المقالات

مجتمع السوق(يحيى اليحياوي)

لا يستقيم فهم العمران البشري دون استحضار السوق. في فضاءاته المتنوعة وأنظمته وأنساقه و”تقاليد” فاعليه، نكاد نحس ونلمس ماديته، أو نرسو على تمثل ما لماهيته، لحدوده، لمركزه وتخومه وهوامشه، “للقيم” التي توجهه، ولقدرته على ترتيب علاقات الإنتاج والتبادل وترسيم سبل التراكم والكسب.

من المعيب أن نختزل السوق في منظومة اقتصاد السوق، وإلا لجعلنا من الأول مجرد فضاء جغرافيا ثابتا لتداول السلع والخدمات، وإقامة مراسيم البيع والشراء احتكاما إلى نواميس في العرض والطلب لا بديل عنها…ولجعلنا من آليات تصريف فائض الإنتاج لب السوق وكنهه، دع عنك وظيفته وأدواره وما يبتغيه فاعلوه.

السؤال في السوق ليس دائما ولا بالضرورة من السؤال في الاقتصاد، وإلا فسنكون كمن يسحب عنه نزوعه “الطبيعي” لاستدماج الفضاءات الخارجة عن نطاقه، أو المندرجة ضمن منظومات أخرى مستقلة عنه، محتكمة لآليات اشتغال لها عصمتها وتجردها وعناصر مناعتها.

السوق يتجاوز “حدود” اقتصاد السوق، لأنه مجبول على التمدد بغرض الاستحواذ على باقي المنظومات، وضمنها حتما المجتمع، بما هو “فضاء” المصالح المختلفة، وضمنها (وضمنها فقط) المصالح الاقتصادية، أي المحيلة صوبا على السوق وعلى المنفعة.

يتعامل المجتمع مع السوق باعتباره مكمن معادلة الإنتاج والاستهلاك، أي المؤتمن على ثنائية العرض والطلب في تحديد منسوب القيمة. لكن التفاعل هنا لا يجب أن يتجاوز على هذه النقطة أو يتفرع عنها، إذ للسوق مجال وللمجتمع مجال، حتى وإن كان لهما أن يتفاعلا ويتداخلا ويكمل بعضهما بعضا، من منظور أن السوق هو وسيط معاش الناس، وضامن تزويدهم بما هم في حاجة إليه من مأكل ومشرب وملبس وكماليات في الترفيه.

لم يثبت في التاريخ أن كان ثمة مجتمع بلا سوق، حتى في الحالات التي كانت فيه المجتمعات مجرد مجموعات متناثرة، أو تجمعات بشرية متفرقة، أو أقوام متباعدة، أو أمم من مختلف الأمصار. ولم يثبت أيضا أنه كان ثمة سوق بلا مجتمع، حتى وإن لم يكن السوق مرتكزا على فضاء موحد، أو محتكما على قوانين في المنافسة يعتد بها.

الثابت بالحالتين، أنه كان لكل منهما فضاءه وآليات اشتغاله وأنماطه في الحكامة، وإن بالمضمر. وكان بينهما “أعراف” تضبط نسقهما العام وعلاقاتهما، ثم صيرورتهما في الزمن والمكان.

ولما كان للسوق نزوع مستمر بجهة توسيع فضائه، وفسح المجال لدورة رأسماله ثم لسلعه وخدماته، فإنه لن يجد لأجل ذلك غير المجتمع، بطبقاته وشرائحه وتوزيعه الجغرافي، منتجين ومستهلكين على حد سواء. فكان من آلياته الأولى ولا يزال، إذكاء نعرة الاقتناء والاستهلاك لديه (لدى المجتمع أعني)، مباشرة أو عبر وسائط له في الإشهار والإغراء، تغزو حياة الناس قسرا وطواعية، ولا تتوانى في إثارة غريزتهم و”استنهاض” فطرتهم، الظاهر منها والغائر.

ولما كانت الغاية واضحة والأسلوب ناجع، فإن المبتغى الأسمى هو إدماج المجتمع، بقيمه وسلوكياته ونمط عيش مكوناته، إدماجهم جميعا في منظومة السوق، ومن ثمة تحويل المجتمع درجة بدرجة، إلى جزء من السوق لا يتجزأ.

لم يعد كافيا حصر المجتمع في فضاء لا يتعامل مع السوق إلا من منظور إشباع الحاجات…الأهم هو إدغامه جملة وتفصيلا، في منظومة السوق بما يخدم دورة رأس المال ويسهم في عملية تراكم لا سقف لها بالمرة.

ولذلك، فإن تعبير “مجتمع السوق” إنما أتى للإشهاد على عملية إعادة صياغة المجتمع، في تقاليده وأنظمته وقيمه ومعتقداته وتصوراته وتمثلاته، في فضاء واحد وموحد يقوده السوق وتتحكم فيه منظومة واحدة، رفع من مقامها لدرجة القداسة: السلعة.

وبما أن منطوق السوق هو منطوق السلعة بالبداية وبالمحصلة، فإن الرهان “الجديد” هو تعميم هذا المنطوق إلى أبعد مدى، ثم استدراج واستدماج المستويات الخارجة عن “طوعه” (وضمنها المجتمع) لتدخل في نطاقه، وتحتكم إلى آلياته ولا تتمنع في مجاراة توجهاته.

لم يعد المرء مطالبا في مجتمع السوق باقتناء أساسياته وضرورياته، وما يحتاج لإشباع حاجياته، بل أضحى مطالبا أيضا باقتناء كماليات تحولت هي بدورها إلى ضروريات، ولو من باب التباهي في اقتنائها أو اكتنازها. من الطبيعي، والحالة هذه، أن تختل الأولويات، فيصبح ما كان كماليا، حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.

ثم إن الأمر بمجتمع السوق، لم يعد مقتصرا على تسييد السلعة والرفع من مقامها وتطويع من يتجرأ على إبداء عصي ما بوجه انتشارها. هذا مجرد تجلي لم يعد مثار تشكيك كثير، قياسا إلى غزو السلعة لكل مفاصل حياة الناس.

الأمر يتعدى ذلك بكثير في حالة تسليع “أنشطة” هي في أصلها وفصلها من “صلاحيات المجتمع” الحصرية، ومن خاصياته الأولى. فإذا كان من مهام اقتصاد السوق تنظيم إنتاج وتوزيع واستهلاك فائض القيمة، فإن مجتمع السوق، يقول عالم الاجتماع مايكل ساندل (بكتابه “ما لا يمكن شراؤه بالمال”)، هو “طريقة في الحياة، حيث تتسرب القيم السوقية إلى كل جوانب الحياة الاجتماعية. إنه مكان حيث العلاقات الاجتماعية قد انتهت إلى صورة سوقية”.

السوق هنا يكون قد بلغ مناطق من الحياة من المفروض ألا يكون له بها وجود، وإن كان له أن يوجد بها فبصورة عرضية عابرة، وليس من باب تواجد الغازي المستحوذ.

لنسق هنا بعض “المناطق” الكبرى التي بات للسوق من بين ظهرانيها، تواجد قسري، ضدا على ما كان متعارف عليه طيلة عهود طويلة خلت:

°- الأولى وتتعلق بمنطقة التعليم والمعرفة. هي منطقة من مجال المجتمع، من صلاحياته التقليدية تمويلا وتدبيرا ورسما للتوجهات. هي “منطقة حرام”، لكن السوق غزاها وعمد إلى إدغامها في صلبه بالتدريج، حتى أضحت بالمحصلة من مناطقه الخاصة، مباشرة أو عبر ضخ أنساقه من بين أضلع ما هو اجتماعي عام، ليتقاطع مع ما هو اقتصادي خاص: المدرسة والجامعة وحاضنات الثقافة لم يعد من وظائفها تصريف قيم وتمثلات المجتمع ومكونات مناعته، بل أضحت موجهة لتكوين أطر إدارية و”كفاءات تقنية” تحمل مواصفات السوق وتحتكم إلى “إرشاداته ووصاياه”.

خريجو الجامعات والمدارس العليا لم يعد ينظر إليهم باعتبارهم أصحاب مؤهلات شاملة تنهل من المجتمع أنساقها في التفكير والتدبير، بل في كونهم مجرد “موارد بشرية” تدخل في دورة رأس المال كما تلجه باقي الموارد الإنتاجية، من مواد أولية خام وسلع وسيطة وغيرها.

أما ما يسمى بمدن المعرفة، فإنها تندرج هي الأخرى، في إطار “الصناعات الثقافية والمعرفية” التي لا تخرج كثيرا عن نطاق قيم السوق، بل تحتكم إليه في التصميم وفي الإنتاج وفيما ستتحصله من فائض قيمة عند الرواج . لقد بات الرهان قائما على من يملك القدرة على إنتاج “المعرفة” وإدارتها واستثمارها وتسليعها، وتحويلها إلى منتج اقتصادي قابل للاقتناء، أو إلى مورد يدخل ضمن إطار تعظيم الربح بصناعات معرفية أخرى.

ولذلك، فعندما نتحدث عن المعرفة باعتبارها قوة، فبالقياس إلى حجمها بالسوق، إلى نسبتها من الناتج الإجمالي العام، وإلى منسوب المردودية المتأتية من استغلالها وترويجها على نطاق كوني شامل. لا ترجى المعرفة لذاتها كما كان عليه الحال حينما كان المجتمع حاضنتها، بل تحولت في ظل مجتمع السوق، إلى مورد من المفروض تثمينه والزيادة في “إنتاجيته” والرفع من مردوديته.

°- المنطقة الثانية وتتعلق بالماء باعتباره ملكا مشتركا للجميع، لا دخل للملكية (عامة كانت أم خاصة) في تحويله عن وظيفته أو تحريفه عن غاياته الحيوية الكبرى، أو العمل على استصداره أو مصادرته.

بكل تاريخ البشرية، صنف الماء باعتباره حقا أساسيا للإنسان، مثله في ذلك مثل الهواء. إلا أن اقتصاد السوق ثم مجتمع السوق، صادراه وحولاه إلى سلعة تباع وتشترى، لا بل ثمة من لا يجد حرجا في مقارنته بالنفط أو بالذهب أو بباقي المواد الأولية التي تخضع لمنطق العرض والطلب، ويتم “تقييمها” بانتظام بأسواق البورصات العالمية، حيث مؤشرات شركات الماء الكبرى جنبا إلى جنب مع شركات النفط والنحاس والأسمدة وما سواها.

في حالة الماء إذن، يبدو جليا أن السوق لم يستدمجه فقط كمادة حيوية لا غنى لبني البشر عنها، بل استدمج عبره ومن خلاله، وهو يتوجه حثيثا بجهة مجتمع السوق، مجموعة قيم حيوية للمجتمع، ليست من مجال التدافع والتنافس بالمرة. العيب هنا كل العيب، أن آليات السوق طالت جانبا من الحياة حيوي، الأصل فيه أنه يخضع في إنتاجه وتدبيره لقواد وآليات تقليدية مختلفة كليا عما هو قائم وجاري.

ما يصدق على الماء، يصدق قطعا على البيئة، بخصوص ما بات يطلق عليه منذ مدة ب”حق التلويث”. وهو “الحق” الذي يمنح للملوث إمكانية اقتناء “حقوق التلويث” من بلدان فقيرة أو متواضعة التصنيع، فتعوض بذلك تجاوزاته “لحصته من التلويث” أو لجزء منها، وتجعله بالنهاية ضمن من يلتزموا بالاتفاقيات الدولية حول البيئة، حتى وإن تجاوز محليا نصيبه بعشرات المرات. نحن هنا بإزاء منح مقنع لإعفاءات مضمرة، تتيح وتبيح لشركات وبلدان كبرى الاستمرار في تلويث البيئة وإبلاغ الأذى بالكوكب.

يرى ساندل بهذه النقطة، أن “هذا التسليع لجهود المحافظة على البيئة، يبخس القيمة الأخلاقية للمحافظة على البيئة بدلا من أن يقويها”.

°- المنطقة الثالثة وتتعلق بقطاع الصحة. الأمر هنا لا يتعلق بقيم السوق التي أدخلها هذا الأخير من خلال تسليع “الحق في التطبيب” وخوصصة مرافق الحق في الاستشفاء، بل يتعلق بنموذجين من السلوك من شأنهما مصادرة ما كان إلى حين عهد قريب، من صلب صلاحيات المجتمع الحصرية.

النموذج الأول ويتعلق بتسليع عملية التبرع بالدم، وإفراغها من البعد الإنساني والخيري الذي كان يلازمها لعهود طويلة مضت. لقد أضحى الدم ببعض البلدان المتقدمة سلعة تباع وتشترى، فتراجعت بذلك ثقافة التبرع كقيمة كانت لصيقة بالمجتمع ولا علاقة لها بالسوق.

 النموذج الثاني ويتمثل في ظاهرة استئجار الأرحام، والتي يتم اللجوء بمقتضاها إلى “اقتناء مؤقت” لأرحام نساء فقيرات، لإحداث حمل مصطنع لأطفال يباعون “تحت الطلب” لمن تعذر عليهم الإنجاب. وهو سلوك بات من “قيم” السوق المعتمدة، مع أنه يطال جانبا لم يسبق لأحد (بما فيه السوق نفسه) أن تجرأ على المس بحرمته، أو الدوس على البعد الأخلاقي والإنساني الذي يمثله.

لا تعدم النماذج للوقوف عند ظاهرة تسليع “القيم الاجتماعية والإنسانية” وتحويلها لمنطقة السوق:

+ بناء السجون على أساس تجاري وربحي خالص، يمنح السجين “المترف” بموجب ذلك، إمكانية قضاء فترة عقوبته في ظروف جيدة، قد تبلغ ظروف الإقامة في فندق مصنف،

+  خوض الحروب من خلال وكالات وشركات خاصة، تتوفر على جيوش من المقاتلين المأجورين ومن المرتزقة العابرين للحدود،

+ تحويل مرافق الأمن العام لفائدة شركات تجارية تتكفل، عوضا عن أجهزة الدولة، بتأمين حماية مساكن الأثرياء وأملاكهم، لتترك البقية المتبقية للفوضى وللجريمة،

 + إخضاع صوت الناخب لمنطق السوق، فيتحول صوته إلى مجرد سلعة ومواطنته إلى عبودية طوعية، مادام قد ارتضى أو فرض عليه، مقايضة صوته ورأيه بالمال والإغراء.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم والمطالب به أيضا، لا يجب أن يقتصر على العمل لمقاومة هذا المد المتزايد لاقتصاد ومجتمع السوق، في جموحهما نحو تسليع كل جوانب الحياة الاجتماعية والإنسانية، بل العمل على صيانة حرمة مؤسسات ومناطق لن يترتب عن ولوج السوق إليها إلا الضرر والأذى.

إن مجتمع السوق هو استحواذ السوق على المجتمع، هو تحويل مناطق من صلب هذا الأخير إلى سلعة، واعتبار هذه الأخيرة المقياس الوحيد في التقييم…أما ما يسميه المجتمع أخلاقا أو قيما أو حرمات، فهي بنظر عتاة مجتمع السوق، مستويات لا يعتد بها…إنها، بنظرهم، عقبات يجب إزاحتها، أو بأخف الظروف، تطويعها وتحييدها…  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق