المقالاتغير مصنف

كورونا: رؤية فلسفية أخلاقية (منتهى طه الحراحشة_يونس بن علال)_2_

واقع كرونا ومعنى تدبير التعايش المشترك

إذا كان مفهوم التعايش يقتضي قبول الأديان المختلفة في مجتمع واحد[1]، والطموح إلى رؤية توسيع رقعة العلاقات بين الدول ثقافيا واقتصاديا وسياسيا..فإننا أحوج في هذه الظرفية الطارئة التي فرضها زمن كرونا إلى تحقيق أسس التعايش ومبادئه التي باتت تحكم على المرء التعامل مع ذاته ومحيطه، ومع الوباء نفسه، صحيح أن السلامة الوقائية تتطلب التباعد الاجتماعي حتى لا يتفشى الوباء بسرعة كبيرة، لكن هذا لا يعني قطع الصلة الإنسانية وإخراس أصواتها داخل دوامة التجاهل عبر تغليب المصلحة الذاتية على القيم الأخلاقية، فنحن الآن نسمع ونعاين فيض الطاقة الاستيعابية للمستشفيات عالميا بمرضى كوفيد 19، على حساب أسِرة مرضى السرطان وفقر الدم وغير ذلك من الأمراض المزمنة، شيء يدفعنا إلى التفكير في أسس تدبير التعايش بين المرضى بنوع من الحكامة الإنسانية التي من شأنها ضمان السلامة للجميع، هذا علاوة على استحضار ضرورة الحد من إقصاء وتهميش الفئات الهشة من حق العلاج والرعاية الاجتماعية، لأن بمفهوم العدالة نستطيع تأطير القانون الذي يضمن صيانة كرامة الإنسان ” باعتباره غاية لا وسيلة، أي تلك الغاية التي تورثه الحق في التمتع بمعاملة مميزة”[2]، إذ التعايش مع الوباء يقتضي التعامل معه بنفسية قوية ومتوازنة، لامتصاص عامل الخوف وكذا القيام بجميع التدابير الاحترازية للحد من خطورة هذا المرض وسرعة تفشيه، وفق أجرأة تنظيمية تستند على مبدأ الوعي بالآخر تبعا لما يمليه الخطاب الأخلاقي الكوني الذي يدفعنا ” لفهم عالم يظل دائما في حاجة إلى الكشف”[3]، لأن جمع شتات البحث عن الجوانب الخفية في الإنسان يكمن في مفهوم التعايش؛ فهو المنطلق والغاية لتجاوز الأزمات برؤية تشاركية، تُوسع دوائر الانتماء وغيرها، لأن جل التقاطعات المصيرية تلامس جوهر الإنسان، إذ هو المخاطب في إيجاد حل لمعضلة هذا الوباء، فالتعايش مع المرضى المتعافين من مرض كرونا أخْيَرُ بكثير من الذين ينهجون سياسة قطع أواصر الإنسانية معهم، والنظر إليهم بطريقة دونية، إذ لا نقصد بالتعايش ذلك الاختلاط العشوائي وإنما التقارب الإنساني  المعقلن. والقائم على الدعم النفسي الذي يقوي مناعة صمودهم ويعزز ثقة انتمائهم باعتبارها المعنى الأساس للتغلب على سياسة الإقصاء، فلا دِرْع يَقْوَى على رد ضربة هذا الوباء سوى زرع الثقة في قلوب من مزق الخوف أنفاسهم، ويكفينا من معاني التعايش النفاذ إلى نفسية مرضى كوفيد-19 حتى نسمع لوتر أوجاعهم داخل غرف الحجر الصحي، وهو ما عبر عنه ”فهد العودة” في قصيدته ” الوحدة”، من ديوانه المعنون بـ: ” ما معنى أن تكون وحيدا؟ ” مستهلا سطورها بقوله[4]:

أتعلم ما معنى أن تكون وحيدا…ولا أحد بجانبك؟

حين يهجرك جميع الأصدقاء والأحباب،

ويستوطنك الجفاء والغرباء..

هنا يشي بك المساء،

ويخبر الأحزان عن مدى حزنك وألمك

هنا تطير الغربان فوق سمائك

لتنهش جرحك كمائدة وتزيد صرختك

لم تخبرني الجدران عن وشاية الأشياء

حين كنت أترنح بالقرب منها خوفا من رصيف فتنة

******                       

      لم يخبرني الربيع أن ثمة فصل اسمه الخريف،

         ينفي الأوراق من الشجر،

         ولم يخبرني الصيف أن ثمة فصل اسمه الشتاء، سيثلج قلوبنا:

         ولا بد أن نبحث عن دفء. 

إن المتأمل في عنوان الديوان، ” ما معنى أن تكون وحيدا؟” يدرك أن الجواب حاضر داخل فلسفة السؤال، عبر المعاني المترامية بحثا عن كنه التعايش في ظل أزمة هذا الوباء، إنه التعايش النفسي الذي يخترق حدود المرض لإيجاد مصل الشفاء، فالشاعر يقربنا من بوادر الأمل تارة، ويبعدنا من نزيف السؤال تارة أخرى، فإذا كان المرض واليأس يسيطران على  جسد الشاعر، فإن التعايش هو شفاء الروح الذي ينفث بوادر الحياة من جديد، إذ لا يمكن لأجواء الخريف أن تسرق زهرة العمر، مادامت تسبقها نضارة الربيع وبرودة الشتاء التي تطفئ لهيب الألم.

إن التفاعل البناء، محرك أساس  يثير نشاط الإنسان[5]، لما يضفيه من جمالية الشعور التضامني النابع من الذوق السليم لطبائع الأخلاق وأثرها في هدم جدار العزلة الذاتية، على حساب بناء شخصية قوية  تستلهم طاقتها من ”روح الشرائع” (Esprit des lois)، كما أن للتأملات النقدية في الواقع الاجتماعي، دور أساس في النفاذ للوعي الباطني لاستخلاص معنى التآزر الإنساني وفق تناغم مدهش يعيد روح الشفاء إلى الذوات الموبوءة بواسطة تدبير التعايش الذي يخلق الإنسان من روح الإنسانية، عبر إلهام الشعور المندفع نحو الحفاظ على قداسة النوع البشري. إذ أن كلا من التعايش الذاتي والجماعي، له ارتباط بالتعايش الديني الذي كان له الأثر البارز والدور الفعال في إخماد نار الخوف من وباء كرونا، شيء يدفعنا للتساؤل عن دور الكوارث الطبيعية في تهذيب طبيعة تدين الأفراد وجعلهم أكثر تعايشا وأرق تعاملا وألطف خلُقا؟

لقد غدا حوار الأديان أكبر نقطة تعايش استفاد من خلالها الإنسان إثر هذه الجائحة التي صححت له الكثير من الأجوبة المغلوطة عن مفهوم الدين الذي كان يُنْظَرُ إليه محط صراع وتشتيت وإرهاب، جراء منهجية تفكير منحرف يهدد السلام في العالم كافة، إنه وباء التعصب والإيديولوجية المتطرفة اللذان هدما  بناء التعايش الإنساني، لكن الحكمة من هذا الوباء، جعلتنا نتأمل في القاسم المشترك بين الأديان، وهو الإنسانية وما تحتاجه من تعايش سلمي، يمكنها من استجماع قوى التكامل لصد هذه اللحظة الكارثية في التاريخ، باستحضار القيم الأخلاقية لأنها جوهر التعايش بين الأديان، وهذا ما عايناه في بداية هذا الوباء من خطابات عالمية مشتركة لإنقاذ البشرية على وجه الأرض، ليكون بذلك اختبار كرونا جوابا عن سؤال فهم المعنى الحقيقي للإنسان، وأن أكبر وباء هو وباء التفرقة والحروب التي كانت تحصد أرواحا أكثر من كرونا، أما كرونا فهي دافع إنساني أعاد البشرية إلى الوضع السليم في التفكير والقضاء على كل أشكال العنف والإقصاء العالمي، ما دامت البشرية حلقة متصلة يستهدفها الفيروس دون غيرها.

صحيح أن الخُطَبَ الدينية كان لها الأثر الكبير في تهدئة النفوس، وخلق لهفة الإقبال على التعبد والإحساس بقيمة أماكن العبادات التي باتت مغلقة، وكلها نقط أعادت الإنسان إلى التفكير في ذاته وفي وجوده القائم على مبدأ الاعتصام وعدم التفرقة، وهذا ما أبانت عليه سنن الكون وفق تأملات دينية تجيب عن أزمات الإنسان على مر التاريخ، من كوارث طبيعية وأمراض وأوبئة ليكون القاسم المشترك في نهاية المطاف توحيد المفارقات البشرية داخل إطار تعبدي، نلمس من خلاله قدرة الخالق في وضع الداء وتمكين الإنسان من البحث عن الدواء، بطريقة تشاركية غايتها المثلى تحقيق أسس التعايش الإنساني مادام الإنسان من آدم وآدم من تراب، ولعل مغزى هذا الخطاب في عمق اختباره لأزمة كرونا، يُظهر لنا أن هذا الوباء جزء من فيزيقية الحياة، ”لأن الانتقال الوراثي للفيروس يتضمن الصفة المميزة للحياة كوحدة متسقة ومتعايشة تميل دوما إلى الاستمرار والتكاثر”[6]، لهذا فإن استئصال هذا الوباء يتطلب تفكيرا إنسانيا مشتركا من خلال تجاوز التعايش السياسي والدبلوماسي إلى تعايش علمي وإنساني توحده الأخلاق وتؤطره المبادئ، بدءا بالدولة وانتهاء بالأسرة، إذ من بين تجليات معاني تدبير هذا التعايش، نتحدث عن التعايش الأسري جراء فترات الحجر الصحي، حيث خلق هذا الوباء نوعا من التلاحم الأسري الذي أعاد الأسرة إيجابيا إلى طابعها التقليدي، كما طال التعايش رعاية المتشردين ومساعدة ذوي الدخل المحدود، أضف إلى ذلك التعايش الافتراضي الذي مد جسور التواصل من خلال ما بات يعرف بالتعليم عن بعد.

ترجمة المعنى في ظل سوسيولوجيا فهم الأزمة

إن فلسفة السؤال لم تنضب بعد من غزارة المعنى، الذي تشعبت خطاباته جراء أزمة كرونا التي استحكمت قبضتها مجموعة من الموارد الحيوية، ومدى انعكاس ذلك على النسيج الاجتماعي بنظمه وقوانينه التي أضحت تتخذ صيغا جديدا في التماشي مع هذا الظرف الطارئ والخطير، ولعل هذا معنى من معاني اختبار حركية المجتمع لفهم كيفية تدبير المسؤولية الاجتماعية للأفراد والجماعات، بعيدا عن زيف الشعارات المصطنعة ما قبل زمن كرونا، إذ أن هذا التغيير المفاجئ شكل رؤية عميقة في رسم السياسات والخطط العامة على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي، دون إغفال الجانب الأخلاقي باعتباره القيمة الأساس في إحقاق إنسانية الإنسان، عبر الانطلاق من سوسيولوجيا المؤسسة إلى سوسيولوجيا العمل التطوعي. ذلك أن إدراكنا للقرابة بين ترجمة المعنى وفهم الأزمة سوسيولوجيا، لن يكون جليا وساطعا إلا عندما نتحقق من مدى ترجمة الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان داخل واقع الأزمة بنوع من الحس التضامني الذي يضمن للمجتمع استقراره وهيبته، إذ أن ترجمة المعنى سوسيولوجيا، له صلة ” بالأصل التاريخي والثقافي في التعبير عن المعاني الاجتماعية المتصلة بالعدالة والمساواة، وما تتخذه من تجليات مفهومية تخص الإجراء والتقرير والتحديد والتوقيف، والمراقبة”[7]، وكلها معان تخص طرق التعامل مع المجتمع في فترة الحجر الصحي، وفق صيغ وضوابط عقلانية توازي بين توفير الاحتياجات الصحية، والرهان على الاستقرار النفسي معيشيا لدى الفئات الهشة، لأن ” معيار القيمة لا معنى له إلا إذا ارتبط بترجمة الفعل الإنساني”[8].

إننا لا نتكلم كما نريد، وإنما كما تفرضه المعطيات الإحصائية لعدد المصابين، والوفيات، والمتعافين من مرض كرونا، وكلها تجليات فرضها الخطاب الإعلامي داخل المجتمع، لتصوير وضع العالم، وما يعكسه من أثر نفسي في إعادة إنتاج معرفة جديدة تحكمها أنساق أنتروبولوجية من حيث طبيعة الوباء وطرق التعامل معه سيكوجتماعيا، سواء من حيث سلوك الأفراد والجماعات في التعاطي مع سبل الوقاية، أو من حيث سيكولوجية الذوات المقهورة معيشيا جراء قوانين الحجر الصحي وما رافقها من حظر التجوال، نتيجة تزايد الإصابات بكرونا، وهو ما يؤطر مفهوم الأزمة سوسيولوجيا، ضمن خانة عدم الاستقرار الإنساني، بسبب التحولات الفجائية التي أرقت المجتمعات صحيا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، مما أدى إلى ظهور فئات جديدة يسودها منطق النفعية على حساب الفئات المتضررة التي شكلت مشهدا تراجيديا بئيسا يعكس سيكولوجية المجتمع المتفسخ أخلاقيا، إذ لا يعقل المتاجرة بالأزمة، في زمن نحتاج فيه لمعاني التضحية، وهذا ما يترجم معناه برتراند راسل بقوله: ” يمكننا أن نتجاهل المعتقدات، وننظر إلى معرفة الإنسان على أنها تكمن فعليا في ما يقول ويفعل، أي بمعنى أننا سننشئ قدر الإمكان، وصفا سلوكيا خالصا للصحيح والزائف”[9].

 هذا معناه أن الواقع الإنساني مليء بالمتناقضات القائمة على ”المشكلات السوسيولوجيا التي تقوم على الشكل في ظل غياب المضمون”[10]، وفق شعارات حاول من خلالها برتراند راسل استئصال وباء الانتهازية على حساب المصالح الاجتماعية، وما يخلقه ذلك من علاقات جدلية بين استنطاق المسكوت وإخراس المنطوق، تبعا لما تبديه أدبيات ملامح الأزمة من خطابات فلسفية أضحى فيها الجواب يسبق ماهية السؤال القائم على الانتظارات، بحثا عن منهج رصين لامتصاص مخلفات الأزمة الظاهِر خدوشها على الوضع المعيشي للمجتمعات من خلال أنماط تفاعلها مع وباء كرونا، هذا الأخير الذي يعتبر دافعا ” لتجاوز السوسيولوجيا الكلاسيكية، إلى سوسيولوجية حديثة تقوم على الوعي الفردي الذي يستمد كينونته من الإقلاع الثقافي والثورة التكنولوجية، هروبا من الطابع الانفعالي إلى الرؤية التفاعلية التي تستند على منطلق فكري رصين، لقراءة متغيرات وضع المجتمع وتشخيص حالته النفسية وظروفه الاقتصادية وممارسته السياسية في هذه الظروف العصيبة”؛[11] وكلها معان تترجم درجة اختبار الوعي الإنساني في ظل التعاطي مع تأملات الأزمة. ” فما أصغر الحياة وما أكبر اللحظة بداخلها، فالكل عابر على شريط الزمن، لكن ما أجمل التوقف تارة على المواقف الإنسانية النبيلة التي تعيد للمجتمعات عنفوان الأخلاق في ظل سوسيولوجيا الأزمة”[12].  إذ لاشك أن ترجمة الفعل الإنساني يعد موجها في تحديد معاني القيم، وكذا طرائق التعامل مع راهنية الأحداث التي تمليها الظرفية الوبائية، وما يطبعها من بدائل التفضيل والاختيار التي تتماشى مع قدرة المجتمع وأنماط سلوكه في مواجهة هذا الوباء تدريجيا في ظل الإكراهات الآنية التي تقتضي وعيا فلسفيا، نستطيع من خلاله تضييق نطاق البؤر الوبائية داخل المجتمع، وفق نظرة فكرية، واقعية واستشرافية يمكن اعتبارها ترجمة  لتشخيص الأزمة الشاملة التي يمر بها الإنسان بهدف محاولة انتشال مسؤولية الوعي المشترك من ردهات الفلسفة الوضعية، وما أثارته من شك وعجز علمي فصل المجتمع عن القيم والإنسان عن الوجود والدين عن الغيب، وفق ثورة عارمة تحتاج لمعنى المعنى، عن طريق وراثة الأسئلة والترسب داخل تراث إشكالي لإعادة ترميم لبنات القيم حتى لا يتوغل الوعي السوسيولوجي في الدوائر العارية التي يمكن أن تخلقها سلبيات أزمة كوفيد 19، من ”مفاجأة الصدمة، وفقدان السيطرة على الوباء، بغياب الحل الجذري السريع، وبالتالي وقوع خسائر نفسية واجتماعية ومالية”[13].

تشير سيكولوجيا الأوبئة إلى وجود طبيعة مزدوجة في السلوك الإنساني، إذ تغيب العقلانية أمام مواجهة الحوادث المفاجئة، حيث تدفع الأزمة الفرد إلى الخوف والقلق والارتياب، عبر سلوكيات متناقضة في أخذ القرارات لدرء خطورة هذا الوباء، وفي هذا الإطار يؤكد عالم الاجتماع شوتز ألفريد(Schutz Alfred) ” أن العقلانية الهشة هي نتاج أزمات الحياة اليومية للأفراد، لدرجة تجعلهم يقتاتون على وقع المعاناة التي تقرب من فرصة الإصابة بالمرض عبر هواجس الشك”[14]؛ أي مخاوف العيش في ظل المجهول، نتيجة تفشي سرعة انتشار الوباء، وعدم وجود القدرة على توقع متى وكيف ينتهي، في ظل غياب الدواء.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق