدمتهم الشهيد إسماعيل راجي الفاروقي(1921-1986) أستاذ الأديان المقارنة والعلوم الاجتماعية في Temple University، والذي اغتالته أياد آثمة ومأجورة في الولايات المتحدة الأمريكية، أو من منظور القادة الفكريين أو الإداريين المتأخرين.  فكلا المنظورين كان يهدف إلى (إعادة بناء المعرفة انطلاقا من الرؤية الإسلامية)، مع اختلاف في الطريقة؛ فالعطاس كان يرمي إلى عمل بحثي عميق جعل هدفه هو ( تحرير المعرفة)، و (نزع الطابع الغربي عن المعرفة) De-westernization of Knowledge، عبر نقد المفاهيم المعرفية من داخل العلوم الحديثة وليس من خارجها؛ مثل مفاهيم: الله، والحقيقة، والإنسان،  والعقل، والتاريخ… للوصول إلى (نزع العلمنة عن المعرفة)Descularization of Knowledge ثم التأسيس (لإسلامية المعرفة) Islamization of Knowledge.  وقد شرح العطاس هذه الفكرة في الفصل الثاني من كتابه Islam and Secularism(1993)، منشورات المعهد العالي للفكر الإسلامي والحضارة)، وقد ترجمه إلى العربية صديقنا البروفسور محمد الطاهر الميساوي (2000) ترجمة أنيقة وإبداعية، بعنوان: (مداخلات فلسفية في الإسلام والعلمانية)، سيأتي الحديث عنه لاحقا، وعن قصة هذا الكتاب الفريد في النقد المعرفي؛ فهو في أصل جزء كبير منه (رسالة إلى المسلمين) كتبها سيد نقيب العطاس سنة1974م باللغة الملايوية. وقد ميز العطاس بين (العلماني) و(العلمنة) و(العلمانية)، وغيرها من المفاهيم. ومارس عليها نقدا فلسفيا من داخل بنيتها ومن داخل الفكر الغربي نفسه. أما تصور الأستاذ إسماعيل الفاروقي  الذي اشتغل عليه المعهد العالمي للفكر الإسلامي فكان يقوم على دمج العلوم الحديثة بالدراسات الإسلامية، في صيغ اختزالية وتلفيقية كما يظهر ذلك في بعض منشورات المعهد، وإنشاء مناهج جامعية لذلك الغرض، ثم إحداث مؤسسات تكوينية وبحثية تحتضن هذه المهمة؛ لذلك تأسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة1981. فتحول مشروع إسلامية المعرفة معه إلى مؤسسة تعليمية أكثر مما هو فكرة وبناء فلسفي، وركزت منشورات المعهد وبرامجه على إعادة صياغة المناهج وإصلاحها، والتأصيل لإسلامية المعرفة في كتب التراث العربي، وأهملت إصلاح المفاهيم عبر تحليلها ونقدها. فكان منظور العطاس إذن أقرب إلى مشروع فلسفي ومعرفي ومشروع المعهد أقرب إلى مشروع مؤسساتي وتعليمي، فتفرقت السبل بين المنظورين.

لم نستفد كما ذكرنا سابقا من هذا التنوع في فهم أطروحة إسلامية المعرفة، لعدم تكافؤ في التواصل والتلقي لكلا المنظورين؛ فالعطاس كان يكتب بالإنجليزية، والملايوية (اللغة الوطنية الماليزية)، وقليلا ما ترجمت كتبه ومقالاته إلى العربية، و كان في بدايات مشروعه الفلسفي المعرفي فردا، وأما المعهد العالمي للفكر الإسلامي فكان مؤسسة تكوينية وتعليمية عالمية، وكان في الوقت ذاته دار نشر وأداة تنظيمية للفعاليات العلمية والثقافية في مختلف بلدان العالم الإسلامي، وفي العالم العربي تحديدا، وكانت أغلب منشوراته باللغة العربية، وبعضها القليل بلغات أخرى خاصة الإنجليزية. كل هذه المعطيات حجبت عنا في العالم العربي التفاعل مع أطروحة نقيب العطاس. وزاد من تعميق هذه القطيعة مغادرته للجامعة الإسلامية العالمية، بسبب ضبط إيقاع مؤسسته من داخلها: المعهد العالي للفكر الإسلامي والحضارة، من خلال مجموعة من الإجراءات الإدارية الأقرب إلى العرقلة. وفي السياق ذاته سيحظر المعهد العالمي للفكر الإسلامي بثقل منظوره في الجامعة الإسلامية العالمية، وسيتعزز ذلك بتولي الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، رحمه الله، إدارة الجامعة الإسلامية العالمية سنة1989. فسيبسط إذن هذا المنظور مشروعه ورؤيته من خلال برامج الجامعة الإسلامية العالمية ومقرراتها، ومن خلال انتشاره في بلدان كثيرة من العالم العربي، وسينقبض، في المقابل، مشروع نقيب العطاس  في حدود ماليزيا ومحيطها المعرفي الإقليمي، في حنوب شرق آسيا، وفي نطاق الفضاء الأنجلوساكسوني الذي يكتب ويقرأ باللغة الإنجليزية، وباللغات الوطنية؛ مثل: الملايوية.

لكل هذا وجدت نفسي مضطرا لسرد قصة اكتشاف شخصية سيد نقيب العطاس في مساري البحثي. وقد وجدت في أكثر من مناسبة فكرية في المغرب وفي خارجه أن المهتمين بقضايا الفكر الإسلامي، وبقضايا إسلامية المعرفة يتهامسون في مثل هذه القضايا، ويحكون عن هذا الاختلاف والتباين في وجهات نظر حول الأطروحة، ولكن لا أحد يجهر بذلك، في إطار التنوع المثمر من داخل دائرة الفكر الإسلامي. وكدنا ننسى في الفضاء العربي وفي شمال إفريقيا فكر العطاس والفكر الإسلامي بعامة، وهو بالمناسبة غزير وعميق ودقيق، مما أنتجه (الأعاجم) بتعبير ابن خلدون، في ماليزيا وأندونيسيا والهند وفارس والأناضول… وجمدنا على الصيغة العربية للفكر الإسلامي التي تقوم قاعدتها على اللغة العربية وعلى الفقه وعلى خصوصيات البيئة العربية منذ الظهور الأول لرسالة الإسلام. ولهذا ينطبق علي، على الأقل، في هذا السياق، مع تحوير، المقولة التي يرويها أهل الحكمة والتصوف عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)؛ بمعنى أنني أغفلت سيد نقيب العطاس في حياته فلما مات انتبهت وكتبت عنه. وعذري أني كنت أحدث نفسي في مرات عديدة بالكتابة في الفكر الإسلامي الأعجمي بما فيه الفكر الماليزي، وسيكون العطاس رمزه الأول عندي، وهو ما يحصل الآن.

ازداد محمد نقيب العطاس في مدينة Bogor في أندونيسيا سنة 1931م. وينحدر من أسرة (آل العطاس) الأرستقراطية العريقة في النسب(أشراف) والعلم وفي نشر الدعوة الإسلامية في آسيا، وفي أندونيسيا وماليزيا تحديدا. تنتشر أسرة آل العطاس في آسيا، في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والهند. واشتهر منها في ماليزيا أيضا أخوه عالم الاجتماع سيد حسين العطاس وابنه سيد فريد العطاس عالم الاجتماع في جامعة سنغافورة الوطنية والمتخصص في ابن خلدون، وفي نقد المركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية، وغيرهم من الأساتذة والأكاديميين والسياسيين الذين ينسلون من أسرة آل العطاس.

انتقل سيد نقيب العطاس مع أسرته إلى ماليزيا حيث حصل تعليمه الأول إلى الثانوي. وكان مولعا بالأدب الملايوي والتاريخ والدين، وبكلاسيكيات الأدب الغربي ولما يكمل دراسته الثانوية. التحق بجيش الملايو برتبة ضابط متدرب. واختير للدراسة العسكرية في كلية Officer Cadet School Eaton Hall في مدينة Cheshire في بريطانيا. وأكمل  دراسته العسكرية في الأكاديمية العسكرية الملكية  المرموقة في بريطانيا (1952-1955) Royal Military Academy Sandhurt  ، وهي الأكاديمية التي تخرج منها العديد من قادة الجيوش في آسيا وإفريقيا، خصوصا من دول الكومنولث. وتخرج منها  عدد من الملوك والضباط من دول مختلفة؛ ومن هم تشرشل Wiston Churchill.

عاد من بريطانيا، وكانت تؤهله الأصول الأرستقراطية والخلفية العلمية لأسرته، وعلاقتها بالأسرة الحاكمة في مملكة ماليزيا، وتربيته العسكرية الأكاديمية في بريطانيا،  وتكوينه العلمي الإسلامي، أن يكون في مواقع متقدمة في أجهزة الدولة، لكنه رفض ورأى في نفسه باحثا ومفكرا، فغادر مهامه العسكرية إلى المهام العلمية والفكرية. وبدل أن يكون قائدا عسكريا في الجيش أصبح منظرا للنهضة الفكرية ذات الطابع الإسلامي التي عرفتها ماليزيا منذ بداية الثمانينيات إلى اليوم، بقيادة الدكتور محمد مهاتير وأنور إبراهيم.

عاد نقيب العطاس إلى ماليزيا بعد تكوينه العسكري، واستقال من الوظيفة العسكرية والإدارية لينخرط في مسار تكويني آخر. ثم بدأ دراساته الجامعية في ماليزيا وفي سنغافورة، فانكب على دراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية والفلسفة الإسلامية والغربية. كما اهتم في هذه المرحلة بالثقافة الملايوية خصوصا ما تعلق منها بالأدب والتصوف والتاريخ. وجاءته فرصة لخوض تجربة البحث الأكاديمي في الدراسات الفلسفية في جامعة McGillبكندا؛ وابتدأ رحلة علمية جديدة.

تخرج نقيب العطاس من University of Malaya في سنغافورة سنة 1959، بدرجة الباكالوريوس. وقد حصل تكوينا أكاديميا في الأدب الملايوي، واللغة الملايوية، وفي النصوص الإسلامية في الملايوي، كما تعمق في الثقافة الإسلامية في جنوب شرق آسيا، مما شكل المادة الرمادية لمشروعه الفكري الذي ستبرز معالمه في عقد السبعينيات من القرن الماضي. وقد رسمت له هذه المحطة الجامعية الكثير من خطوط البحث؛ من أهمها الانفتاح على مدونة التصوف القديمة في منطقة الملايو، أفكار وأعلاما ومذاهب. كما كانت رحلاته إلى إسبانيا (الأندلس) وشمال إفريقيا فرصة له للارتواء من التراث الإسلامي في العلوم والأخلاق والعرفان. وقد كان له سابق إطلالة على متن التصوف في جنوب شرق آسيا في مكتبة الأكاديمية العسكرية في Sandhurst في بريطانيا. وانجذب إلى ميتافيزيقا التصوف منذ ذلك الوقت في خضم تكوين وتدريب عسكريين صارمين. ولكنه بقي طموحا إلى تعميق دراساته في التصوف، من خلال التقليد العلمي الحديث في الغرب. لذلك استقال من مهامه العسكرية وولى وجهه شطر البحث والفكر والفلسفة. وأتيحت له فرصة سانحة لتحقيق طموحه؛ فقد حصل على منحة بحثية من المجلس الكندي Canada Council Fellowship لمدة ثلاث سنوات لتحضير الماجستير في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة McGillفي كندا. وهو المعهد الذي أسسه المفكر الكندي ومؤرخ الأديان Wilfred Cantwell(1916-2000). اشتهر كتاباه: The Meaning and End of Religion، و Islam in Modern Historyوهو اليوم من أهم مراكز الدراسات الإسلامية في العالم الغربي التي تدرس الإسلام من داخل تجربته التاريخية والثقافية، وأقرب إلى مختبر علمي للفكر الإسلامي والدراسات الإسلامية. درس فيه كثير من المفكرين المسلمين وغيرهم من المهتمين بالدراسات الإسلامية، من خلال التقاليد الكلاسيكية الصارمة في البحث العلمي؛ فقد تخرج منه مثلا: إسماعيل راجي الفاروقي(فلسطيني-أمريكي)، وفضل الرحمن(باكستاني)، وToshihiko Izutsu(ياباني)، ووائل حلاق(فلسطيني-كندي)… وهو جيل من المفكرين سيحدث تحولات كبيرة في الدراسات الإسلامية من داخل الأكاديميا الغربية في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة ومازال.

تلقى نقيب العطاس تكوينا عاليا في معهد الدراسات الإسلامية بMcGill، يجمع بين الدراسات النصية الكلاسيكية والتقاليد المنهجية الغربية الحديثة والتحليل الأكاديمي المعاصر في دراسة الأديان والتاريخ والفكر الإسلامي والتصوف والعرفان. تتلمذ على مستشرقين كبار عرفوا بتوازنهم المنهجي والعلمي في دراسة الأديان  وتراث الإسلام تحديدا من داخل تقاليد الأكاديميا الغربية؛ مثل: مؤسس المعهد Wilfred Cantwell Smith المتخصص في مقارنة الأديان، والمستشرقة الألمانية Annemarie Schimmel (1922-2003)الخبيرة في التصوف الإسلامي، والمستشرق الفرنسي Charles pellat (1914-1992) المتخصص في الأدب العربي، وفي الجاحظ والمدرسة البصرية تحديدا،  والمستشرق الإسكتلندي  W. Montgomery Watt المتخصص في تاريخ الإسلام والسيرة النبوية والفقه والتصوف.

ختم نقيب العطاس رحلة علمية أكاديمية إضافية(1959-1962) برسالة لنيل درجة   الماجستير في جامعة McGillبعنوان: ” جوانب من فهم التصوف وتطبيقاته  في مجتمع الملايو” Some Aspects of Sufism as Understood and Practised Among the Malays.  وكان البحث فرصة للعطاس للتمرس على التقاليد الأكاديمية الغربية وتجريبها في دراسة المعرفة والتراث الإسلامي المحليين، من خلال تحليل نقدي ودراسة موضوعية في مفهوم (وحدة الوجود) في تجربة الفقية المالكي والصوفي نورالدين الرنيري Shah Waliullah Raniri(1600-1650) من منطقة Aceh(أتشيه) في أندونيسيا في شبه جزيرة الملايو، من أصول هندية. وكان بحث الماجستير بالفعل لبنة إضافية في مشروعه الفكري الذي سيتطور فيه مفهوم التصوف من مجرد ممارسة روحية فردية إلى ظاهرة فكرية وثقافية بامتدادات اجتماعية. كما ستتعمق دراساته حول التعليم في تجربة العلماء في شبه جزيرة الملايو من خلال حفره في ميراث الفقيه الصوفي نورالدين الرنيري الذي توجد فيه محاور كثيرة عن مناهج التربية والتعليم الإسلامي في أندونيسيا.  لذلك سيحتل التعليم مركزا محوريا في المشروع الفكري لنقيب العطاس كما سنرى لاحقا، وستبدأ فكرة (إسلامية المعرفة) في التبلور. ولم يتوقف التكوين الأكاديمي لسيد نقيب العطا س عند هذا الحد، بل ستبدأ رحلة علمية جديدة لإنجاز بحث الدكتوراه؛ فعاد إلى بريطانيا باحثا أكاديميا بعد أن غادرها ضابطا عسكريا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق