المقالاتغير مصنف

مكانة الرســول صلى الله عليه وسلم فــي الأدب الكوردي(3) -النثر الكوردي-… (د. عماد ستار الطواني

 

النثر لغة الكلام والكتابة العاديين، وهو أيضا أحد شکلي التعبير الأدبي الرئيسيين، فالخطابات والصحف، ومقالات المجلات تكتب نثرا، وكذلك سير حياة الناس، والرسائل، والتاريخ، والقصص وأكثر المسرحيات.

 لا تلتزم أكثرية النثر بوزن متواتر، كما أن النثر يخلو من القافية، وهو ما يتميز به كثير من النظم الشعري وغالبا ما يستخدم النثر أدوات شعرية كالجناس والطباق، وينظم بعض الكتاب نثرا بالغ التناغم، وفي كثير من الأحيان لا يستطيع القارئ أن يميز تمييزا واضحا بين النثر والشعر([1]).

  فالنثر في الأدب الكوردي يعد من الأعمدة الرئيسية فيه، ويحتل مسافة واسعة بأقسامه المتعددة من القصص والأمثلة وحكاية الغابرين وغير ذلك، وللرسول صلى الله عليه وسلم مكانة لائقة بحب هذا القوم له فيه، فليس بمقدور الباحث أن ينقل كل ما هو موجود في نثر الأدب الكوردي المتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم بل يحتاج الأمر إلى مجلدات، لذا يذكر الباحث أهم أبرز ما كتبه الأدباء والكتاب والمؤرخون في النثر الكوردي ما يتعلق بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم

والتعبير عن حبهم له وإيمانهم به.

   ومن أبرز ما ترك لنا العلماء والأدباء من أعمالهم الأدبية وخصصوا مكانة للرسول ما كتبه “شرفخان البدليسي” في مقدمة كتابه: “شرفنامه في تاريخ دول وإمارات الكردية” وهو كتاب ضخم ألفه المؤرخ والشاعر الكردي “شرفخان شمس الدين البدليسي” كتبه بين عامي 1597 ــــــ 1599م وهو المعروف بــ “شرف الدين” حاكم إمارة “بدليس” الكردية، الواقعة غرب مدينة”وان”.

  وكان له اهتمام كبير بالعلم والمعرفة والتاريخ الكردي، فألف هذا الكتاب باللغة الفارسية، وترجمه “مام هذار موكرياني” إلى اللغة الكوردية، ويعد أهم مصدر للتاريخ الكردي لتلك الفترة، و لبنة أساسية له.

 بدأ المؤلف مقدمة كتابه بالتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، واللجوء إليه ثم يخصص مساحة للصلاة والتسليم على الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم

، ومدحه ووصفه، حيث يقول:

 “الصلاة والسلام الدائمتان على الرسول صلى الله عليه وسلم

الذي يقول :

“كنت نبياً وآدم بين الماء والطين”([2]) والذي قال الله في حقه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[3] الرسول صلى الله عليه وسلم

الذي استضافه الرحمن في سبع سماوات، وخصص له مركبا خاصّا، وكان في استقباله الملائكة والأنبياء و زُيّن السماء لاستقباله، وذهب إلى لقاء الرحمن مع رفيق دربه “جبريل” ــ عليه السلام ــ حتى وصل إلى مكان تركه “جبريل” ــ عليه السلام ــ ووصل إلى نقطة لم يصل إليه قبله أحد، (فكان قاب قوسين أو أدنى) وأعطاه الله مكانة ما أعطاه لأحد قبله ولا بعده”([4]).

ومن المؤسف والغريب أيضاً أن هذه المقدمة حذفت من ترجمته إلى اللغة العربية، وهذه الفعلة سواء كان عن قصد أو بدون قصد يعدّ خيانة علمية واضحة ومكشوفة.

  ومن الأعمال الأدبية النثرية التي أيضاً للرسول صلى الله عليه وسلم

وجود ظاهر فيه، ما كتبه الشاعر الكوردي المعروف: “أحمدي خاني”(1799 ــ 1867م) في قصته المشهورة بــ (مَم و زين)، وتعد أول قصة ونثر في الأدب الكوردي، رغم أن بعض المؤرخين يقولون أن ما كتبه علي الترماخي في عام 1591م في كتابه “الهداية الحميدية في قواعد اللغة الكردية” إلا أن التأريخ يؤيد ما ذهب إليه الأولون بأن ما كتبه (أحمدي خاني) يعد أول عمل نثري في الأدب الكوردي ([5]).

  ماكتبه (أحمدي خاني) تمثل عملاً أدبيا فذا وفريداً من نوعه، إنه ملحمة شعرية صاغها الشاعر، يعد من أعظم شعراء الأكراد، وأول من ابتدع الشعر القصصي في الأدب الكوردي، وخصص في هذه الملحمة الشعرية مقدمة رائعة في التضرع إلى الله ــ سبحانه وتعالى ــ ومساحة واسعة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

وإظهار حبه له ووصفه بأوصاف لائقة بمقام حضرته صلى الله عليه وسلم، إذ يقول:

 ئەی واستەیێ وجودێ کەونەین

شایستەیێ قوربێ قابێ قەوسەین

شاهــەنشـەهـێ تەختـگەھ مـەدینە

موعجز ژ تە ئەڤ قەدەر مە دینە

سەیرا فەلەکان ل نک تە گاڤەک

فەخرا مەلەکـان ژ تـە ســلاڤەک

شەققەلقەمەرا تە یەک ئیشارەت

زاغەلبەسـەرا تـە یەک عبارەت

ئەی پادشەهێ سەدیر لەولاک

ڕابـە هەرە ئاسمـانـی چـالاک

حازر ژ تەڕا بۆڕاق و ڕەفرەف

شاتــر بـ تـەڕا فـرشتـە ڕەفرەف

دا رەفع ببــن ژ بــەرتــە پــەردە

بێ پەردە دگـەل خودێ خەبەردە

يقول “الخاني” في هذه الأبيات مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أي واسطة وجود الكونين، يليق بك مقام (قاب قوسين)، أنت سيد سادات مدينة، تفتخر بك الأرض، و معجزاتك تدل على أنك رسول الله، إذ بإشارة واحدة شققت القمر، أيها الملِك الذي جاء في حقك (لولاك)، قــم واذهب إلى السماء، فالبراق حاضر لك وملائكة الرحمن يجرّون لجامه، فأهل السماوات ينتظرونك وحاضرون لاستقبالك، واذهب إلى أعلى المقام فيها، حتى يكون بينك وبين الرحمن(قاب قوسين أو أدنى)، ما وصلت إليه لم يصل إليه أحد قبلك، حيث تكلمت مع الرحمن بدون حجاب.

وهناك مجال آخر في النثر الكوردي خصص لولادة سيد البشـر صلى الله عليه وسلم، وهو قصة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم المشهورة في المجتمع الكوردي بــ “مولود نامه” صارت مادة أدبية طازجة لدى أدباء الكورد، حيث كتب فيها أكثر من خمسين كتاباً بين الشعر والنثر باللهجات الكوردية المختلفة.

   ينقل “الدكتور سلام ناوخوش” في كتابه (النثر الإسلامي الكوردي) باللغة الكوردية: “يوجد 32 مولودنامه باللهجة الكورمانجية، و7 بلهجة الزازاكية، و10 باللهجة السورانية  والهورامية، وهذه الأعداد غير محصورة بل هذه هي المشهورة، ويعدّ ما كتبه الشيخ “حسين القاضي” في قصة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى هذه الأعمال النثرية، حيث كتبه القاضي سنة 1260 هـ” ([6]).

  ولم يذكر الباحث نماذج مما كتبه الأدباء في قصة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم لضيق المجال…

في المقال اللاحق نتحدث بإذن الله تعالى عن مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأدب الشعبي الكوردي

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات 

 

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق