المقالات

مع ماكلوهان ضد الماكلوهانية في عصر الميديا الرقمية(نصر الذين العياضي)_5_

7. نقد الماكلوهانية 

لم تفلت أية أطروحة من أطاريح ماكلوهان من النقد على ضوء الحقائق التي تضمَّنها التاريخ البشري، وتاريخ وسائل الإعلام، والمخترعات التقنية، ودراسات علم النفس الإدراكي، والاقتصاد السياسي.

لقد أقصى ماكلوهان في مقولته: “إن الميديا امتداد للإنسان” مكسبًا من المكاسب المعرفية التي تحقَّقت في عصر الأنوار، والمتمثل في التمييز بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي(108). وبالتالي، الوقوع في الخلط الذي حذَّر منه البنيويون، وعلى رأسهم كلود ليفي شتراوس (Claude Lévi-Strauss)، والمتمثل في أن عدم التمييز هذا يؤدي، في آخر المطاف، إلى الإخفاق في إدراك ما هو إنساني(109)، وإلى القفز على ما يُجْمِع عليه الأنثربولوجيون ويختصرونه في القول بأن ما هو طبيعي وثقافي هو نتيجة بناء اجتماعي.    

ركَّز النقاد على المغالطات التاريخية التي بنى عليها ماكلوهان تحليله واستنتاجاته. لقد كشف سدني فنكلستين العديد منها، نورد بعضها في شكل أسئلة من باب التوضيح فقط(110): عندما يذكر ماكلوهان أن الفضاء الإقليدي هو نتيجة مباشرة لظهور الحروف الصوتية، فهل كان يجهل أن الفينيقيين هم الذين اخترعوا هذه الحروف، وأنهم عاشوا قبل المسيح بعشرة قرون، وأن أقليدس عاش قبل المسيح بثلاثة قرون، أم أن لعبارة “مباشرة” معنى خاص لدى ماكلوهان؟ وإن كان ورق البَرْدِي وراء قيام الإمبراطورية الرومانية، مثلما يزعم ماكلوهان، فلماذا لم يؤدِّ هذا الورق بالمصريين إلى إنشاء إمبراطوريتهم قبل الرومان بحكم أنهم كانوا الأسبق في استخدامه؟ وإذا كانت الحركات القومية أدت إلى إسقاط حكومات نتيجة توزيع الأخبار بفضل المطبعة ذات الحروف المتحركة، مثلما يؤكد ذلك ماكلوهان، فلماذا لم تنطلق الثورة من الصين التي استخدمت المطبعة ذات الحروف المتحركة منذ القرن الثامن الميلادي؟

تشاطر الباحثة إليزابيث إزنستين (Elizabeth Eisenstein) ماكلوهان في فكرته التي تنص على أن انتقال الكتاب من المخطوط إلى المطبوع قد أحدث انقلابًا في المعرفة، لكنها لا تعتبر، بأية حال من الأحوال، أن الأداة التقنية هي العنصر المحدِّد والحتمي للتغيرات الاجتماعية في الأزمنة المعاصرة. وترى أن للمطبعة علاقات بالسلطات الدينية والسياسية التي تشرف على الإنتاج الفكري أو تحظر نشره(111). لذا، نلاحظ أن المطبعة في أوروبا أسهمت في تعزيز النزعة الفردانية والنهضة بينما أدت إلى مركزية المعرفة والسلطة في الصين(112).

وإن كانت الرقمنة قد طالت مختلف وسائط الاتصال، وأخضعتها لمنطق المواءمة الذي فتح المجال لبروز ظاهرة “العَبْر الميديا” (transmedia)، مما يبطل تصنيف ماكلوهان لوسائل الإعلام بالساخنة والباردة، فإن الكثير من الباحثين حكموا على هذا التصنيف بالسطحي وحتى الأسطوري. فالميديا الساخنة، على سبيل المثال، ثرية في البيانات والمعلومات، حسب ماكلوهان الذي لم يقس هذا الثراء بكمية المعلومات وتنوعها التي تنقل الواقع أو التجربة الاجتماعية التي تعبِّر عنها، بل قاسها بالأثر النفسي الذي تتركه على الحواس مما يؤدي إلى إضعاف مشاركة الجمهور. لقد صنَّف المطبوع بالساخن لضعف مشاركة حواس القارئ في القراءة. فلننظر إلى قراءة أي نص، حتى وإن كانت قراءة صامتة، ألا تتطلب جهدًا بصريًّا وذهنيًّا لفكِّ الحروف وإعادة تركيبها في جمل وربطها لإنتاج المعنى، وقد يرافق هذا الجهد تركيز الأذن الباطنية؟(113)

إن تصنيف ماكلوهان للتليفزيون بأنه وسيلة باردة، نظرًا إلى فقر محتواه الذي يدفع المشاهد إلى تشغيل حاستي السمع والنظر من أجل إعادة تشكيل الصور التي يبثُّها، دفع بعض الكُتَّاب إلى التندُّر بالقول: إن جهاز التليفزيون الذي يملكه ماكلوهان بحاجة إلى من يصلح عطبه(114)!

يفتقد تصنيف ماكلوهان لوسائل الإعلام إلى ساخنة وباردة التماسك والانسجام الذي ميَّز تصنيف “جون فيسك” (John Fiske)(115)، على سبيل المثال، والذي قسمها إلى ثلاثة أقسام، وهي:

1. ميديا التقديم: الصوت، والوجه، والجسد: وتستعمل اللغات الطبيعية، والكلمات والتعابير والإيماءات. وتشترط وجود متصل (communicator)، لأنها مجرد وسيط.

2. ميديا التَمَثُّل: الكتب، والفن التشكيلي، والصور الفوتوغرافية، التي تستعين بالمدونات الثقافية والجمالية لإنتاج نص بمعزل عن المتصل ومواد للاتصال.

3. الحوامل الميكانيكية: الهاتف، والإذاعة، والتليفزيون، وهي فئات ناقلة للفئتين الأولى والثانية، تخضع أكثر للإكراهات التقنية.  

وتتضمن مقولة: “الوسيلة هي الرسالة” فكرةَ حق أُريدَ بها باطلٌ في البيئة الرقمية؛ إذ لا يمكن الحديث عن قوة الميديا الاجتماعية وفاعليتها بمعزل عن المستخدم وتَمَلُّكه لها، لكنها فتحت آفاقًا للبحث في علوم الإعلام والاتصال وفق مفهومين مركزيين، وهما: “منظومة الميديا” (The media device)، والذي يختلف عن مفهوم البيئة الإعلامية الذي ذكرناه آنفًا؛ إذ يُقصد به “الأداة المفهومية والمنهجية التي تسمح باستيعاب موضوع الميديا المعقد من خلال المساهمة في تحديد أبعادها التنظيمية والمنمذجة الملازمة لتصور الإنسان لنشاطه. وأخيرًا، “التمفصل” الذي يحدث بين الإشكاليات التقنية والاجتماعية والرمزية والاقتصادية والوجودية أو الإدراكية”(116).

ويمكن الإشارة إلى أن بيار بورديو (Pierre Bourdieu) شغل مفهوم “المنظومة” في كتابه الشهير الذي ينقد التليفزيون الفرنسي. ومفهوم القَدَارة (The Affordance)، الذي يُعرَّف بأنه “مجمل الإمكانات للفعل في بيئة ما، التي تكون موضوعية لكنها ذات علاقة بالفاعل الذي يستخدمها”(117). فقدارة الميديا الاجتماعية تتمثَّل فيما تتيحه للفعل وما تفرضه عليه وعلى الفاعلين من إكراهات. فالقدرة على الفعل والتأثير لا تتوقف على العُدَّة التقنية، على أهميتها، ولا على الفاعلين ونشاطهم، بل إنها موزعة على الاثنين في سياق الاستخدام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. يوجد العديد من الباحثين الذين تأكدوا من أن قدارات التكنولوجيا الرقمية تسهم في تطوير ديناميكية وثقافة معينة تتطلب مناهج وأدوات بحث مخصوصة(118)، بعيدًا عن الحدس الماكلوهاني الذي يستند إلى الزمن الدائري: العودة إلى العصر الشفهي، وإلى القبيلة، الذي يتنافى مع فكرة التقدم. فالبحث عن قدارة مواقع التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، دفعت بالتفكير إلى أبعد من حدود المنصة الرقمية؛ حيث يستطيع مستخدموها من البشر وغير البشر تقديم إضافات إليها(119). لذا، يعتقد علماء الاجتماع أن مواقع التواصل الاجتماعي “لا تشكِّل بذاتها موضوعًا مبنيًّا للدراسة، وكل خطاب يُحَمِّلها مسؤولية التغيرات الاجتماعية ينزاح، بالضرورة، إلى الحتمية التكنولوجية”(120). وتُعد هذه الأخيرة، في أبسط تعريف لها، عبارة عن موقف فكري يجسده الإيمان بأن التكنولوجيا تحدِّد، بشكل أساسي وفي أول مقام، التنظيم الاجتماعي والسلوك البشري(121). وبهذا فهي التي ترسم القَدَرَ التاريخي المحتوم العالق بالإنسان وبتاريخه، والذي لا مندوحة عنه.

ويعتقد أنصار هذه الحتمية أن لوجود موقع التواصل الاجتماعي تأثيرًا اجتماعيًّا بالقوة ذاتها والشكل ذاته في أي مجتمع، أي إن هناك علاقة سببية بين المتغير المستقل (العُدَّة التقنية) والمتغير التابع (التأثير الاجتماعي). يصعب على هذه السببية الصمود أمام الواقع، لأن “الأحداث لا تصنعها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ولا تقودها، بقدر ما تكون وليدة لنسيج مُعَقَّد لتفاعلات إنسانية-تقنية”(122). وتستبعد هذه الحتمية كل تفكير في إنتاج العُدَّة التقنية ذاتها، أي التَّفكُّر في ديناميكية العلاقة بين العلم والتقنية والسوق، وتملُّكها من قبل المستخدم.

تغيَّرت النظرة في البيئة الرقمية إلى ثنائية الزمن والمكان التي استوحاها ماكلوهان من هارولد إينيس، وبنى عليها صرحه النظري في قراءته لتأثير وسائل الإعلام على المجتمع، ليس من ناحية إحداثيات الاتصال: الوقت، والمسافة، بل ضمن رؤية أشمل يتضمَّنها مفهوم “الحضورية” (Presentism The) الذي صاغه المؤرخ فرانسوا هارتوغ (François Hartog). فمقولة: “هنا والآن”، التي كان الاتصال يخضع لها، أصبحت “هنا وهناك والآن”، والإنترناتي أصبح يتصل داخل الزمن وخارجه. لقد تغيَّرت علاقة الإنسان بالزمن الذي يتسارع. فالحاضر يسرع ويدفع التاريخ نحو المستقبل، والماضي لم يعد يملك قيمته المرجعية(123).   

هل يمكن اعتبار ماكلوهان من مؤسسي أيديولوجيا الاتصال؟ هذا ما يُستَشف من تفسير العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية المُعقَّدة بعامل يتيم وحاسم، إنه الاتصال وعُدَّته التكنولوجية، مثل: الحروب(124)، والقوميات، والإمبراطوريات، والثقافة، والكتابة، والفنون، وتشتُّت الحواس وتنافسها وتوازنها. فالميديا من هذا المنظور سبب ونتيجة في آن واحد. فالورق من منظور ماكلوهان كان سبب قيام الإمبراطورية الرومانية وسبب فنائها!(125)

تتجدَّد الخطابات الطوباوية مع كل مبتكر جديد في تكنولوجيا الاتصال فتَعِد البشرية بثورة عارمة تقضي على كل مشاكلها وما تعانيه من صعوبات في شتى المجالات. وما انفكت قائمة منتجي هذه الخطابات تتمدد، يأتي في صدارتها كل من هاورد رينغولد (Howard Rheingold)، وجويل دي روزناي (Joël de Rosnay)، وبيار ليفي (Pierre Lévy)، وومانويل كاستلز (Manuel castells)، ولن يكون آخرها دان غيلمور (Dan Gillmor). إنها الخطابات التي تغذِّي المخيال التقني المنفصل عن الممارسات الاجتماعية الفعلية والملموسة التي تدفع إلى الإيمان بأن التكنولوجيا ليست كيانًا ماديًّا فحسب، بل إنها معطى أيديولوجي أيضًا “يمنح تقنيات الاتصال سلطة معيارية تجعلها العامل الأول في تنظيم المجتمع وإعطائه معنى”(126). فالمبالغة في دور التكنولوجيا الحاسم في المجتمع هو ضرب من “الأيديولوجيا غير المرئية”(127) التي تَعِدُ البشرية بوعود وردية تروم تفسير الواقع بإخفائه. فوراء الخطاب الاحتفائي بــ”الويب التشاركي” على سبيل المثال -وإظهاره بأنه يجسد التحول التكنولوجي الحاسم، والتطور الثقافي الكبير، ومؤسس عصر سياسي ومجتمعي جديد- يختفي واقع آخر، يندمج فيه “الويب 2” مع الصناعات الاتصالية والثقافية التي تتكيَّف باستمرار مع السوق(128). والخطاب الذي يروِّج للميديا الاجتماعية، مثل موقع فيسبوك، ويبرزها كمنصة رقمية للتحرر من الوساطة الاجتماعية والسياسية ومؤسساتها المتسلطة ذات التراتيبية الهرمية(129)، يحجب ما يثبت بأنها تسهم، أيضًا، بفاعلية في إعادة إنتاج الذاتيات التي تجدِّد تكيُّفها مع المجتمع التجاري، فقدارتها تُمكِّنها من رسم “بروفايل” المستخدم بناء على ذوقه، وما يستهلكه، وعادات هذا الاستهلاك. وبهذا يسهم هذا الموقع في بناء هوية المستخدم/الزبون/المستهلك أكثر من المواطن/المناضل. وإِنْ ظهر نضاله في “بروفايله” العام فإنه لا يُسقط “هويته الاستهلاكية” بل يخدمها. ففي مواقع التواصل الاجتماعي كل شيء يتحوَّل إلى سلعة لها قيمتها التبادلية.

قد يعتقد البعض أن ماكلوهان لم يجانب الصواب في حديثه عن الحرب الأبدية بين وسائط الإعلام نظرًا للتحولات التي تجري في عالم الإعلام والاتصال اليوم، والتي يصفها البعض بالفوضى أو الأزمة التي وقعت الصحافة الورقية ضحية لها. لكن بالمقابل، لا أعتقد أنه يوجد اليوم من يفسر توقف الكثير من الصحف الورقية عن الصدور، أو “موت” بعض مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع شبكة التواصل المهني “ريس دوت كوم” (Ryse.com) وموقع “سكند لايف” (Second life)، بأنه نتيجة حرب الحواس التي تمزق نفسية المرء، مثلما فسر ذلك ماكلوهان نظرًا لأن وسائط الاتصال هي امتداد لهذه الحواس، وأن ما يوصف بالفوضى في العالم الافتراضي لا يعبِّر عن الحرب الميدياتيكية بالمفهوم الماكلوهاني، بل يفصح عن التوجس من مآل التحولات المتسارعة التي تعيشها وسائل الإعلام وتبعاتها السياسية والثقافية والتي أدت إلى زعزعة “هيمنة النظام الرمزي” بالمفهوم البوردوي -نسبة إلى بورديو- في المجتمع، وذلك لأن السلطة في ظل “الثورة الرقمية” تبدو حسب مُنَظِّر براديغم الفوضى، بريان ماك ناير (Brian McNair)، سائلة ودائمة التغيير ومنتشرة عبر قنوات الاتصال والإعلام. تتراكم، تتبخر، تذوب عندما تتغير شروط البيئة(130).

حقيقةً، إن التطور السريع الذي يعيشه “الويب” بمختلف تطبيقاته يبدو فوضويًّا، لكن مفهوم الفوضى يظلُّ نسبيًّا، لأن المواقع في شبكة الإنترنت والمنصات الرقمية تخضع للوائحها التنظيمية والمعلن عنها ولـ”ضبط الخوارزميات” التي تغربل وتنتقي ما تنشره. لقد أصبحت الخوارزميات تضطلع بالدور الذي كان “حراس البوابة الإعلامية” يقومون به في وسائل الإعلام التقليدية. ولم يؤدِّ هذا التغيير إلى فتح النقاش عن فوضى المعلومات والأخبار بقدر ما طرح بإلحاح الأسئلة التالية: ما مدى تعدُّد الأخبار والمعلومات وتنوعها في شبكة الإنترنت؟ وما مدى صدقيتها؟ وهل تخدم حرية التعبير والفكر أم تعمل على استقطاب الآراء وتعزيز “التوحد الرقمي” (Homophilia)؟

خاتمة

يتضح مما سبق أن هناك أكثر من حاجة ملحَّة لإعادة النظر في موقع ماكلوهان في الدرس الإعلامي في المنطقة العربية، وذلك بالفصل بوضوح بين ما قاله ماكلوهان وبين ما نفكِّر فيه عن ماكلوهان تجنبًا لتشويه أفكاره ومن أجل عَقْلَنَة تأويلها، وإلى دفع هذا الدرس ليشمل كتابات الكُتَّاب العرب سواء تلك التي استلهمت أفكارها من أطروحات ماكلوهان أو عارضتها، والتي ذكرنا بعضها في ثنايا هذا النصِّ. ويتطلب هذا الدرس الاستعانة بالكُتَّاب الذين أسهموا في إعادة قراءة مؤلفات ماكلوهان في البيئة الرقمية، والتي ذكرنا بعضها آنفًا. فليس من المعقول أن تظل مرجعيته لفهم ماكلوهان تقتصر على كتاب جيهان رشتي الذي صدر في نهاية سبعينات القرن الماضي.

إن إعادة النظر في تدريس ماكلوهان يحرِّر الدارسين العرب من القراءة الانطباعية لمقولاته التي حوَّلتها الكتابة الصحفية إلى أنماط مقولبة، ويفتح المجال لإعادة كتابة تاريخ الميديا في المنطقة العربية، ومواقع التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن سطوة التكنولوجيا وهيمنة الأفكار الجاهزة التي لم تتحرَّر من منطق التأثير المطلق الذي يساوي بين الميديا الاجتماعية ووسائل الإعلام التقليدية. وهذا يعني نفي الطابع الديناميكي والمتحوِّل لمواقع التواصل الاجتماعي حسب سياقات الاستخدام. فمواقع التواصل الاجتماعي في آخر المطاف هي ثمرة ما ينشره مستخدموها. لقد شكَّل موقع فيسبوك فضاء بديلًا للإعلام ولإدارة النقاش السياسي أثناء الإطاحة بالرئيس ابن علي من السلطة في تونس، لكنه تحوَّل إلى وسيلة للقدح والتهكُّم السياسي(131). الأمر لا يختلف كثيرًا في الجزائر؛ فموقع فيسبوك كان مسرحًا لنقاش النخب حول مستقبل البلاد وآليات التغيير في الحراك الشعبي، في فبراير/شباط 2019، لكنه تحوَّل بعد الانتخابات الرئاسية، في ديسمبر/كانون الأول 2019، إلى أداة للوشاية والتخوين، وممارسة ما يُسمِّيه مانويل كاستيلز بـ”سياسة المُفَاضَحَة”(132)، أي التشهير بالخصم كأسلوب وحيد للمعارضة أو معارضة المعارضة لغياب برنامج واضح يمكن نقده.

على الرغم من النقد الذي وُجِّه لمؤلفات ماكلوهان إلا أنها تتضمَّن أفكارًا مفيدة يمكن توظيفها في البحوث الأمبريقية في المنطقة العربية حتى ترسخ نظرية الوسيط (Medium Theory) في الدرس الإعلامي العربي. ومن المعلوم أن هذه النظرية، التي حدَّد معالمها الباحث جوشوا ميرويتز في مُؤَلَّفِه المذكور آنفًا استنادًا إلى أطروحة ماكلوهان، دفعت الدراسات الإعلامية إلى التركيز على الوسيط الإعلامي، وعدم الاكتفاء بتحليل مضمون ما يبثه. فالوسيط ليس ناقلًا محايدًا للمضمون، بل مؤثرًا بنجاعة فيه ويسمح بأشكال من تفاعل المتلقي مع الميديا. لقد توطدت هذه النظرية في البيئة الرقمية بعد اعتمادها على المفهوم الإجرائي لقدارة الميديا الاجتماعية.

لعل أكبر خدمة يقدِّمها نقد الماكلوهانية للدرس الإعلامي في المنطقة العربية هي تحريره من الفكر الاختزالي والتبسيطي الذي تقع فيه بعض البحوث، ربما لا شعوريًّا، في دراستها للظواهر الإعلامية. فما يميز كل حتمية أنها تهمش بعض المتغيرات الفاعلة في دراسة الميديا إِنْ لم تلغها، فتسدُّ الطريق أمام كل فكر انعكاسي، ومعقد، وتغلق أبواب الاستكشاف، مما يؤدي إلى اجترار التبرير وتقديم الإجابة الجاهزة العابرة للأزمنة والسياقات. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق