المقالات

من أجل تفكيك تأصيلات الاستبداد(عبد الهادي مهادي)

1. حسب منطوق القرآن الكريم ومفهومه فإن شرط طاعة الحكام أن يكونوا “منا”، فإذا زاغوا عن الدين أو انحرفوا عن جادّة العدل لم يعد هناك التباس عند العقلاء في كونهم خرجوا من هذه الـ”منّا”، وحينها يطرح السؤال التالي: ما موقفنا منهم؟ وهل الخروج عليهم وعصيانهم مبرَّرٌ شرعا؟ ألا نكون بذلك نعرض الأمة وديارها للخراب؟

2.عندما حاصر الثوار بيت سيدنا عثمان، ووقف جزء معتبر من الصحابة “ينتظرون” وأيديهم على قلوبهم، وفي اللحظة التي اختار جزء آخر اعتزال ما اعتبروه فتنة، وفضلوا الوقوف في منطقة الحياد، حينها كانوا يدشّنون ـ دون وعي منهم ـ طريق الأمة المنحدرة تدريجيا نحو الظلم والاستبداد من جهة المتغلبين، والسكوت المخزي من جهة جمهور الأمة وسوادها الأعظم.

والذي أعطى مشروعيةَ هذا الصمت الكريه اتجاه المستبدين والرضا بالواقع، مهما كان كالحا على طول تاريخنا الطويل، وقائع ونصوص كان أبطالها صحابة وتابعين يعدّون القدوة والمثال. ونموذج ذلك أنه لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع سيدنا عبد الله بن عمر أولاده وقال لهم ناصحا: (إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :” ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة”، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه).

قال ـ رضي الله عنه ـ هذه المقولة التي تشي بسوء تقدير كبير للأمور السياسية، التي ينبغي أن لا يكون فيها المرء طيّعا بين يدي الخبّ الغشاش، ذلك أنه ـ رحمه الله ـ لم يسأل نفسه حينها عن قيمة البيعة التي في عنقه، وعن مشروعيتها، لأنه بكل بساطة بايع في المسجد والسيف فوق رقبته، كما تحدثنا جل المصادر التاريخية، وهذا يعني أنه أعطى صفقة يده تحت الإكراه.

ثم تسلسل “الانحطاط التأصيلي” حتى قابلنا قامة علمية من طينة جليلة مثل الإمام أحمد بن حنبل يفتي بأنه “من غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً”. ثم جاء ابن تيمية ليؤكد بأنه “متى صار ـ أي المتغلب ـ قادراً على سياستهم بطاعتهم أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع”. أما الإمام النووي فقد حسم القول بأنه “إذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره، انعزل الأوّل وصار القاهر الثاني إماماً”.كل هذا في غياب تام لدور الأمة و حضورها، وهذا ما يجعلنا نؤكد ـ بقلب مطمئن للأسف ـ بأن تراثنا السياسي هو في جملته فقه “التأصيل لمفهوم الطاعة في غياب تام لفقه المعارضة”.

طبعا نحن نعي أن علماءنا ـ رحمهم الله ـ كانوا محكومين بنوع خاص من الفهم، يمكن وسمه بـ”التفكير من داخل بنية الفتنة”، وكان الهدف الذي يحدوهم هو “الحفاظ على بيضة الإسلام”، والإبقاء على وحدة المسلمين؛ أي أنهم أعطوا الأولوية الكلية لوحدة دار الإسلام وقوة الدولة على حساب الحرية، التي غابت ومازالت تحت ذرائع تختلف باختلاف الزمان والمكان. ولم ينتبهوا إلى أنهم ـ في النهاية التحليل ـ كانوا يشرعنون لقيم الاستبداد. لأنه في النهاية غاب العدل والحرية والوحدة… وضاع الدين أيضا.

3. قديما سكت جزء كبير من العلماء ـ عن حسن نية ـ على نوع خاص من الأحاديث التي تدعو للقيام في وجه الحاكم المستبد، حتى طواها النسيان، لحساب نوع آخر يدعو للسمع والطاعة “وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك”، ما لم يظهر كفرا بواحا. لكن، وبعد أن تزوجت المذهبية الوهابية بسيف آل سعود، أصبح علماؤها يخفون ـ وبسوء نية ـ هذه النصوص الحاضّة على الخروج على حكام الغلبة والقهر.

هذه المدرسة تدافع عن مبدإ السمع والطاعة بشراسة، وهي مستعدة لأن تكفر كل من يرفع شعار المعارضة والخروج، وفي نظر هذا التوجه فإن الأمة ليس لها سوى أحد أمرين: الصّبر أو النصيحة، وحتى هذه الأخيرة يلزم أن تكون سرّا حتى لا تتحول إلى فضيحة.

وفي المقابل ننمذج للتوجه الأصيل في الإسلام بحديثين اثنين: الأول مروي عن حذيفة رضي الله عنه قال: “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير وأسأله عن الشر. فقلت: يا رسول الله! هل بعد الخير من شر كما كان قبله شر؟ قال: نعم! قلت: فما العصمة منه؟ قال: السيف أحسَبُ! “.

كلمة “السيف أحسَبُ” الواردة في الحديث تمنحنا إمكانيات واسعة لاستنباط فريضة مقاومة الاستبداد. إنها تعطينا علاج الخمـــول والانقياد للحاكم المستبد؛ فلا يقهر السيفَ إلا السيفُ متى فشلت الوسائل السليمة، والاحتجاجات الجماهيرية، وعجزت عن كف أيدي المتغلبين من ظلم العباد ونهب البلاد.

الحَسَبُ في اللغة الشرف، ومن ثم فلا عصمة من الشر إلا بمقاومته والتصدي له، فلا قدّست أمة لا تأخذ حق ضعيفها من قويها وهو غير متعتع كما قال الصادق الأمين.

طبعا وجب التنبيه في هذا المقام إلى أن كلمة “السيف” هنا رمز لمفهوم “القوة” الذي نُزايلُه عن مفهوم “العنف”؛ فالأول وضع يد التنفيذ في ميزان الشرع والعقل، والثاني وضعها في ميزان الهوى، وبالتالي فالمآلات تختلف باختلاف هذا الفهم الدقيق.

وثاني الأحاديث يقول فيه النبي الله صلى الله عليه وسلم: “يهلك الناس هذا الحي من قريش. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم”. ومن هذا الحديث نمسك بطرف الخيط لنعلن عن خيارنا الأمثل في أفق تفكيك الاستبداد وإسقاطه: إن مقاطعة الظالمين والابتعاد عن مؤاكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم مع تجنب استعمال السلاح لهي السبيل المثلى لشل حركة العسف وإسقاط سلطانه.

وهنا أكتفي بالإحالة على مقال للأستاذ خالد العسري تحت عنوان “نظرات في فقه الاعتزال السياسي”، فقد أبدع أيّما إبداع.

4. نؤمن بأن صرح الاستبداد أصبح مع مرور الزمن متينا وعميقا حتى غدا “عقيدة” مؤسَّسَة مؤصَّلة، خاصة وأنه يرتكز على نصوص دينية مقدسة، وهذا ما يمنحه قهرا شديدا وفتكا مضاعفا. وفي المقابل نجد بأن الإسلام لا يمكن أن يكون صحيحا أصيلا نقيا ما لم يكن مُحرِّرا للإنسان من كل قيد أو تبعية أو استبداد، وهذا ما يمنحنا القوة واليقين لكي نعلن بأن أيّ نص يتعارض مع هذا الفهم ينبغي إنكاره ورفضه، أو قراءته وتأويله بما يتناسب وهذا الثابت الذي لا يمكن زحزحته، لأنه ـ بكل بساطة ـ يتصادم مع قطعيات الشريعة، ولا يعبر عن فلسفة الإسلام التي ضمنت كرامة الإنسان وحقوقه الفردية والجماعية.

وللمزيد من التوضيح، فإننا نقصد بالنص هنا بعض المرويات المحسوبة على الأحاديث النبوية، والتي تتعارض كلية مع الآيات الثابتة في القرآن الكريم الداعية إلى القيام بواجب رفض الظلم وعدم السكوت عن الباطل. نقول هذا الكلام لأننا نعي جيدا أن السنة النبوية كانت هي الساحة التشريعية التي خاض فيها منظروا منظومة الاستبداد واعتمدوها بعيدا عن مثل قوله تعالى:”والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون” و” لا تطيعوا أمر المسرفين” و “لا تركنوا إلى الذين ظلموا”. ومن هنا جاءت دعوتنا لتفكيك تأصيلات الاستبداد المنسوبة ـ زورا ـ إلى الشرع.

5. إن أخطر ما عانته الأمة ومازالت خمول أبنائها، ورضاهم الصامت بدين الانقياد، وإذعانهم لكل من استبد باسم الدين، ووجود فئة من علمائها يؤصّلون لوجوب طاعة الحاكم مهما كان ظالما “ما أقام الصلاة”، في حين أن نصوصا قرآنية كثيرة تأمرنا ـ بطرق مختلفة ـ على ضرورة إقامة الواجب الشرعي الأوجب، وهو معارضة الحاكم إن حاد عن الحق والقيام في وجهه، ويكون هذا الواجب بنّاء ومثمرا إذا نُظِّم وانتظم في إطار واضح البنيان والأركان، وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:” لا والذي نفسي بيده، حتى تأْطِروهم على الحق أطرا”.

أمام الأحرار من علماء الأمة ومثقفيها واجب مقدس تجاه أمتهم؛ وهو تعليمها أن التحرر من عبودية البشر وظلمهم، والانعتاق من وصاية الحاكم المستبد، يُعدُّ من جوهر الدين ولبّه. ومن ثم فإن كل مناضل صادق مخلص يلزم نفسه بالعمل على إزالة جور الحاكم بالوسائل السلمية فإنما يكون ـ حقيقة ـ في محراب العبادة.

إن صراحة النصوص في وجوب رفع الظلم، والوعيد بهلاك الظالمين والقرى الظالمة، دلَّ على أن الفتنة الحقيقة التي يخوِّف منها الشرع إنما هي في ترك المناكير وليس في خوض النضال ضد المستبدين، كما قال محمد العبد الكريم، وليس هناك من منكر أكبر من الاستبداد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق