المقالات

حسابات الردع في الجغرافيا السياسية(سلمان بونعمان)

تشتغل الحرب، في التحليل الاستراتيجي، بوصفها أداة لإنتاج الأمن وصيانته داخل بيئة دولية تحكمها موازين القوة وصراع الإرادات؛ وتندلع الحرب بسبب اختلاف حادّ في منظورات الأمن القومي والاستراتيجي بين الفاعلين، إذ يبلور كلُّ طرف تصوّرَه للتهديد انطلاقا من تجربته التاريخية وموقعه الجيوسياسي وحسابات الردع وتوازنات القوة والنفوذ، ثم يعيد ترتيب أولوياته وفق منطق حماية المجال الحيوي والمصالح الاستراتيجية وتحصين السيادة.
وعليه تتشكّل حلقة تصعيد تُغذّيها فجوة الإدراك بين ما يراه كل طرف ضمانا لأمنه وما يراه الطرف المقابل تهديدا لمنظومته للأمن القومي، فيتقدّم منطق القوة على لغة التسوية، وتغدو الحرب ذروةً لسياسة تُراد بها إعادة تعريف قواعد الاستقرار وحدود القوة داخل النظام الدولي.
تسعى الحرب على إيران – بأدواتها من عقوبات وضغوط وضربات – إلى إطلاق مسار ضغط شامل يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم وحسم الهيمنة الأمريكية في النظام الدولي والتفوق الإسرائيلي في النظام الإقليمي العربي، وذلك ضمن سيناريو “إعادة هندسة النظام” وجعل القرار السيادي بالمنطقة تابعا للكيان؛ غير أنّ الصورة الأوسع تُظهر منطقا ثابتا في الاستراتيجية الغربية–الإسرائيلية قوامه منع تشكّل قوى إقليمية صاعدة تمتلك هامش قرار مستقل أو قوة اقتصادية أو علمية أو عسكرية قد تهدد أمن الكيان ووجوده ووظائفه، ولذلك تكون الحرب آلية من آليات الإضعاف والتفكيك، وتطمح إلى تغيير هوية النظام وسياساته كما حدث مع العراق بعد 2003 حيث أُعيد تشكيل المشهد السياسي على أسس طائفية.
ويمتد هذا المنطق، بحكم استراتيجية “العدو البديل”، إلى قابلية انتقاله نحو دول أخرى حين تتغيّر الظروف والخيارات: من العراق إلى إيران ثم سوريا فتركيا وصولاً إلى أي دولة تتقاطع مصالحها مع خرائط النفوذ أو تسعى إلى أن تشكل تهديدا محتملا.
وهذا يكشف كلفة الفراغ الاستراتيجي العربي–الإسلامي في النظام الدولي وغياب مشروع عربي نهضوي جامع يمتلك القيادة والسيادة والريادة، ويجعل بناء أمن إقليمي قائم على التعاون والاستقرار والشرعية والاندماج الوطني وتماسك الجبهة الداخلية شرطا لكسب التحديات في بيئة تتنافس فيها القوى الكبرى والمشاريع الجيوحضارية.
وفي النهاية، تبقى الحرب امتدادا للسياسة وأداة لتدبير الصراع على النفوذ والهيمنة، لكنها أيضاً انعكاس لتشابك المصالح الاستراتيجية مع الرؤى الأيديولوجية والدينية – من الصهيونية التوراتية إلى المسيحية الإنجيلية – التي تمنح الصراع بُعداً وجودياً يتجاوز حسابات القوة المجردة. والسؤال المفتوح: هل يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة من الصراعات حين تتداخل الجغرافيا السياسية بالأبعاد الدينية والرموز الثقافية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق