المقالات

نهاية إسرائيل: جدلية الخطاب وحتمية الأسباب(عدنان أبو عامر)_2_

المخاوف الداخلية:

تزامنت تحذيرات الإسرائيليين من مستقبل قاتم ينتظر دولتهم مع ما يتداولونه من معضلة ترافقهم منذ قرابة عقدين من الزمن، وتسمى “غياب جيل التأسيس”، ويمكن اعتبارها التخوف الأول، خاصة مع دخول آرييل شارون، “ملك ملوك إسرائيل” في غيبوبته الأخيرة، أواخر 2005، وسرعان ما تبعه شمعون بيريز، المتوفى في 2016، ومن حينها بدأ الحديث الإسرائيلي عن نهاية عهد المؤسسين الأوائل.

تبدأ القائمة ولا تنتهي بسرد أهم مؤسسي الدولة، أمثال: ديفيد بن غوريون وموشيه ديان وغولدا مائير وإسحاق رابين وشمعون بيريز وإسحاق شامير، ممن وضعوا مصالح الدولة أولوية متقدمة. وأتى مَنْ بعدهم من الجيل الثاني ممن “لم يدفع في رأس المال”، ولم يعاصر حروبها التأسيسية، ليجعل من بقائه في السلطة أولوية حصرية، ولو كانت على حساب الدولة، وفي عهدهم انتشر الفساد والرشاوى والمحسوبية، أمثال إيهود باراك وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت.

مع أن المرحلة التي أعقبت غياب شارون شهدت فيها منظومة الحكم في إسرائيل حالة من التردي والتدهور، فقد خلفه أولمرت في رئاسة الحكومة، وما لبث أن واجه تهمًا بالفساد، ليقضي بسببها عامًا ونصفًا في السجن في 2016، عقب إدانته بتلقي رشاوى عندما ترأَّس بلدية القدس بين 1993-2003. أتى بعده نتنياهو، الذي قضى في الحكم اثني عشر عامًا متواصلة، بين 2009-2021، تميزت بالعديد من الإخفاقات السياسية والعسكرية؛ حيث خاض أربع حروب على غزة في أعوام 2008، 2012، 2014، 2021، دون أن ينجح بالقضاء على المقاومة الفلسطينية، وفي عهده قصفت الأخيرة مدينة القدس في آخر حربين، واقتربت إيران من حدود إسرائيل، وباتت على وشك حيازة السلاح النووي.

بجانب هذه الإخفاقات السياسية والعسكرية، فقد كشف استطلاع معهد “فانلس بوليتيكس” الإسرائيلي في 2017، أن غالبية الإسرائيليين بنسبة 60% يعتقدون بفساد نتنياهو، ورغم ذلك، فقد انفرد بقيادة الدولة طوال هذه الفترة، وتفوق على بن غوريون في عدد سنوات الحكم، وكسر الرقم القياسي كأطول فترة حكم لرئيس وزراء إسرائيلي، وصلت 13 عامًا أي ما نسبته 19٪ من تاريخ إسرائيل.

والجدير بالذكر أن سقوط نتنياهو، في يونيو/حزيران 2021، كان على يد ائتلاف مكون من ثماني أحزاب، شكَّل حكومة ترأَّسها نفتالي بينيت بأغلبية ضئيلة مكونة من 61 مقعد كنيست من أصل 120، وتوزع الائتلاف على 19 عضوًا من اليمين و13 من اليسار و25 من الوسط و4 نواب عرب.

أما التخوف الثاني فهو الانقسام الداخلي وما يمكن أن يفضي إليه، لاسيما أن أهم مفردة لم تعد تخلو منها وسيلة إعلام إسرائيلية، هي “الحرب الأهلية”. وتعود بدايات استخدامها بهذا الشكل إلى مرحلة اغتيال رئيس الوزراء الراحل، إسحق رابين، في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، على يد ناشط يميني، ومنذ ذلك الوقت لم تعش أية حكومة إسرائيلية فترتها القانونية المحددة بأربع سنوات؛ إذ تولى شمعون بيريز الحكومة الانتقالية منذ اغتيال رابين وحتى خسارته في انتخابات مارس/آذار 1996، وبعد فوز نتنياهو في الانتخابات بقي رئيسًا للحكومة حتى 1999، ثم جرت انتخابات فاز فيها إيهود باراك وتولى رئاسة الحكومة حتى 2001، إلى أن تولى آرييل شارون حكومته الأولى حتى 2003، ثم ترأس حكومته الثانية حتى 2005، وحين دخل غيبوبته الأخيرة قاد الحكومة إيهود أولمرت حتى العام 2009، ومنذ ذلك الوقت تصدر نتنياهو المشهد السياسي حتى العام 2021، إلى أن جاء نفتالي بينيت وترأس حكومته لعام واحد حيث استقال في نهاية يونيو/حزيران 2022، وهي الفترة الأقصر في تاريخ الحكومات الإسرائيلية.

وبذا، ظهرت الحلبة السياسية والحزبية في حالة من الترهل والإرباك والتدهور غير المسبوق، وشهدت تصاعدًا في الحديث عن مخاطر الانقسام والحرب الأهلية، وشهدت وصول رسائل تهديد لعائلة رئيس الوزراء المستقيل، بينيت، مع مظروف وبداخله رصاصات، في تذكير بما آلت إليه مرحلة رابين.

وبالعودة للانقسام الداخلي وأسبابه التي أوصلت الحياة السياسية الإسرائيلية إلى التأزم والانسداد، لعل من أهم الأسباب عدم قدرة أيٍّ من الحكومات المتعاقبة منذ ربع قرن من الزمن على إيجاد حالة من الانسجام بين مختلف مكوناتها، فضلًا عن رؤية توحدها، فقد زاد عدد الأحزاب المؤتلفة في كل حكومة، بعد أن اقتصرت حكومات العقود الأربعة الأولى على عدد محدود من أحزاب الائتلاف، لكن السنوات الأخيرة شهدت تكاثرًا لأحزاب الائتلافات الحكومية ممن اختلفت توجهاتها وأيديولوجياتها، ولم تصمد أي منها أربع سنوات كاملة.

وصلت الأزمة السياسية الحكومية الإسرائيلية ذروتها في عام 2019؛ حيث شهدت الدولة أربع جولات انتخابية مبكرة، لأن أيًّا من الأحزاب الفائزة عقب كل جولة لم تحصل على 61 عضو كنيست، يجعلونها قادرة على تشكيل الحكومة ولو بأغلبية ضئيلة. جرت الانتخابات في أبريل/نيسان 2019، ومن ثم في سبتمبر/أيلول 2019، ومن بعده في مارس/آذار 2020، وكذلك في مارس/آذار 2021، وستشهد إسرائيل انتخابات خامسة جديدة في نوفمبر/تشرين الأول 2022. هذا المسار يُظهر تشظي المجتمع السياسي الإسرائيلي؛ إذ لم تعد الخلافات تقتصر على الخلاف بين العمل والليكود فقط، أو بين اليمين واليسار، بل زاد الأمر سوءًا واتساعًا ليشمل الخلافات بين اليمين واليمين المتطرف، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين الشرقيين والغربيين، وبين العرب واليهود، فضلًا عن الانقسام حول علاقة الدين بالدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق