المقالات

مع ماكلوهان ضد الماكلوهانية في عصر الميديا الرقمية(نصر الدين لعياضي)_3_

4. عودة الاهتمام بنظرية ماكلوهان

توجد العديد من العوامل التي ساعدت على عودة الاهتمام بأفكار ماكلوهان إلى درجة بات الاعتقاد راسخًا بـ”إعادة اكتشاف” ماكلوهان في العصر الحالي. سنقتصر على عاملين فقط يبدوان غير مفصليين، وهما:

أولًا: تطور التكنولوجيا الرقمية

في استحضار دور العامل التقني في عودة نجم ماكلوهان إلى السطوع لا يسعنا سوى القول: ما أشبه اليوم بالبارحة. يرى الكاتب الأميركي، سدني فنكلستين (Sideny Finkelstein)، أن قطاعًا واسعًا من الأميركيين كانوا يعيشون في ستينات القرن الماضي حالة شديدة الاضطراب إِنْ لم تكن أزمة، نتيجة تنامي القلق الكبير الذي انتابهم من تجدُّد الحرب الساخنة والباردة والتسابق نحو التسلح، وتزايد البطالة والخوف من تفشيها بعد أتمتة الإنتاج، وسطوة التليفزيون على المجتمع والإدمان على مشاهدة برامجه السطحية والمبتذلة… وكانوا يتساءلون: هل التطور التقني الذي يعيشونه يخدم ازدهار البشرية أو يُسبِّب خرابها؟ لقد وجدوا في كتاب ماكلوهان: “كيف نفهم وسائل الإعلام؟” الإجابة التي تُطمئِنهم، وهذا ما يفسر كثرة الإقبال عليه ساعة صدوره. إذا كان الناس يخشون من سطوة التليفزيون في العقد السادس من القرن الماضي، فقد بدأوا يخشون من سطوة شبكة الإنترنت وتطبيقاتها، التي لا تكفُّ عن التطور، في مطلع الألفية الحالية. هكذا عاد الاهتمام بأفكار ماكلوهان لعلها تُهدِّئ من روعهم(53).

حقيقة، هناك من يعتقد أن الميديا، التي تحدث عنها ماكلوهان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، لا وجود لها اليوم، لذا لم يكن باستطاعته التكهُّن بالكمبيوتر وتطبيقاته(54) وما تُحدثه من تغيرات على الصعيدين الماكرو والميكرو اجتماعي، لكن الكثير من الكُتَّاب انصرفوا إلى سحب ما قاله ماكلوهان عن المطبعة في بداية اختراعها، والهاتف والتليغراف والإذاعة والتليفزيون في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، على شبكة الإنترنت والمنصات الرقمية، ورأوا أنها تجمع كل هذه الوسائط. وبلغ الحماس بتلميذه الوفي، بول ليفينسون، درجة جعلته لا يرى ماكلوهان إلا في صورته الرقمية(55).

ثانيًا: انتشار الفكر ما بعد الحداثي

لم يكن لمؤلفات ماكلوهان تأثير في الأوساط الأكاديمية الأميركية التي انشغلت بالاتصال والإعلام إلا بعد أن تبنَّاها منظِّرو ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة الفرنسيون، في مطلع سبعينات القرن الماضي. حقيقة، لقد اعترف ماكلوهان بأن كتاباته لا تمتُّ بأية صلة لبنيوية فرديناند دو سوسير (Ferdinand de Saussure)، ويعارضها جملة وتفصيلًا، لكن الباحث الأميركي، دونالد ثيال (Donald Theall)، رأى أن مؤلفات ماكلوهان تشكِّل كتابات ما قبل البارثية (نسبة إلى رولان بارث-  Roland Barthes) والدريدية (نسبة إلى جاك ديريدا-  Jacques Derrida) والليوتارية (نسبة إلى فرنسوا ليوتار- François Lyotard) والبودريارية (نسبة إلى جون بودريار- Jean Baudrillard). ولشرح هذه الفكرة، يمكن القول: إن ماكلوهان نشر كتابه “العروس الميكانيكية” في 1951، أي قبل أن ينشر رولان بارث مؤلفه: “ميثولوجيا” في 1956، لكنهما تشابها بشكل مذهل، فكلاهما تضمَّن نقدًا اجتماعيًّا من خلال معالجة وقائع الحياة الثقافية الشعبية وتأثيرها على المجتمع. لذا وُصف ماكلوهان بأنه “بارثي” قبل رولاند بارث. واعتقد جون فكيت (John Fekete) أن جاك دريدا استعار الكثير من الموضوعات والمفاهيم التي تناولها ماكلوهان في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، مثل: “التمركز العقلي” (Logocentrism)، و”التمركز الصوتي” (Phonocentrism)، والحروف الصوتية وأثرها، و”التتابع الخطِّي” (linearity) الكابح للفكر متعدِّد الأبعاد، والحس المتزامن (Simultaneity Synaesthesia). لذا اعْتُبِر ماكلوهان “داريدي” قبل الأوان. وبناء عليه، تسأل الباحث، باتريس فليشي (Patrice Flichy)، قائلًا: ألا يعتبر ماكلوهان، في آخر المطاف، أول مفكر في تيار ما بعد الحداثة؟ 

أكد بعض الباحثين تأثر بودريار بماكلوهان -لذا قيل: إن ماكلوهان “بودرياري” قبل الأوان- لكن الباحثة مرجوري فرغيسون (Marjorie Ferguson) استنتجت أن بودريار “نقل حتمية ماكلوهان التكنولوجية إلى عدمية تقنية (…) وقد نتج عن هذا النقل نموذج أكثر حتمية لم يتنبَّأ به ماكلوهان قط. فوسائل الإعلام فائقة الواقعية أورولية (نسبة إلى جورج أورويل- George Orwell) في العالم الشمولي والاستبدادي الذي وصفه في روايته الشهيرة”(59).

وعاد الاهتمام بأفكار ماكلوهان أيضًا بعد أن تأسست مجموعة “الميديولوجيا” (La médiologie) -من قِبَل نخبة من الكُتَّاب والفلاسفة والفنانين الفرنسيين، مثل: دانيال بونيو (Daniel Bongnoux)، ولويز مرزو (Louise Merzeau)، وكاترين بيرتو-لافنير (Catherine Bertho-Lavenir) بقيادة الفيلسوف ريجيس دوبري (Régis Debray)- التي اهتمت بالوساطة التقنية والعديد من المواضيع والأفكار التي تضمنتها كتابات ماكلوهان، لاسيما موضوع الوسيط الذي نحتت منه اسمها. وعلى الرغم من أن ريجيس دوبري أكد أن مشروع “الميديولوجيا” لا صلة له بأطروحات ماكلوهان، ووجَّه نقدًا لاذعًا لهذا الأخير؛ إذ وصفه بـ”النبي الدجال، والمُشَوِّش والمهرج”(60) إلا أنه سعى ومجموعته إلى إضفاء الطابع “الميدياتيكي على التاريخ البشري”. فقسَّمه إلى “لوغوسفير” (Logosphere) و”الغرافوسفير” (Graphosphere) و”الفيديوسفير” (Videosphere) محاكيًا في ذلك التقسيم الماكلوهاني للتاريخ البشري إلى المراحل التالية: العصري الشفاهي، ومجرة غوتنبرغ، ومجرة ماركوني(61).

5. ماكلوهان في الدرس الإعلامي “العربي”

للبحث عن موقع ماكلوهان في الدرس الإعلامي العربي استبعدنا من الدراسة الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، وهي قليلة جدًّا. واعتمدنا عينة قصدية من الكتب قوامها 32 كتابًا، يعتبر الكثير منها مرجعًا في تدريس نظريات الإعلام والاتصال في كليات وأقسام الإعلام في المنطقة العربية. ولم نعثر سوى على ثمانية كتب فقط! تطرقت، بهذا القدر أو ذاك، إلى مارشال ماكلوهان وأطروحاته، كما هو مُبيَّن في هذا الجدول.

الجدول (1): ماكلوهان في بحوث ودراسات الإعلام والاتصال بالمنطقة العربية

المرجعالتعريفمُلهمو ماكلوهانأطروحات ماكلوهانمرتكزات النقد
نظريات الاتصال والإعلام الجماهيري(62)التعريف بماكلوهان– هارولد إينيس- سيغفريد غيديون- لويس ممفورد– الوسيلة هي الرسالة- الوسيلة امتداد للإنسان- مراحل في تاريخ وسائل الاتصال وتطور المجتمعات 
الأسس العلمية لنظريات الإعلام(63)التعريف بماكلوهان– هارولد إينيس- سيغفريد غيديون- لويس ممفورد– الوسيلة هي الرسالة- وسائل الإعلام امتداد للإنسان- مراحل تطور وسائل الاتصال- تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة/باردة 
نظريات الاتصال(64)  – تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة/باردة- مراحل تطور وسائل الاتصالنقد ريتشارد بلاك: القرية العالمية(65)
نظريات التأثير الإعلامية(66)  عُرفت بنظرية وسائل الاتصال كامتداد للحواس وليس نظرية ماكلوهان – وسائل الاتصال امتداد لحواس الإنسان- الوسيلة هي الرسالة-تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة/باردةنقد ريتشارد بلاك: القرية العالمية
نظريات الاتصال(67)عرفت كنظرية التأثيرات التراكمية– هارولد إينيس– وسائل الاتصال امتداد للحواس- مراحل تطور وسائل الاتصال- الوسيلة هي الرسالة- تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة/باردةنقد ريتشارد بلاك: القرية العالمية
نظرية الحتمية التكنولوجية(68)عرفت كنظرية الحتمية التكنولوجية – طبيعة وسائل الإعلامالتي يتصل بها الإنسان تُشكِّل المجتمعات أكثر مما يُشكِّلها مضمون ما تبثه- ذكر مراحل تطور وسائل الاتصال- تصنيف وسائل الإعلام- وسائل الإعلام امتداد لحواس الإنسان- الانجراف التكنولوجي نقد ريتشارد بلاك: القرية العالمية- التفاعلية تنفي تصنيف ماكلوهان لوسائل الإعلامواستبدال حتمية بأخرى
الاتصال الجماهيري والإعلام: التطور، الخصائص، النظريات(69)  – من قرية ماكلوهان العالمية إلى المدينة العالمية لبريجنسكي- شرح مراحل تطور وسائل الاتصال- الوسيلة هي اللغة– نقد مفهوم القرية العالمية والدعوة إلى مراجعتها نتيجة التشتت والانعزال بفعل التكنولوجيا
الاتصال: المهارات والنظريات وأسس عامة(70)  – شرح مراحل تطور الاتصال- الوسيلة هي الرسالة- تصنيف وسائل الإعلام 

لا ندري لماذا استُبعدت أطروحات ماكلوهان من 24 مرجعًا يتعلق بتدريس نظريات الإعلام والاتصال! هل إن مصممي الخطة الدراسية في أقسام الإعلام وكلياته تجنبوها عن سهو أو لاعتقادهم بأنها فقدت أهميتها، وأن التطور التكنولوجي تجاوزها، علمًا بأن هذه المراجع اهتمت بنظرية القذيفة أو الطلقة السحرية وتأثير وسائل الإعلام المطلق.

على ضوء قراءة ما كُتِب عن ماكلوهان في الكتب المذكورة في الجدول، استنتجنا ما يلي:

1. إن القسم الأكبر من محتوى ما كُتِب عن أطروحات ماكلوهان مكرَّر ومستنسخ من مُؤَلَّف جيهان رشتي(71). ومن المحتمل أن يكون البعض لم ينسخها مباشرة من هذا المُؤَلَّف، بل نسخها من مصدر ثالث نسخها بدوره من المُؤَلَّف المذكور. والنتيجة أنه جرى تدوير المعلومات ذاتها في أغلب الكتب المدروسة!

2. لا تساعد الكتب المدروسة في معرفة ماذا قال ماكلوهان بالضبط، وربما السبب في ذلك يعود إلى ضعف توثيق ما تضمنته من معلومات، إن لم نقل: غيابه في بعضها. فهناك تداخل، إن لم يكن خلطًا، بين ما نُسِب إلى ماكلوهان دون ذكر المصدر، وبين ما كتبه البعض عن ماكلوهان، وبين ما يُفكِّر فيه صاحب الكتاب عمَّا قاله ماكلوهان!(72).

3. يتفق الكثير من الكُتَّاب والنقاد على أن أفكار ماكلوهان تعرَّضت إلى التأويل حتى من لدن الناطقين باللغة الإنجليزية، وفي أوساط أبناء الثقافة الأنغلوساكسونية(73)، مما يُبعد تهمة سوء ترجمة كتبه أو ضعفها. لقد فسَّر بعضهم مقولته المشهورة: “الوسيلة هي الرسالة”، على سبيل المثال، بأن الرسالة لا قيمة لها في الإعلام والاتصال(74) أو لا تضاهي أهمية الوسيلة!، وأن “القرية العالمية” هي صنيعة التليفزيون(75). ولئن كان التأويل حقًّا مشروعًا في البحث العلمي، فإنه يُوسِّع الهوة الفاصلة بين قصد المُؤَلِّف والمعنى الذي يستخلصه المُؤَوِّل إلى درجة نسف ما أراد المُؤَلِّف قوله أو تقويل هذا الأخير ما لم يقله. وهذا ما حدث إلى حدٍّ كبير، مع الكتب التي درسناها(76).

4. تنظر مختلف الكتب التي درسناها إلى ماكلوهان بعيون جيهان رشتي. فقد أصدرت كتابها في 1978، أي قبل عشر سنوات من صدور كتاب ماكلوهان: “رباعية قوانين الميديا”(77) الذي يُعد كتابًا مهمًّا للتقييم الملموس لنشاط وسائل الإعلام. لذا، لم تتضمن الكتب في العينة المدروسة أية إشارة إلى هذه الرباعية. ولم تلتفت إليها المقالات العلمية التي كتبت باللغة العربية محاولة الحديث عن ماكلوهان اليوم!(78).

5. لم يَسْعَ الدرس الإعلامي العربي، مع الأسف، إلى الاستفادة من مساهمات بعض الكُتَّاب العرب الذين استعانوا ببعض أطروحات ماكلوهان في كتاباتهم على غرار عبد الله الغذامي(79)، وعبد السلام بنعبد العالي(80).

6. لم يُشر أي مرجع من المراجع التي اعتمدنا عليها كعيِّنة في هذه الدراسة إلى كتاب ماكلوهان الوحيد الذي تُرجِم إلى اللغة العربية: “كيف نفهم وسائل الاتصال؟”(81) بعد إحدى عشر سنة من صدور نسخته الأولى باللغة الإنجليزية! فهذا الكتاب، الذي بفضله اكتسب ماكلوهان شهرته العالمية، لم يلتفت الدارسون العرب إلى طبعته العربية، فأصبحت نسيًا منسيًّا! وبالتالي، لم تؤد إلى بعث النقاش عن “الماكلوهانية” في الفضاءين العربيين: الأكاديمي والصحفي. وهذا خلافًا لترجمة كتابه “مجرة غوتنبرغ” إلى اللغة الفرنسية بعد سنة فقط من صدوره بلغته الأصلية. لقد دشَّنت هذه الترجمة النقاش عن “الماكلوهانية” في فرنسا، وأسهمت في استلهام رواد ما بعد الحداثة الفرنسيين من أفكار ماكلوهان في كتاباتهم، مثلما ذكرنا آنفًا.

وما وُجِّه من نقد إلى أطروحات ماكلوهان في الكتب التي درسناها، على قِلَّته، يكرِّر، هو الآخر، النقد الذي وَجَّهَه ريتشارد بلاك (Richard Black) إلى مقولة: “القرية العالمية”؛ إذ يرى أنها لم يعد لها وجود حقيقي في المجتمع المعاصر، موضحًا ذلك بأن التطور التقني الذي استند إليه ماكلوهان عند وصفه للقرية العالمية استمر في مزيد من التطور، وأدى إلى تحطيم هذه القرية العالمية وتحويلها إلى شظايا، مُبيِّنًا أن العالم الآن أقرب ما يكون إلى البناية الضخمة التي تضم عشرات الشقق السكينة يقيم داخلها أناس كثيرون، وكل منهم يعيش في عزلة ولا يدري شيئًا عن جيرانه الذين يقطنون معه في البناية.

وانفرد كتاب واحد(82) بنقد كتابات ماكلوهان انطلاقًا من بعض ممارسات البيئة الرقمية التي أضحت “حسًّا مشتركًا” في الدرس الإعلامي، مثل: التفاعلية والتشتت والانعزال، بيد أن هذا النقد لا يخرج عن منطق الحتمية. فإبراز ظاهرة التَّشذُّر والعزلة الاجتماعية ونسبتها إلى عامل وحيد وهو التكنولوجيا، والحديث عن الانجراف التكنولوجي يدعمان رؤية ماكلوهان المعظمة للتكنولوجيا وسطوتها في المجتمع، وإغفال دور هذه التكنولوجيا يعني، أيضًا، الهروب من حتمية إلى أخرى.

واعترض كتاب واحد(83) من الكتب المدروسة على تصنيف وسائل الإعلام إلى باردة وساخنة، بالقول: إن التطور التقني، مثل التليفزيون التفاعلي، يطعن في هذا التصنيف(84).  

لم تغامر جيهان رشتي وتنقد بعمق أطروحات ماكلوهان، بل أشارت بنغمة يشوبها الاعتذار، إلى أنها لم تقدم أفكار ماكلوهان منظمة لأن “ماكلوهان نفسه يؤمن بالتعمق والاستكشاف أكثر من إيمانه بتقديم تعريفات نهائية. لهذا، نادرًا ما يقدِّم أي فكرة من أفكاره على أنها حقيقة قاطعة. فنادرًا ما يبلور ماكلوهان فكرة من أفكاره حتى تكتمل، وهو يحتقر الأدلة التي يتم التوصل إليها بالأساليب العلمية للبحث، لأنه يشعر أن الأبحاث متحيزة لصالح المطبوع والسطري”(85).

وحتى نعفي جيهان رشتي من كل اعتذار أو حرج نشير إلى أن أفكار ماكلوهان لم تكن أبدًا منظمة ومتسلسلة؛ إذ وُصِفَت كتابته للتاريخ البشري بالفسيفساء(86). “لقد رسم، في كتابه: “كيف نفهم وسائل الإعلام؟”، جدارية لتاريخ البشرية، بثوراته العِرقية وبالتطور في اللغة والتقنيات والاختراعات والفنون والعلوم. وعرض هذا التاريخ بشكل مشوَّش، فَقَرَّب العصور والمواضيع المتباعدة جدًّا وكأن هذا التقريب أفرزته آلة مجنونة تعمل على استعادة الزمن”(87).

ولم يلجأ أي كتاب من الكتب التي درسناها إلى وضع مقولات ماكلوهان على محكِّ التاريخ الثقافي والإعلامي في بعض البلدان العربية؛ فلم نعثر على أي تحليل للعوامل التقنية والدينية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي أخَّرت طباعة المخطوطات العربية في البلدان العربية(88). لذا، لا يمكن تعميم ما ذكره ماكلوهان عن دور المطبعة في أوروبا وتطبيقه في المنطقة العربية بعد أن وصلتها على يد القوات الاستعمارية. ولم نعثر أيضًا في الكتب المدروسة على بداية تشكُّل “مجرة غوتنبرغ” في المنطقة العربية على غرار ما قام به فرانز فانون (Frantz Fanon)، على سبيل المثال. لقد درس تطور علاقة الجزائري بالمذياع قبل الثورة التحريرية وإبانها بشكل دقيق يدحض ما طرحه ماكلوهان عن الإذاعة(89). ولم تناقش الكتب المدروسة أطروحات ماكلوهان على ضوء الدراسات الميدانية التي أُجريت في بعض البلدان العربية، على قِلَّتها. فلم يكن تصور هذا الأخير للصحيفة والكتاب والتليفزيون والأفلام السينمائية، حتى في مجازيته، ينطبق على تصور الجزائريين في القرى والأرياف لهذه الوسائط في مطلع الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ولا يتطابق حتى مع نظرة السُّلطة السياسية لوسائل الإعلام آنذاك، لأن علاقة هؤلاء الجزائريين بوسائل الإعلام كانت صنيعة المصادفة والظروف العابرة نظرًا لضيق ذات اليد وانتشار الأمية(90).

يتضح مما سبق أن ما تضمنه الدرس الإعلامي في المنطقة العربية عن ماكلوهان لا يساعد في مجمله الدراس كثيرًا على فهم نظريته، ولا يرتقي إلى مستوى ما هو مطروح في كليات الإعلام الأجنبية الذي تعكسه المراجع التي استعنَّا بها لإعداد هذه الدراسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق