المقالات

واقع الأحزاب السياسية وتعزيز ثقافة المشاركة …عبد اللطيف العسلة

تشكل الأحزاب السياسية مدرسة للتنشئة وجهازا للعمل السياسي، وخزانا يمد الدولة بالأطر البشرية والمرتكزات النظرية والفكرية الكفيلة بتحديد وتفعيل المشاريع التي تسعى إلى الارتقاء بالشأن العام إلى مراتب متقدمة. ومن ثم، فكلما اعترى الأحزاب سلبيات مثل القصور في الرؤية وعدم الوضوح في الخيارات، انعكس ذلك سلبا على أداء ومردودية أجهزة صناعة القرار. فالحزب أصبح الفاعل السياسي المحوري في الأنظمة السياسية الحديثة، الأمر الذي يحتم على هذا الجهاز أن يكون في مستوى تطلعات مجتمعه تنظيما وتأطيرا وممارسة[1].

ولا يمكن للديمقراطية أن تترسخ كمنظومة شمولية في حالة غيابها أو ضعفها على مستوى المنظومة الحزبية. وبالتالي، فإن إصلاح ودمقرطة هذه الأخيرة يعتبر مدخلا أساسيا ومحوريا في مقاربة دمقرطة هياكل ومؤسسات الدولة وبنيات المجتمع، والذي يعني تحريرها من قبضة الثقافة السلطوية، ومن ثم مساهمتها في تعزيز المشاركة السياسية وإنجاز أي مشروع نهضوي طموح مثل الانتقال الديمقراطي. فما هو واقع وتجليات أزمة الديمقراطية داخل الأحزاب المغربية؟ وما هي الدواعي و الأسباب؟

1. واقع الاحزاب السياسية وبعض تجليات الأزمة

إن الحديث عن أحزاب سياسية فاعلة وفعالة لا يمكن، إلا إذا كانت تجعل من الديمقراطية داخل تنظيمها منهجية لا محيد عنها، وبتعبير آخر، لا يمكن للأحزاب أن تتبنى فكرة الديمقراطية إذا كانت غائبة أو ضعيفة الوجود على مستوى هياكلها الداخلية.

وما يسجل على الحزب السياسي المغربي هو انغلاق بنيته التنظيمية وعدم الانفتاح ليس فقط على المجتمع وطبيعة التحولات التي يعرفها، وإنما على النقاشات الداخلية، سواء كانت فردية أو جماعية، وهي الظاهرة التي ارتبط بها منطق الإقصاء والإقصاء المضاد، الأمر الذي يترك تأثيرا سلبيا على إنتاج الأفكار والمفاهيم[2]. 

فمن الواضح أن تطوير ممارسة حزبية فاعلة وبناءة، قادرة على المساهمة إيجابيا في إنجاح مهام الانتقال الديمقراطي رهينة أساسا بأسلوب الممارسة الداخلية للأحزاب، وربح معركة التغيير الديمقراطي الذاتي فلا يمكن أن نطمح إلى تطوير المجتمع وإصلاح الدولة بآليات تعاني خصاصا ديمقراطيا ذاتيا، وهي ذاتها في حاجة إلى إصلاح وتقويم هيكلي.

 ويعزي الأستاذ عبد اللطيف أكنوش غياب اعتماد الأسلوب الديمقراطي  لحل المشاكل العالقة داخل الأحزاب المغربية إلى هيمنة الثقافة المخزنية على سلوك قياديها، رغم أنهم ما فتئوا يشتكون منذ الاستقلال من النموذج الثقافي المخزني الذي يسيطر على سلوكيات الحكم، ويحول دون قيام قواعد قارة وشفافة للتعامل السياسي. فالأجواء التي تخيم على هذه الأحزاب في حياتها اليومية، هي نفسها تلك التي يصادفها الباحث في الدراسات التي تتخذ أجواء البلاطات موضوعا لها[3].

فالمفروض في الأحزاب السياسية أن تكون نموذجا ومثالا لاحترام قواعد الممارسة الديمقراطية، بحيث يجب أن تكون قنوات الترقي في الهرمية التنظيمية للحزب مفتوحة أمام كل الطاقات، وتكون الانتخابات الدورية والمؤتمرات العامة الآلية الأساسية لتجنيد النخبة القيادية في الحزب، وكذا في عزلها وإحلال نخبة أخرى محلها، بالإضافة إلى تحديد التوجهات العامة للحزب. وبهذا الصدد، لا يسعنا إلا تأكيد الموقف الذي يفيد بكون الحزب المغربي يمتاز بجمود بنياته الداخلية حيث لا يسمح بتحقيق طموح سياسي داخله، فمن يوجد في القواعد السفلى لا يستطيع التسلق إلى الأجهزة القيادية إلا في بعض الحالات النادرة[4].

إلا أن المفارقة التي تسجل هنا هي أنه مع انطلاق مسار التحول الديمقراطي  الذي من المفروض أن يضع الديمقراطية على سكتها الصحيحة، وأن يرقى بالممارسة والسلوك السياسي، بزغت ظاهرة التطور السلبي للتعددية الحزبية، بحيث أخذت الأحزاب في التناسل إما من فراغ، أو من خلال اللجوء لآلية الانشقاق والانشطار الناتج في غالب الأحيان عن  ضعف الحوار أو انعدامه، والعجز عن التدبير الديمقراطي  للاختلاف الطبيعي في الآراء.

إن “التعدد الضروري للبناء الديمقراطي والمفيد للتنمية والتقدم هو الذي ينطوي على تعدد حقيقي في الاجتهادات والتصورات السياسية، بحيث يكون الهدف من تأسيس حزب جديد هو تقديم برامج واقتراحات جديدة مغايرة لما تطرحه الأحزاب القائمة، وهذا يدخل في إطار التنافس المشروع الذي يعطي أفكارا جديدة ويشجع على الابتكار ويخلق الدينامية التي تفتح باب التطور”[5].

وبشكل عام فإن وظيفة التعددية الحزبية المغربية تحيل على المنطق الباطني لنظام سياسي فريد من نوعه، يجيد التوفيق بين استخدام المرجعيات والمصادر المستمدة من التراث المخزني، وتبني المعايير الحالية للدولة الحديثة، بل وأكثر من ذلك، فإنها تندرج في المنطق العميق للتعددية المستبدة، وهي خاصية هذا النظام حيث التعايش بين الملكية والديمقراطية ينفي أي تقدم في أشكال التعبير المواطنة(بكسر الطاء) وأنماط التمثيلية السياسية التي قد تمس بالسلطة السياسية /الدينية للملك، الذي يعتبر الممثل الأسمى للأمة وأمير المؤمنين [6].

كما يعزى غياب التعددية السياسية إلى عاملين:

– طبيعة الثقافة السياسية التي تهيمن عليها ثقافة الإقصاء المتبادل بين الفاعلين عوض ثقافة الاختلاف، وحيث يدعي كل فاعل أنه يمثل الشعب

– طبيعة الخطاب الحزبي، حيث أن ما يجمع الأحزاب المغربية هو فئوية الممارسة وشعبوية الخطاب، إذ يوجد تشابه بين خطابات الأحزاب وبرامجها[7].

إن ما يميز وظيفة الأحزاب في النسق السياسي المغربي هو تحولها “من عمل يروم بلوغ السلطة السياسية، كتوجه استراتيجي داخل المنظومة الديمقراطية، إلى مجرد دعامة للنظام لمواجهة التخلف الاقتصادي والاجتماعي. فالحضور الشامل للمؤسسة الملكية في المجالات المتصلة بالسلطة السياسية يقترن بالاختصاصات الواسعة التي تعود للملكية دستوريا وسياسيا، وحرصها على فرض نوع من الاكتساح المجالي، وهو ما يحول الأحزاب السياسية إلى أطراف غير وازنة، بقوة الأشياء، من زاوية إمكانية تقاسم السلطة أو المشاركة الفعلية أو المباشرة في تدبيرها. فتمثل الملكية لمكانة الحزب السياسي لا يخرج عن تصورها العام للسلطة السياسية ووجودها الحتمي في جوهرها باعتبارها وظيفة أصلية للملكية. وهذا التصور يحكم على الأحزاب السياسية أن تكون في أساسها دعامة للنظام ولاختياراته الاستراتيجية. وهذا ما يقود إلى القول بأن وظيفة الحزب بالمغرب قد تحولت من وظيفة التأطير السياسي والتنشئة السياسية والاجتماعية إلى وظيفة إنتاج نخب تكنوقراطية قابلة للاندماج والانصهار والدفاع عن مصالح وأفكار السلطة السياسية والتخلي عن شعاراتها السياسية مقابل إغراءات مادية[8].

وفي هذا السياق من الترابط بين العوامل التي تمت الإشارة إليها، أضحت النخبة السياسية تعاني من نقص كبير في الثقة والاعتبار، وتم إفراغ الأحزاب من محتواها الإيديولوجي ودورها في التأطير والممارسة الديمقراطية، وأصبحت نظرة الرأي العام للسياسية في كونها مسألة مقتصرة على مجموعة من المحترفين الذين يجنون لحسابهم الخاص منافع واقع سياسي منغلق كما أريد له أن يكون، مما أجج الخصام بين المواطن المغربي و المشاركة الانتخابية إلى درجة العداء، حيث الإحساس بالاغتراب السياسي عن كل القيم الديمقراطية  .

لقد تحولت الأحزاب من نمط الحزب التعبوي الذي يساهم في تأطير المواطنين وتنشئتهم على قيم الديمقراطية والتدافع السياسي والقبول بالاختلاف الإيديولوجي، إلى أحزاب متكيفة مع الواقع السياسي الذي ترسمه السلطوية  إلى درجة الدفاع عنه والمحافظة عليه ، ومن دور الفاعل السياسي الراعي  لمصالح الفئات الاجتماعية التي يفترض أنها تمثلها، إلى دور الحارس لمنافع ومصالح الاتجاهات المسيطرة داخلها، الأمر الذي أنتج ما يمكن تسميته بسياسة الريع.

2 في الحاجة إلى ثقافة ديمقراطية

أمام التحولات المجتمعية، والتغيرات الدستورية والسياسية التي شهدتها العديد من الدول بعد ما سمي بالربيع العربي ، أصبح لزاما إحداث قوانين جديدة للأحزاب السياسية أو إدخال تعديلات على التشريعات السابقة التي كانت تؤطر عملها، بما يعزز مكانة هذه الأخيرة داخل المجتمع بشكل عام، والحياة السياسية على وجه الخصوص، للحديث حينها عن وظيفة الحزب السياسي ورسالته في تعزيز المشاركة السياسية للمواطن.

 وهنا يتضح مدلول المقولة المعروفة، وهي: لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، لأن الديمقراطية لا تصبح أمرا واقعا في الحياة العامة بوجود دستور وقوانين وأحزاب وصحافة وانتخابات ومؤسسات، وإنما تتوقف بالإضافة إلى كل ذلك على وجود المواطن الديمقراطي داخل أسرته وفي محيطه الاجتماعي والمهني والسياسي، أي أن تكون الثقافة الديمقراطية شائعة بين المواطنين العاديين والمناضلين السياسيين والنقابيين والفاعلين الجمعويين والكتاب والمثقفين والصحافيين والموظفين والمسؤولين الإداريين والقادة السياسيين والماسكين بزمام السلطة ومواقع القرار[9].

وهكذا فإن لكل نمط من الثقافة السياسية ما يقابله من البنى السياسية، أو ينمو ويتطور في ظله، ولا يمكن بناء بنية سياسية معينة خارج إطار البناء الثقافي السائد في المجتمع، بل إن النظام السلطوي يكرس ثقافة الخضوع واللامبالاة والعزوف السياسي عندما يجد فيها ضمانا لاستمراره و استقراره.

إن مفهوم التغيير الديمقراطي الذي هو جزء من لحمة الدينامية المجتمعية، لا يمكن اختزاله فقط في وثيقة دستورية، بل لابد من اتخاذ إجراءات مصاحبة في اتجاه تأمين مسار التحول الديمقراطي وضمان مشاركة فعالة لجميع الفاعلين السياسيين، لأن من شأن هذه التدابير ( سياسية، حقوقية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، بيئية،…) أن تعبد الطريق لتكسير الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع وإعادة الثقة في مفهوم المشاركة السياسية بهدف تقويم التطور الفكري والإيديولوجي للمشهد الحزبي، وبلورة مشاريع مجتمعية جديدة تتماشى مع الدينامية المتغيرة[10] .

ومن بين الظواهر التي أصبحت تميز الحياة السياسية المغربية جراء تعاقب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ظاهرة العزوف السياسي والموقف السلبي للمواطن إزاء العمل السياسي والمشاركة السياسية، سواء كان في شكل انخراط في تنظيمات حزبية أو في شكل المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وبناء عليه، يمكن القول أن الحفاظ على الاستقرار السياسي يقتضي أن تتواءم درجة المشاركة السياسية مع درجة المأسسة السياسية، بحيث أن انفتاح المؤسسات القائمة على مطالب المشاركة السياسية يشكل خيارا أساسيا لتفادي مخاطر عدم الاستقرار السياسي، وذلك عبر استيعاب كل القوى الفاعلة في المجتمع والاستجابة لمطالبها والقطع مع سياسة الانغلاق والإقصاء.

حيث يتضح أن إضعاف ثقافة المأسسة والعمل بها يبعث على حرص النخبة الحاكمة على ذلك خوفا على ما تتمتع به من نفوذ وسيطرة، على اعتبار أن فتح المجال أمام وجود مؤسسات قوية وفعالة تتبعه إمكانية إقبال المواطنين على المشاركة فيها، مما يؤدي حتما إلى تحجيم نفوذ وسيطرة هذه النخبة عليها، من هنا يمكن القول أن إضعاف عملية المشاركة السياسية إجراء مقصود الهدف منه إحكام انغلاق النخبة السياسية، وبالتالي نجاح هذه الأخيرة في التحكم في المنافذ المؤدية إلى دائرة صناعة القرار السياسي في البلاد، والاستحواذ على ما يرتبط بذلك من منافع مادية ورمزية.

وفي هذا السياق، يظهر أنه رغم التطور النسبي الذي عرفه المغرب على مستوى نظام المأسسة وموقع المؤسسات التشريعية في البنية الدستورية، بدستور 2011 فإن القناعة التي أخذت تترسخ، تجربة بعد أخرى، لدى فئات واسعة من الشعب، باليأس من التغيير الذي يضع حدا للإقصاء والتهميش الذي يعانون منه، يشكل عاملا أساسيا في أزمة المشاركة السياسية، خصوصا في جانبها المتعلق بالإقبال على العمل الحزبي والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ، ” فالحقيقة أن التطور الذي جاء به دستور 2011 كان متقدما عن دستور 1996، لكنه لم يصل إلى درجة الترسيخ النهائي للنظام البرلماني، وترسيخ السلطة التنفيذية بيد الحكومة المنتخبة. لذلك، فإن التقييم الموضوعي ينبغي أن يراعي أن النظام الدستوري المغربي لا يزال يحتفظ بموقع الصدارة للمؤسسة الملكية …تظل المشكلة الأساسية أن النخب الحالية لم تستطع التحرر من ثقافة سياسية قديمة، ولم تتمكن من تجاوز معوقاتها الذاتية لتنخرط في بناء ثقافة ديمقراطية تتجاوب مع تزايد الطلب على الديمقراطية الحقيقية، وهي في ذلك تلتقي موضوعيا مع جيوب المقاومة التي تريد الحفاظ على الوضع كما كان في السابق”[11].

إن الرهان على الأحزاب السياسية في هذه المراحل المفصلية يظل كبيرا، على مستويين، أولهما، يرتبط بتأطير المواطنين وتنظيمهم، والسعي إلى تحقيق نوع من المصالحة بين المواطن من جهة، والسياسة والشأن العام من جهة أخرى، عبر خطابات تستوعب التحولات المجتمعية الراهنة، وبحضور وازن في عمق المجتمع، وإعمال ديمقراطية داخلية كفيلة بتحصين الذات، وبتجدد النخب السياسية بشكل عام… وثانيهما، تتمثل في القدرة على الاقتراح والمرافعة ومواكبة السياسات العامة ومراقبتها، وإعداد نخب على قدر كبير من الكفاءة والمسؤولية والنزاهة[12].

ولذا يبقى الرهان الحقيقي من أجل ديمقراطية حقة هو كيفية محق قيم الثقافة السياسية التسلطية التي تغلغلت في بنية المجتمع، وتشّكل موانع وإكراهات أمام التفكير الجمعي ليس فقط في علاقة السلطة بالمواطن وإنما بفعل تمكنها حتى من العلاقات الاجتماعية، مما يفرض تحديات كبيرة تستدعي تضافر جهود كل الفضلاء من الفاعلين السياسيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق