المقالات

نهاية إسرائيل: جدلية الخطاب وحتمية الأسباب(عدنان أبو عامر)_3_

المخاوف الخارجية:

لم تقتصر التحذيرات على صنَّاع القرار الإسرائيليين، بل سبقهم الخبير الإستراتيجي الأكثر شهرة في إسرائيل، البروفيسور يحزقيئيل درور، عضو لجنة “فينوغراد” للتحقيق في حرب لبنان الثانية، والمستشار السابق بوزارة الدفاع، الذي نشر في 2009 كتابًا بعنوان “التوجهات الأمنية والسياسية لإسرائيل”، وتحدث عن السيناريوهات السيئة المتوقَّعة لإسرائيل والمخاطر المحيطة بها، وطرح علامات استفهام حول مستقبل الدولة. من المخاطر الخارجية التي افترض “درور” وقوعها نشوب حرب مدمرة مع حزب الله، وتنفيذ هجمات صاروخية متعددة المصادر في آن واحد باتجاه إسرائيل، وتعرضها لهجمات كيماوية وبيولوجية، ونشوء ميليشيات مسلحة قوية تهددها، وتعرضها لهجمة معلوماتية ضارية تشوِّش أنظمتها المعلوماتية، وتنامي دعوات إقامة “دولة واحدة لشعبين” بسبب فشل المفاوضات مع الفلسطينيين، وتغيير الولايات المتحدة لسياستها الخارجية، وتخفيف تدخلها في الشرق الأوسط، وتقليل دعمها لإسرائيل، ورحيل جيشها عن المنطقة.

تشير تحذيرات درور إلى أن الخوف على إسرائيل من المخاطر الخارجية آخذ في التصاعد بدلًا من التراجع وتحديدًا في السنوات الأخيرة، وسببه الخوف من أداء المستويين السياسي والعسكري معًا، وهو التخوف الأول، وتؤكده الإخفاقات العملياتية والقتالية المتلاحقة، مع الأخذ بالاعتبار الفرق بين مرحلتين؛ مرحلة تشمل العقود الأربعة الأولى والتي شهدت إسرائيل فيها “إنجازات” عسكرية، لاسيما حروب 1948، 1956، 1967، 1982، ضد الفلسطينيين والعرب، وتضمنت احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية في أيام معدودات. وبمقابلها، ما حصل في العقود الثلاثة الأخيرة من انتكاسات عسكرية وإخفاقات عملياتية، واحدة تتلوها الأخرى. تمثلت هذه الإخفاقات في اندلاع الانتفاضتين الفلسطينيتين، 1987 و2000، والانسحاب من جنوب لبنان في 2000، ثم تكراره من قطاع غزة في 2005، وصولًا لانتكاسات حرب لبنان الثانية 2006، وانتهاء بحروب غزة الأربعة الأخيرة: 2008، 2012، 2014، 2021، التي مُني فيها الجيش الإسرائيلي بإخفاقات لم يتمكن من إخفائها.

دفعت هذه الإخفاقات بالجنرال يتسحاق بريك، المفوض السابق لشكاوى الجنود، وقائد الكليات العسكرية، للتأكيد في مقال “تشريحي” عن أبرز مشاكل الجيش، أنه “رغم تجهيزاته العسكرية المتراكمة، واستعداداته التي لا تتوقف تحضيرًا لخوض مواجهات قتالية على أكثر من جبهة، لكن كارثة تنتظره، في ضوء تراجع ثقة الجمهور بقدراته العملياتية، وتدني مستوى رأس ماله البشري، وعدم قدرة التكنولوجيا العسكرية على تعويض التقهقر في الإمكانيات القتالية لجنوده، مما ساعد على نشر حالة الإحباط الآخذة في الانتشار والتوسع داخل أروقة الجيش، بالتزامن مع التهديدات التي تواجه إسرائيل”. فيما كشف معهد الديمقراطية الإسرائيلي، في استطلاعه المنشورة نتائجه في أكتوبر/تشرين الأول 2021، أن تراجع ثقة الإسرائيليين بجيشهم بلغ النسبة الأدنى له منذ 2008 ووصلت 78٪.

والتخوف الثاني في هذا السياق، عودة “المقاومة الفلسطينية” واستمرارها؛ حيث اعتقد الإسرائيليون أنهم تخلصوا من المقاومة الفلسطينية مرة واحدة وإلى الأبد، بعد ما قام به الجيش الإسرائيلي، عام 1982، بغزو بيروت في حرب لبنان الأولى، وتخلص من تهديد منظمة التحرير الفلسطينية بعد قتال دامٍ استمرَّ عدة أشهر، لاسيما أن هذه الأخيرة كانت تستهدف المستوطنات الشمالية بالكاتيوشا. أما اليوم، فإن ذات الجيش وبعد أربعة عقود، يرى المقاومة الفلسطينية في غزة، تتحول رويدًا رويدًا من خلايا و”عصابات” إلى جيش شبه نظامي، يقصف الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالصواريخ والقذائف، ويفرض “حظر تجول” على ملايين الإسرائيليين، ويعطِّل العمل بمطار بن غوريون (في حرب 2014)، وسط عجز إسرائيلي عن التخلص من هذا التهديد، باستثناء تكثيف القصف العسكري للقطاع، ولم ينجح إلا في مفاقمة الخطر القادم من الجبهة الجنوبية، واستمرار التوقعات والاستعدادات لحرب خامسة في الأفق.

أما التخوف الثالث فيتركز في الجبهة الشمالية؛ حيث يشعر الإسرائيليون بمزيد من الضغط والقلق، رغم أن جيشهم دمَّر لبنان من أقصاه إلى أقصاه خلال الحرب الثانية 2006، وكبح جماح حزب الله عن إطلاق صواريخ باتجاه المستوطنات الشمالية طوال ستة عشر عامًا، إلا أن الأخير ذاته راكم قوته، وبات لديه -كما تعتقد إسرائيل- مشروع للصواريخ الدقيقة يهدد جبهتها الداخلية بأكملها، من إيلات إلى رأس الناقورة، وتتوقع أنه سيستخدم كل ترسانته الصاروخية ضدها في حال نشوب أية حرب أخرى بين الطرفين، لاسيما أن أسبابها تتزايد، وقد تشمل لبنان وسوريا معًا هذه المرة. وقد أضيف إلى هذه الجبهة نفسها أيضًا مخاطر أخرى؛ إذ بعد أن عاشت الحدود الإسرائيلية-السورية هدوءًا زاد عن العقود الأربعة منذ وقف إطلاق النار بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، تسببت الأزمة السورية منذ 2011 في تجدد التهديد الأمني القادم من الجولان، من خلال المجموعات المسلحة التابعة لإيران، وباتت تشكِّل مصدر تهديد لإسرائيل؛ مما يعني نشوء جبهة حربية لم تكن في الحسبان لدى المؤسسة العسكرية من قبل.

والتخوف الرابع هو من الجبهة الشرقية وتحديدًا من إيران؛ حيث تخشى إسرائيل من دخول طهران النادي النووي وحيازتها للقنبلة، مما زاد من جرعة التحذيرات الإسرائيلية المتشائمة من التسبب باستهداف الدولة في وجودها، خاصة أن التصنيف الإسرائيلي للتهديد الإيراني يصل حدَّ “الوجودي”؛ لأن الأمر لا يتعلق بصواريخ جوية أو اجتياحات برية، بل بتهديدات نووية كفيلة بالقضاء على الدولة، وفي هذا السياق كانت الاستعادة لمفردات “الإبادة”، ولما حصل في “المحرقة” إبَّان الحرب العالمية الثانية.

ويستذكر الإسرائيليون عند الحديث عن التهديد الإيراني ما فعله قادتهم الأوائل ضد مشاريع نووية مشابهة رغم أن تهديدها كان أقلَّ بكثير مما هي عليه الحال اليوم مع إيران، فمناحم بيغن، رئيس الوزراء الراحل، قضى على مفاعل تموز العراقي في 1981، وأولمرت لم يتردد بمهاجمة مفاعل دير الزور السوري في 2007. واليوم تُطرح أسئلة في إسرائيل عن سبب عدم قيام الحكومات والجيش بإجهاض المشروع النووي الإيراني منذ بداياته الأولى. حتى في المرة الأكيدة التي عزمت فيها إسرائيل على مهاجمة إيران في 2010 لم تنجح، لأن ساستها، نتنياهو وباراك، لم يستطيعا إقناع عسكرها بالهجوم (خاصة قائد الجيش، غابي أشكنازي، ورئيس الموساد، مائير داغان، والشاباك، يوفال ديسكين، والاستخبارات العسكرية، عاموس يادلين)، والنتيجة الماثلة أمام الإسرائيليين اليوم، وبحسب تصريحات قادتهم، أن إيران على بعد أسابيع أو أشهر قليلة من حيازة القنبلة، بسبب “التردد والعجز والخوف” والحسابات الكثيرة التي حالت دون تنفيذهم للهجوم.

والتخوف الخامس سياسي، وهو الأبرز، ويتمثل بعدم التوصل إلى حل نهائي للصراع مع الفلسطينيين، الذي يتطلب من الإسرائيليين دفع أثمان بالانسحاب من أراض فلسطينية، وهو محل انقسام إسرائيلي، ما دفع إسرائيل إلى نظرية “إدارة الصراع، وليس حلَّه”، وأسفر ذلك عن استمرار “الجرح النازف في الخاصرة الإسرائيلية” بلا نهاية.

وتجدر الإشارة إلى أن رابين وبيريز إبَّان توقيع اتفاق أوسلو 1993 حاولا طي صفحة الصراع مع الفلسطينيين، عبر حلِّ الدولتين، لكن اليمين الإسرائيلي قرَّر “تصفية” هذا الحل بـ”تصفية” رابين جسديًّا في 1995، ومنذ ذلك الوقت دخلت القضية الفلسطينية بوابة التجميد، ولم يجرؤ أي رئيس حكومة، أو لم يُرد بالأساس، أن يدفع ثمن إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، خاصة مع إمكانية خسارة مقاعد حزبية في معسكر اليمين.

والمفارقة أن الإسرائيليين مع رفضهم دفع استحقاقات حل الدولتين مع الفلسطينيين، فإنهم يخشون من تحقق حلٍّ أكثر صعوبة عليهم، وهو حل الدولة الواحدة ثنائية القومية الذي يعني عمليًّا، كما يرون، نهاية المشروع “الصهيوني” والقضاء على حلم الدولة اليهودية، لأن قيام دولة واحدة “لكل مواطنيها” وليس لليهود فقط في كل فلسطين التاريخية، سيكون الفلسطينيون فيها هم الأغلبية العددية.

أما التخوف السادس، فهو من فقدان دعم ورعاية الحليف الأميركي لإسرائيل في المنطقة خاصة بعد تراجعه النسبي مؤخرًا، لاسيما عقب ولايتي الرئيس الأسبق، باراك أوباما، بين 2008-2016، وما تبعهما من تراجع التأييد لإسرائيل في أوساط الحزب الديمقراطي وبشكل مطرد، وقد أظهر استطلاع رأي أجرته جامعة مريلاند الأميركية أن نسبة تقل عن 1% من أنصار الحزب الديمقراطي الأميركي يرون إسرائيل واحدة من أكبر حلفاء الولايات المتحدة، وأن 0.5% فقط منهم يعتبرونها أوثق حليف.

وفي موضوع ذي صلة، فقد تراجعت قيمة إسرائيل لدى يهود الشتات، تحديدًا المقيمين في الولايات المتحدة، مما أشعل أضواء حمراء في تل أبيب ودفعها لمحاولة استدراك الأضرار الناجمة عن علاقاتها معهم بسبب تراجع أولوية إسرائيل لديهم، واعتبارهم الولايات المتحدة وطنهم الأول والأخير بعد أن تلقوا من إسرائيل في السنوات السابقة معاملة من الدرجة الثانية، والانزعاج الذي أبدوه بسبب نظرتها إليهم باعتبارهم فقط مصدرًا للدعم المالي والهجرات اليهودية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق