المقالات

مناقشة هادئة لأسئلة الإرث الواردة (محمد رفيع)

يطيب لي أن أشكر ابتداء الأستاذ الزواوي الذي تولى مناقشة ومساءلة ما كتبته عن قضية المساواة في الإرث، غير أن مناقشته لمكتوبي شابتها شوائب أبعدت المعقب عن لب الموضوع، وهو ما اقتضى مني تقديم التوضيح الآتي:

أولا: أعلن الأستاذ الزواوي منذ البداية أنه لا يعنيه إن كان الدين الإسلامي يقول بالمساواة أو بالتفاوت، مع أنه هو لب القضية، وهو المرجعية التي منها صغت الحجج التي بها ناقشت. واللازم المنهجي ومقتضى الأمانة العلمية التزام موضوع الكلام ومقصود المتكلم دون التعلق بحواشي القول، وموضوع الكلام: مناقشة دعوى المساواة في خطاب الحركة النسوية المعاصرة بمعيار فلسفة الإرث في الشريعة الإسلامية، فكيف تستقيم مناقشة حجاجي في الموضوع بعيدا عن فقه قول الشريعة في الموضوع؟      

ثانيا: مشكلة المعقب في إطلاقية القول في قضية المساواة، ذلك أنه يتحدث عن المساواة من حيث هي قيمة إنسانية مطلقة في حين حديثي عن دعوى المساواة في خطاب محدد وهو خطاب الحركة النسوية، فليس الموضوع في إنسانية قيمة المساواة من عدمها.

ثالثا: يعيب علي أني ربطت المساواة بالمواثيق الدولية والضغوط الدولية وضعف الأنظمة السياسية بدل النظر إلى المساواة قيمة إنسانية، وهذا هروب من الموضوع، بدل المناقشة فيما ذهبت إليه من هذا الربط، ثم عطف على ذلك أمرا غريبا وهو افتراض مفهوم المخالفة لقولي بأن ضعف الأنظمة العربية ديمقراطيا هو ما جعلها تخضع للضغوط الدولية في الموضوع، حيث تساءل المعقب فيما لو أن الأنظمة العربية ديمقراطية ألا تسأل عن المساواة؟ وهو تساؤل بعيد عن سياق الكلام ولا يقتضيه أصالة ولا تبعا.

رابعا: عاب علي المعقب تعميم الحكم على الأنظمة العربية مع أن غالبيتها تحكم الشريعة في أحوالها الشخصية، وهذا الذي يسمى عند أهل الحجاج والمناظرة إلزام ما لا يلزم، فهل أذكر المعقب مرة أخرى بأن الموضوع دعوى المساواة في الإرث في خطاب الحركة النسوية ومن شايعها، فهل من كلام واضح في الموضوع؟

خامسا: يبدو أن المعقب استعجم لفظة ” المساواة الميكانيكية”، فلو عرف القصد منها لكف عن كثير من الكلام، فالمساواة ليست مقصودة لذاتها يا رجل إنما القصد العدل وانتفاء الظلم، أما التزام المساواة بإطلاق بغض النظر عما يؤول إليه الأمر فقول لا يقول به عاقل، ولا وجود له في الكون، وذلك ما سميته بالمساواة الميكانيكية، ولذلك جاء التفاوت في الإرث بين الرجل والمرأة ضمانا للعدل ونفيا للظلم، فلو التزمت المساواة في ذلك لا انتفى العدل.

سادسا: تمسك الأستاذ مرة أخرى بحواشي الكلام فتكلف مفهوم المخالفة لجملة لا مفهوم لها، وذلك قولي إن توزيع الثروة الوطنية ظالم ومتفاوت، فاشتق منها المعقب تكلفا جواز تعميم الظلم في توزيع ثروات الأسر، فلا السياق يسمح بهذا الاستنتاج ولا الكلام منطوقا ومفهوما، فالكلام في ذكر حقيقة اجتماعية سياسية تجري على الأرض يعرفها الخاص والعام، ولا علاقة لها بنظام توزيع الإرث، أما سياقه فهو في معرض بيان تهافت وانتقائية خطاب المساواة في الإرث القائم على الدفاع عن المرأة ومصلحتها، وهي مصلحة متفرعة عن المصلحة الكلية وهي مصلحة المجتمع المالية المتمثلة في الثروة الوطنية.

ولعلي أكتفي بهذا القدر الذي أرجو أن يكون كاشفا للمقصود ودافعا لكل موهوم، والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق