المقالات

هل يسقط وباء كرونا نظرية “نحلة الغالب” (محمد النويني)

لم نكن نتوقع أن فايروس حجمه 150 نانومتر أن يهدد كرة أرضية مساحتها أكثر من 550 مليون كلم.

لم يكن في الحسبان أن يهزم هذا الوباء غير المرئي شرطي العالم “الولايات المتحدة الأمريكية ” التي عجزت أمام غياب الإمكانات الطبية الكافية وانهيار منظومتها الصحية من مواجهة أخطار هاته الجائحة المفاجئة،بحيث وجدت نفسها غير متوفرة حتى على الكمامات الطيبة والأجهزة التنفسية،متوسلة ومستجدية من باقي الأمم دعمها وتقديم العون والسند لها، على الرغم من امتلاكها لترسانة هائلة من الأسلحة الذرية والهيدروجينية والبيولوجية والأقمار الاصطناعية.

لم نتخيل يوما ما أن تسقط الصورة المبهرة والملهمة لثقافة وقيم التضامن  والتعاضد والحقوق والحريات التي كانت تسوقها لنا القارة العجوز ” أروبا”،فيخرج لنا رئيس دولة أوروبية ” صربيا” بتصريح مؤثر وبنفسية ونغمة حزينة مهاجما الاتحاد الأوروبي بتصريحات نارية على إثر أزمة وباء كورونا بقوله” التضامن الأوروبي غير موجود وهو مجرد قصة خيالية على الورق”.

لقد ذهلنا عندما اشتكت بعض الدول الأوروبية من جراء سلوكيات شقيقاتها في عز الأزمة من خلال إغلاق الحدود وقرصنة الشحنات العديدة من الأدوية واللوازم الطبية.

نعم ستبقى كلمة الرئيس الإيطالي الذي يعتبر بلده من أعتى الأنظمة الصحية في العالم خالدة عندما قال ” انتهت حُلول الأرض، الأمرُ متروكٌ للسماء”.

لم نكن نتصور يوما ما أن شباب مغربي يخرج في حلكة الليل ليمتطي قوارب الموت ويخوض ظلمة البحر في هجرة سرية من إسبانيا إلى المغرب هربا من الموت والتشرد وهو الذي كان إلى وقت قريب يرسم كل أحلامه بالضفة الأخرى .

لقد خلّف انتشار وباء كورونا حالة واسعة من الرّعب والهلع عبر العالم، وعبّرت الكثير من الدول التي تعتبر نفسها متقدمة، عن صعوبات جمّة تواجهها على مستوى مواكبة تداعيات ومخاطر هذا الانتشار، رغم إمكانياتها الاقتصادية والتقنية الهائلة، مما سيؤثر لا محالة بعد انتهاء هاته الجائحة العالمية في إحداث تغيرات كثيرة في النظام العالمي وفي ثقافات  الأمم وحضاراتها وأولوياتها واصطفافاتها.

يقول “جاك أتالي” المُنَظّر وعالم الاجتماع الفرنسي أنه كلّما ضربت جائحة قارّة ما،إلا وقامت بإثبات زيف المنظومات القائمة على المعتقدات والسيطرة،لفشلها في الحيلولة دون موت أعداد لا تحصى من البشر،ومن ثمّة ينتقم الناجون من أسيادهم متسبّبين في اختلال علاقتهم مع السلطة..

ويضيف قائلا “واليوم أيضًا؟إن ثبت عجز السلطات القائمة في الغرب عن التحكم في المأساة التي أطلت برأسها،فإنّ كلّ منظومات الحكم،ومعها كلّ أسس السلطة الأيديولوجية ستكون موضع مراجعة جذرية،ومن ثمّة سيقعُ استبدالها،ما أن تنتهي الفترة الحرجة بنماذج جديدة قائمة على نوع آخر من السلطة ،قائمة على الثقة في نوع آخر من المنظومات القيميّة..”

ترى هل تأخذ أمتنا الدرس من هذا التمرين الذي عاشته وجربته كل الأمم؟

هل تستفيق أمتنا من سنتها ونومها وتنفض عنها غبار العجز والخمول والكسل وتجاوز عقدة نحلة الغالب؟

هل ما بعد انقشاع غبار هاته الجائحة ستسعى الأوطان العربية والإسلامية إلى التحرر من ربقة التبعية والاستعباد وتسعى إلى الاعتماد على ذاتها فتنتج غذائها وتصنع دواءها وتمتلك سيادة قرارها وزمام مبادراتها؟

هل هاته المحنة ستكون سببا في سقوط نظرية مؤسس علم الاجتماع وحكيم عصره ابن خلدون في فصله الثالث والعشرين من مقدمته المشهورة  تحت عنوان ” أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده؟.

بحيث أن المهزوم لا يرغب في مواجهة نفسه بل يفر منها، فلا يملك حينئذ سوى أن يرتمي في أحضان الآخر الغالب، ويصير ذوبانه في الآخر من خلال التقليد، نوعاً من عقاب للذات، يمارسه المغلوب ربما دون وعي منه على نفسه لما ارتكبته من تقصير أدى إلى هزيمته،فيؤدي ذلك إلى إصابته بعقدة الدونية وهي شعور بالنقص والعجز العضوي والنفسي والاجتماعي بشكل يؤثر على سلوكه.

كيف للأمة أن تسترجع ريادتها العلمية والقيادية كما كان ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية،وابن رشد الخبير في علم الفلسفة والطب والفلك،وابن الهيتم صاحب الإنجازات الكبيرة في مجال الفزياء والرياضيات والبصريات ، والخوارزمي العالم الفلكي والجغرافي والرياضي،وابن سينا الملقب بالمعلم الثالث بعد الفرابي وأريسطو والملقب أيضا بأمير الأطباء؟

لن تكون لنا قائمة ولن يسمع لنا ركزا ما لم تكن لنا الشجاعة في امتلاك المبادرة والإرادة الحية في تجديد العزم نحو الكسب والبحث والمدافعة في كل المجالات، كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه إمامة الأمة ” الدنيا غلاب فلا نامت أعين الجبناء، الدنيا حركة وتجديد ونشاط دائب فلا أمن الخاملون، الدنيا منافسة اقتصادية تكنولوجية فلا عاش الجهلة العالة المتكففون، الدنيا صراع وحيلة ومدافعة بالتي هي أحسن تارة، والتي هي أخشن إن اقتضى الحال، فلا كان الحالمون المثاليون العاجزون… الدنيا دار الكسب والاختبار والعبور لدار البقاء فحيى الله أهل الإيمان أهل الهجرة والجهاد.”

نعم تتمكن الطليعة المجاهدة من إمامة أمة الاستجابة (الأمة الإسلامية) وتجندها وتقودها وتربيها وترفعها إلى كرامتها الآدمية وتحررها فكرا ومعاشا، وتحييها بحياة المشاركة في تدبير أمرها .

إن من أسباب هزيمة الأمة هزيمتها النفسية أمام خصومها،وأي أمة لا تستعمر إلا إذا كانت عندها القابلية لذلك، يقول الأمير شكيب أرسلان ” من أعظم أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير فقدهم كل ثقة بأنفسهم وهو من أشد الأمراض الاجتماعية، وأخبث الآفات الروحية، لا يتسلط هذا الداء على أمة إلا ساقها إلى الفناء”.

لنتجنب افتتان أبناء جلدتنا بالثقافات الغربية وسعيهم في تقليدهم امتثالا لقول معلم البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال” لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق