المقالات

ميشيل فوكو: السلطة والسجن وصناعة الانضباط (فؤاد هراجة)

معظمنا يتذكر وبمشاعر متفاوتة لحظات ترديد آلاف المحتجين القَسَمَ خلف المُلهِم ناصر الزفزافي في ساحة الشهداء بمدينةالحسيمة إبان حراك الريف، تأكيدا لصمودهم حتى انتزاع المطالب المشروعة ، وجميعنا يستحضر استقبال الرئيس الشهيد مرسي في مليونية بميدان التحرير بمصر بعد فوزه في الانتخابات، تأكيدا لحماية المسار الديمقراطي. كما نتذكر أيضا مسيرات كاتالونيا وخطابات زعيم حِراكها كارلس بوݣديمون في الآلاف الذين أكدوا بحضورهم الدائم وتحملهم عنف السلطة رغبتهم الجامحة في الانفصال…، طبعا الأمثلة كثيرة لكنني سأكتفي بهذه  لأنها في نظري تفي بالغرض وزيادة. إن المتأمل في هذه الوقائع الثلاث سيلاحظ لا محالة أنها كانت تمثل لحظة معارضة وتمرد، وهدير للمعركة الدائرة بين مركز السلطة ومركز مقاومة السلطة، بين المصلحة الجماعية والتقييدات القانونية التي تجعل المطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية خارج الشرعيات الرسمية؛ مما يجعل هذه المطالبات تنتقل في كثير من الأحيان من المطالب المعيشية إلى المطالبة بتغيير الأنظمة أو قلب الحكومات…  وبالتالي يصبح للتمرد غير المشروع في نظر الدولة،  حوامل جماعية وشعبية، وأهداف سياسية واضحة. ولكي يواجه النظام الحاكم هذا النوع من التمرد السياسي الذي يهدد جوهر سلطته، يلجأ إلى خلط السياسي بالجنائي، فيصبح المعارض السياسي متابع بقوانين ذات صبغة جنائية، من قبيل تخريب الممتلكات، أو تهديد الاستقرار والأمن، أو المس بوحدة الوطن واتهامه بالانفصال، أو خدمة أجندة خارجية، أو تلقي الدعم من الخارج… .
وبالعودة إلى النوازل الثلاث، سنلاحظ ان القاسم المشترك بين الشخصيات المذكورة هو المجال والمكان والفضاء والحيز؛ فكلها تنتمي لمجال السياسة، وتطالب بفضاءات اقتصادية وسياسية عادلة، وجميعها اختار أماكن معينة للاحتجاج، شغلت الأجساد المحتجة فيها حيزا في هذه الساحات. 

ولعل بسطي لهذه الأمثلة لم يكن عبثا، بل كان متعمدا، حتى لا يكون موضوع التحليل المتعلق بالسجن والاعتقال، مجرد أفكار معلقة في الهواء، ذلك أن مقالتي هذه تروم مَوْضَعَةَ الأفكار، أي القبض على الأفكار مجسدة، ثم تصويرها وهي تشتغل في التقائها بأشيائها وإحداثياتها الهندسية والمكانية؛ فالكلمات ليست معطوفة على الأشياء بل هي الأشياء ذاتها، وأهم كلمة تدب على الأرض كما يقول ميشيل فوكو هي الإنسان ثم يستدرك قائلا: “عفوا بل هي الجسد”.

وانطلاقا من الجسد كنقطة ارتكاز، سنتابع فوكو  وهو يقوم بتعرية السلطة من خلال الحفر في جينالوجيا السجن والإعتقال، وسنرحل معه عبر كتابه “المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن” لنفهم لماذا تلجأ السلطة الحاكمة دائما إلى تغييب جسد المعارض السياسي وعزله ومعاقبته، بعد فشل محاولات احتوائه وتطويعه؛ لنتساءل: ألا تمتلك السلطة من الإمكانيات الإعلامية، والأطر الفكرية والمؤسسات الرسمية، ما يغنيها عن خيار السجن والاعتقال؟ هل يكشف المعارض السياسي ضعف السلطة حالة الخروج عن سلطتها؟ ألم نلاحظ أنه على اختلاف الزمان والمكان والمطالب، كان مصير الزعماء الثلاثة السالف ذكرهم تغييب أجسادهم في السجن، وعزلهم وإبعادهم عن الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية؟ ألم يشهد التاريخ السياسي نفس الممارسة مع غاندي، وعمر المختار، وعبد الكريم الخطابي، وفرحات حشاد، وتشي جيفارا، ونلسون مانديلا، وأحمد ياسين، وياسر عرفات، وعبد السلام ياسين…، باعتبارهم عند السلطة المعتلة أجسادا غير مرغوب فيها، مما يدفع بالسلطة المتوجسة، إما إلى محاولة “إعادة تأهيلها”  لتصبح أجسادا منضبطة أي خاضعة تقبل بالاندماج في الآلة الإنضباطية الشمولية لهذه السلطة المعتلة، وإما أنها ستُعدَم أي هذه الأجساد، او ستُمضِي بقية حياتها محرومة من الفضاء السياسي والفكري والتواصلي داخل السجن والحصار والإقامة الجبرية.
في كتاب “المراقبة والمعاقبة” أول ما يبدأ به ميشيل فوكو عرضه لمشهد تعذيب شخصية تسمى “داميان”، مشهد مرعب يصور كل تفاصيل التمثيل بجسد هذا الرجل، لينتهي الأمر بحرقه، كل ذلك في استعراض أمام الحاكم وجمهور غفير من الناس. ينبهنا فوكو أن هذا التعذيب العلني مقصود، إذ الغرض منه بيان قوة سلطة الحاكم الذي تَصْدُرُ الأحكام باسمه، ثم تبليغ رسالة للأجساد المنضبطة من خلال هذا الجسد المتفلت، مفادها أنكم كلكم مشاريع لهذا المشهد إن أنتم خرقتم شبكة الانضباط الكبرى. إن هذا الحفر الفُوكَوِي(بسبة إلى فوكو) يكشف لنا حقيقة تقييم السلطة للمواطن، فهو في نظرها إما جسد منضبط (خاصه)، او جسد فالت ينبغي ضبطه. هكذا حسب فوكو لم يعد الجسد مجرد قوة للإنتاج المادي، بل تحول إلى مؤسسة للانضباط أي الخضوع، تحمل بداخلها رقابة ذاتية تضع الجسد بين معقوفة القانون ومعقوفة السجن. إن مشهد “داميان” وهو يتعذب ويُعدَم أمام الناس، الذي وقع قبل زمن الحداثة، لا يختلف في نظر فوكو عما تشهده المحاكم في عصر الحداثة وما بعد الحداثة. فبعد ظهور القانون الجنائي سنة 1810، وظهور قانون العزل بالزنزانات سنة1844، لم يقتصر تطبيق هذا القانون على الجرائم الجنائية، بل طال المعارضين السياسيين تحت أغطية جنائية متعددة.

وبالتالي فإن جسد داميان المعذب سيظل هو ذاته دليل الجسد الآخر الانضباطي؛ فتاريخ الجسد الفالت غير الانضباطي تجاه شطط السلطة، هو دليل وشاهد على وجود الجسد الآخر المنضبط للسلطة كيفما كان تصرفها. هكذا سنكون قد انتقلنا من المجتمعات الإنضباطية ذات التعذيب المباشر، إلى المجتمعات الإنضباطية ذات التعذيب الناعم والهادئ والصامت والمقنن بدقة، والموزع «بعدالة» ومعرفة، سواء في جغرافية الجسد الخارجية( البعد المادي)، أو جغرافية الجسد الداخلية(البعد الروحي). ذلك أن الجسد الانضباطي الذي سيحل مكان الجسد المعذب على طريقة “داميان” في مرحلة ما بعد القانون الجنائي، يرمز إلى دخول المجتمع بكامله في شبكة الانضباط الكليانية والشمولية. ولئن كانت مهمة السياسة قبل الحداثة هي فرض الرقابة على أي فرد مهدِّد للسلطة الحاكمة، ومعاقبة جسده بالتعذيب المباشر، فإن مهمة السياسة في عصر الحداثة هي استعمال كل الوسائل المتحضرة للإنقضاض على المنافسين السياسيين كل حسب مستوى معارضته، فالتشريح السياسي الفوكوي يكشف أن وجود القانون ووجود السجن يدل على جاهزية آلة السلطة الشاملة لصناعة الجسد المنضبط والمجتمع المنضبط. إن القاعدة تقول: ” حيثما تكون السلطة، توجد مقاومة السلطة”، لذلك فإن السلطة في زمن الحداثة، تزاوج بين الرقابة والمعاقبة. فإذا كانت الرقابة معيارها القانون، فإن هذا الأخير هو نظام لغوي ينتمي لعائلة الملفوظات التي تُصَنِّف وتُتَرجم الجرائم وتحسم في العقوبات التي تقابلها. ليكون بذلك السجن هو مآل النظام الجنائي والقضائي وهو صورته المرئية الظاهرة. السجن هو نظام بصري مرئي قبل أن يكون صورة حجرية، وهي الصورة التي اقتبسها فوكو من جيريمي بنثام (panoptisme) أي هندسة السجن كمكان وكفضاء؛ أي كمكان مسيج يدل على صفة العقاب ودوام المراقبة من خلال الأبراج الأربعة التي لا يُرى من فيها، وكفضاء يؤطره القانون الجنائي. فهو أي سجن صورة مصغرة للمجتمع الجسد،  ويعرض فوكو كمثال إصلاحية “ميتاري” التي تضم إلى جانب السجن، دار العبادة ومدرسة وثكنة، ليبرهن فوكو أن السلطة لا تكون دائما متعالية ومفارفة، بل إنها محايثة تنتشر ميكروفيزيائيا عن طريق مؤسسات الإيديولوجية الناعمة من قبيل: المدرسة والمستشفى، والشرطة، والجيش، والقضاء…، وكلها نتقاسم وظيفة واحدة، ألا وهي صناعة الجسد المنضبط للسلطة الحاكمة، كل وفق علومه وآلياته التي تناسب مجاله وفضاءه. وعليه فإن الحفر الأركيولوجي الفوكوي يؤكد أن القانون والسجن يشكلان مركز كل الفضاءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والوظيفية،

فوجود أجساد المخالفين والمجرمين والمعارضين في السجن الصغير لعدم انضباطها، معناه أن الباقي هو في سجن كبير وهو سجن الانضباط الكلياني الشمولي. إن وجود قانون وسجن قد حولنا إلى كائنات بانوبتيكية(نسبة إلى صورة السجن عند بنثام) تعيش تحت هاجس الرقابة والخوف من العقاب.
والآن دعونا نعود إلى المشهد الأول الذي بدأنا به، حيث خطابات الزعماء على الآلاف من الناس، وخروجهم المتكرر لحيازة الساحات، لكن سرعان ما يتوقف كل ذلك بعد اعتقال الزعماء وعزلهم في السجون، وتسريب صور تعذيبهم، فلماذا لا يستمر النضال بعدهم؟ لأن السلطة الحاكمة قامت باستثمار سياسي في أجسادهم، فجعلت من معاناتهم ومعاناة أسرهم، محاكمة صامتة للجميع، خيرتهم من خلالها بين إعادة التأهيل الذاتي لاكتساب جسد منطبط للسلطة، او الانتقال لمؤسسة السجن حيث الانضباط القسري للسلطة. وخلاصة القول فإن ميشيل فوكو يرى أن القضاء ما هو إلا وسيلة في يد السلطة تعمل من خلاله على ترجمة إرادة الشرطة عبر محاضرها، وبالتالي فإن الرهان على القضاء في ظل سلطة غايتها صناعة أجساد منضبطة ومجتمع منضبط لمزاجها وتطلعاتها، يعتبر سداجة سياسية، وغباء معرفي بالسلطة. لنستنتج في الأخير أن إقدام السلطة على اعتقال الرموز المعارضة سياسيا وإعلاميا وحقوقيا وفكريا…، الغرض منه تنبيه المجتمع المنضبط إلى مزيد من الانضباط، وإلا فإن مصير الأجساد المنفلتة السجن، وأن مهمة النظام الحاكم ووظيفته لا تكمن فقط في إخضاع الجميع لسلطته، بل حملهم على ضرورة الاقتناع بها. وهذا ما يذكرنا يبطل رواية 1984 لجورج اورويل، عندما كان السجان يعذبه ليقول ان 2+2= 5، وبعد تمنع طويل استسلم وأجاب أن حاصل 2+2 هو 5،  لكن السجان استمر في تعذيبه لا لشيء إلا لأنه رأى أن المستنطق لم يقلها اقتناعا وانما قالها درءا للتعذيب. والدرس المباشر من كل هذا التحليل، أننا كلما قَبِلْنَا بالمراقبة فقط في حق المحكومين دون مراقبة السلطة الحاكمة، وسَلَّمْنَا بتكييف ملفات المعارضين السياسيين جنائيا، ثم طبَّعنا مع زج بهم في السجن كمجرمين، نكون قد ساهمنا في التشجيع على انحراف العدالة من جهة، وتكريس أن يصبح الفضاء الخارجي سجنا كبير لا حرية فيه للفرد، ولا وظيفة له سوى الانكباب على نفسه ليجعل منها جسدا منضبطا، في مجتمع منضبط، لسلطة غير منضبطة. وبناء عليه فإن النضال من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الرأي العام، هو نضال من أجل فضاء مجتمعي حر، تكون فيه السلطة خادمة له وعنده، وليس العكس، هو نضال من أجل عدالة تفرق بين المجرم الذي يجب أن يخضع للقانون الجنائي، والمعارض السياسي الذي من حقه ان ينتقد ممارسة السلطة في شكلها او جوهرها بكل الأشكال غير العنف،

كما من حقه أن يطالب بتغيير أطرها القانونية إن كانت تحول دون تحقيق المصلحة العامة للمجتمع.
هكذا يكون ميشيل فوكو قد كشف لنا حقيقة السلطة من خلال نظرتها وتعاملها مع أجسادنا حيث سعيها الدائب لجعل المنضبطة لقواعدها تحت عين المراقبة وسييف المعاقبة(في السجن الخارجي الكبير)، ثم تستثمر سياسيا بالأجساد المُعَارِضة لضبط المجتمع من خلال الاعتقال والمعاقبة. وفي هذا التوصيف الفوكوي دعوة صريحة لليقظة والوعي والتفاعل المجتمعي المناسب لزجر السلطة عن الشطط، وحملها بكل أساليب الاحتجاج المشروعة على تغيير وظيفتها نحو خدمة الشعب وليس نظام الحكم. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق