المقالات

من تاريخ مؤسسة الاستخبارات في الإسلام(براء نزار ريان)_3_

مكانة سامية
كان “ديوان الخبر” (المديرية العامة للمخابرات) ذا أهمية عالية في الدولة الإسلامية لجسامة مهماته وحساسيتها، تماما كما هو شأن أجهزة المخابرات اليوم؛ ولذلك لُقّب بعض متولي هذا الجهاز بـ”خطير الدولة” كالحسين بن إبراهيم البغدادي (ت 552هـ/1158م)؛ طبقا للصفدي (ت 764هـ/1363م) في ‘الوافي بالوفيات‘، ومنبع خطورته هو أنه “خبير بكلّ ما يجب وعارف بما تقرّر”؛ حسب التعبير الجامع لابن الفُوَطي (ت 723هـ/1323م) في ‘مجمع الآداب‘.

وكان الحُكّام يختارون لوظيفة “صاحب الخبر” -وهو مدير المخابرات العامة أو إحدى محطاتها الفرعية بمدينة ما- رجالا من أهل الثقة والثقافة والنباهة نظرا لمكانتهم الرفيعة بدوائر صناعة القرار؛ ولذا قال الخوارزمي إن الطبقة الأولى من “خواصّ المَلِك” تتضمن “صاحب البريد لأنه بمنزلة سمع الملك.. [فـ]ـيطلعه على مصالح المملكة ومفاسدها”. ثم يضيف -مبينا حيوية هذه المؤسسة لاستقرار الدول- أن “من أدب الحرب تنفيذ (= إرسال) العيون والجواسيس وأصحاب الأخبار فإن لهم مكيدة عظيمة”.

ولذا نجد من بين الذين تولوا هذا المنصب علماء وأدباء مشاهير، بل وأحيانًا كانوا يجعلونه وراثةً في عوائلهم طلبا لاستقرار عمل هذا الجهاز الحساس لأمن الدولة والمجتمع. ومن هؤلاء المشاهير الأديب الحريري (ت 516هـ/1122م) صاحب ‘مقامات لحريري‘؛ فقد قال الأصبهاني (ت 597هـ/1200م) في ‘خريدة القصر‘: “ولم يزل الحريري صاحبَ الخبر بالبصرة في ديوان الخليفة، ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المُقْتفَوي”، أي عهد الخليفة المقتفي بالله (ت 566هـ/1171م).

ومن دلائل أهميّة هذا المنصب ترقيةُ بعض مديريه إلى منصب رئاسة الوزارة؛ فقد ذكر الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- أن أبا نصر الكُنْدَريّ (ت 456هـ/1064م) اتصل بالسلطان طغرل بك السلجوقي (ت 455هـ/1063م)، فجعله “صاحبَ خَبَرِه” أي مديرا لمخابراته، ثم “استوزره (= عيّنه وزيرا) وله إحدى وثلاثون سنة..، ولقّبه الخليفة [العباسي]: ‘سيد الوزراء‘”.

وكان يُنظر إلى هذا الديوان باعتباره ضرورة أمنيّة لا يصحُّ التفريط فيها -ما دام منضبطا بحدود صلاحياته الشرعية- مهما كان دافعُ التفريط نبيلًا، وربما اعتبروا إهماله سببا في انهيار الدول. فالأصبهاني يحكي -في ‘تاريخ دولة آل سلجوق‘- قصة اغتيال فرقة الحشاشين للوزير نِظَام الملك (ت 485هـ/1092م) الذي بدأ إثرَه اختلالُ الدولة السلجوقية بالتقاتل الداخلي بين أمراء الأسرة الحاكمة.

وقد ذَكَر أن ذلك الاغتيال لم يكن إلا “بسبب أنْ لم يكن للدولة ‘أصحاب أخبار‘، وكان الرسم في أيام الديلم (= البويهيون) -ومَن قَبلهم من الملوك- أنهم لم يُخْلوا جانبا من ‘صاحب خبر وبريد‘، فلم يَخْفَ عنهم أخبار الأداني والأقاصي وحال الطائع والعاصي”.

ثم يضيف أن سبب إهمال ذلك أن السلطان ألب أرسلان قال لنظام الملك: “لا حاجة بنا إلى صاحب خبر، فإن الدنيا لا تخلو كل بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء؛ فإذا نقل إلينا صاحب الخبر -وكان له غَرَضٌ (= مصلحة شخصية)- أخرج الصديقَ في صورة العدو، والعدوَّ في صورة الصديق. فأسقط السلطانُ هذا الرسم لأجل ما وقع له من الوهم، فلم يشعر إلا بظهور القوم (= الحشاشون) وقد استحكمت قواعدهم”. والغريب في الأمر أن نظام الملك هذا عقد فصلا لطيفا في كتابه ‘سياست نامه‘ عن أهمية جهاز الاستخبارات ودوره في استقرار الدول!!

وممن عُرفوا بإهمال الجهاز الاستخباريّ والتقليل من أهمية جهوده فعدّ مؤرخون ذلك من الأسباب البعيدة لإسقاط التتار الدولةَ العباسية سنة 656هـ/1258م؛ الخليفةُ الظاهر (ت 623هـ/1226م) الذي كان يرفض الاطلاع على التقارير الأمنية السرية التي تُرفع إليه، “فلما مات وجدوا.. في داره ألوف رقاع (= تقارير أمنية) كلها مختومة لم يفتحها، فقيل له أن يفتحها فقال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات”! وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘.

بين نهجين
وما فعله الظاهر هذا كان نقيضا لما عُرف به أبوه الخليفة الناصر (ت 622هـ/1225م) من عناية بالغة بجهاز الاستخبارات وقراءة تقاريره يوميا كما يفعله اليوم رؤساء الدول الجادّون؛ ففي عهده نجد “أن حُرّاس الدروب كانت ترفع إلى الخليفة -في صبيحة كل يوم- ما يكون عندهم من أحوال الناس الصالحة والطالحة؛ فأمر [ابنُه وخليفتُه] الظاهرُ بتبطيل ذلك، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس؟ فقيل له: إن تركت ذلك تفسد الرعية! فقال: نحن ندعو لهم بالإصلاح”؛ حسب ابن تَغْرِي بَرْدِي (ت 874هـ/م1469م) في ‘النجوم الزاهرة‘.

إذا حاولنا تحديد المهمات التي كان جهاز “ديوان الخبر” يؤديها طوال القرون؛ فسنجدها أساسا واقعةً في أربعة اتجاهات: الأول: متابعة الأخبار المهمّة والأحوال العامة لأقاليم الدولة؛ الثاني: مراقبة كبار الموظفين لضمان استقامتهم والتأكد من صحة ولائهم؛ الثالث: ملاحقة المعارضين والمنتقدين والمحتجين والثائرين المحتملين؛ الرابع: جمع الأخبار عن العدوّ الخارجيّ.

كان “أصحاب الأخبار” يرصدون كافة الأحاديث والوقائع ثم يرسلونها إلى الجهة العليا المختصة، بغض النظر عن مدى أهميتها الأمنية أو العسكرية أو السياسية؛ حتى إن عَريب القرطبي (ت 369هـ/979م) ينقل لنا -في ‘صلة تاريخ الطبري‘- وثيقةً نادرةً لتقرير تامٍّ أرسله ‘صاحب خبر‘، ولا يحتوي معلومةً مهمّة بل قصّة غريبة عن بغلةٍ وَلدت مُهرةً!

قال عَريب القرطبي: “ورد كتاب ‘صاحب البريد‘ بالدِّينَوَر (= مدينة تقع غربي إيران) يذكر أن بغلة هناك وضعت فلْوةً، ونسخة كتابه:… إلخ”. ثم أورد نص التقرير متضمنا خبر البغلة بدقّة تامةّ، مع ذكر مصدره المباشر وتفاعلاته بين الناس؛ وهذا رغم طبيعة الخبر غير الحساسة، فكيف لو كان خبرًا له انعكاسات أمنية أو سياسية؟!

أبدع المسلمون في تتبع أخبار الأعداء لضمان الاستعداد المُسبق لخططهم، وفق ما يزودهم به “أصحاب الأخبار” من الجواسيس المندسين في صفوف الأعداء بساحات المعارك، أو القاطنين معهم في بلدانهم متخفِّين في هيئة تجار أو أصحاب حِرَف، وأحيانا يكون هؤلاء الجواسيس من الأعداء أنفسهم، فيحقق المسلمون بتجنيدهم اختراقا أمنيا للجبهة المعادية. ولعلّ من أروع أنشطة المسلمين التجسسية على الأعداء ما نقلته كتب التاريخ من قصص اختراقهم الأمني العميق والنوعي للممالك الصليبية على ساحل الشام.

فها هو المؤرخ أبو شامة المقدسي (ت 665هـ/1267م) يروي لنا قصة تجنيد مخابرات صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ /1193م) لامرأة صليبية مرموقة هي زوجة ملك أنطاكية الصليبي بوهيموند الثالث (ت 598هـ/1201م). ففي سبيل الحصول على معلومات خطيرة من مصدر صليبي رفيع المستوى؛ لم يتحرج هذا السلطان -المعروف بتدينه العميق- من تجنيد امرأة صليبية، بل نجده يبذل لها في سبيل ذلك الهدايا النفيسة، ويكرمها بإطلاق الأسرى من عائلتها طلبا لاستمرار مساعدتها الاستخباراتية لدولته.

يقول أبو شامة في ‘كتاب الروضتين‘: “وكانت امرأة ابرنس (= أمير) أنطاكية تُعرف بدام (= مدام) ‘سبيل‘ (Sibylla توفيت بعد 584هـ/1188م) في موالاة السلطان [صلاح الدين] عينًا له على العدو، تهاديه وتناصحه وتُطلعه على أسرارهم، والسلطان يُكرمها لذلك ويُهدي لها أنفس الهدايا، فلما فَـتح (في سنة 584هـ/1188م) حصن برزية [قرب أنطاكية] وحصل في أسره هذه الجماعة (= أخت سبيل وأقاربها) وافترقت بهم أيدي المسلمين، تتبعهم السلطان وخلّصهم من الأسر وأنعم عليهم، وجهّزهم وسيّرهم إلى أنطاكية لأجل امرأة الابرنس، فشكرتْه [سبيل] على ذلك ودامت مودتُها ونفعُها للمسلمين”!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق