المقالات

كورونا: أو حينما يصير الوباء باعثا على التأمل في عالمنا المعاصر (عبد الحميد لخميس)_ ج1_

استهلال:

    كان العالم ماضيا في حركته الدؤوبة نحو ما لا نستطيع توقعه، يظهر للبعض أنه يسير نحو الأحسن ويشق طريقه نحو مزيد من التحرر والخلاص والانعتاق، ويظهر للبعض الآخر أنه ماض نحو الأسوأ ويشق طريقه نحو الانحطاط والتيه والكاووس، والمهم أن الناس قد ألفوا عالمهم كل حسب فهمه وتأويله. لكن فجأة توقف كل شيء، وما كان مألوفا صار باعثا على الاستغراب والغرابة، سيشعر الكائن البشري بأنه غريب أمام ما يقع، وزادت الغرابة أكثر أمام السيل العرمرم من الأنباء والأخبار والمعلومات التي تقذفها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، شرعت القذائف الإخبارية تأتي من ووهان هناك في الصين في أقصى الشرق، ثم ما فتئت أن صارت تأتي من كل حدب وصوب، وتناسلت التأويلات وتناسجت الأفهام… إنه فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). غير أن القاسم المشترك بين هذه التأويلات هو الخوف والهلع والرعب، فهل هو خوف من الله أم خوف من الطبيعة أم خوف من التقنية؟ يفسّر أصحاب النمط الأول من الخوف بأن ما يحصل هو لعنة إلهية قد حلت بالبشر بعد تماديهم في غيهم وضلالهم، وأن السماء شرعت تعاقب الأرض بعد سلسلة متتالية من الإنذارات؛ وهذا هو التأويل الثيولوجي. ويحيل النمط الثاني من الخوف على أولئك الذين يرون بأن الطبيعة اليوم تصفي حسابها مع الإنسان الذي تجبر عليها، واستنزف طاقاتها، وأرغمها على تسليم خيراتها؛ وهذا هو التأويل الرومانسي والإيكولوجي. أما أهل النمط الثالث من الخوف فهم أولئك الذين يعتقدون في نظرية المؤامرة؛ ويرون أن هذا الفيروس قد تم تطويره تقنيا ومخبريا في إطار حرب بيولوجية جرثومية بين القوى المتحكمة اليوم في العالم، وهذا هو التأويل الجيوسياسي والحربي.

بيد أننا في هذا المقال لن نتتبع حجج كل طرف وأدواته في القراءة والتأويل، وإنما غرضنا أبعد من ذلك؛ وهو التأمل الفلسفي في الكثير من الظواهر والأحداث التي نجمت عن انتشار هذا الوباء، في أفق الكشف عن جملة من المفارقات التي تتولد عنها جملة من الأسئلة المتروكة لمختبر التاريخ كي “يجيبنا” عنها. قد يقول قائل؛ وما دخل التفكير الفلسفي في أمر كهذا؟ أ ليست الفلسفة انشغالا بالأسئلة الخالدة والإشكالات القصوى والمصيرية كالموت والحرية والسعادة والله… وهذا الوباء هو حدث طارئ عابر؟ نحن على وعي تام بذلك؛ لكن متى كانت هذه الأسئلة الخالدة منفصلة عن الوجود الفعلي والحي للكائن البشري في مسرح التاريخ؟ وهل يستطيع الإنسان أن يخرج من جلده؟ جلده الذي هو حاضره؟ إن الفلسفة لهي بنت زمانها كما يقول هيغل، ولابد أن الأسئلة الخالدة التي تطرحها وتفكر فيها منذ نشأتها قد تولدت بشكل من الأشكال من المجرى التاريخي الفعلي لحياة البشر، فهل كنا نتصور أن فلاسفة القرن العشرين قدموا ما قدموه من فلسفات أصيلة لولا أحداثا تاريخية تحولت في ما بعد إلى أحداث فلسفية؟ عبثية الحرب وسيادة التقنية وهيمنة البيروقراطية ونكوص الديني… وغيرها، أحداث لا يمكن للفسفة المعاصرة أن تكون من دونها، ولهذا الاعتبار؛ فإن ما بات يعرف اليوم بفيروس كورونا المستجد، وما خلفه من آثار، وما خلقه من أحداث وظواهر، يملك في نواته، كحدث، ما يجعل منه موضوعا جديرا بالتفكير والتأمل. وإن الإنسان الذي تتحدث عنه الفلسفة ما هو في نهاية المطاف سوى الإنسان الذي هو من لحم ودم، يخاف ويفرح ويحزن ويغضب ويحب ويكره ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق. ليس إذن، فيروس كورونا المستجد هو المهم، ولكن الأهم هو ما نجم عنه من آثار، وما بعثه من أسئلة مستجدة ربما كان قد طواها النسيان. وهذا هو مدار تأملاتنا في هذا المقال، وقد آثرنا التحرر في الكتابة بعيدا القواعد الأكاديمية المعروفة.

بين الفردانية والجمعانية: أو مفارقة الحرية والخضوع

    مع مطلع العصر الحديث ونشأة الفلسفة الغربية الحديثة سنجد أنفسنا أمام انقلاب جذري للتصور الفلسفي القديم؛ ذلك أن تحولا عميقا حصل تحت تأثير الثورات العلمية الجديدة، وعلى رأسها الثورة الكوبرنيكية؛ فلم تعد الأولوية لنظام العالم أو للموضوع، وإنما للذات أو الأنا، وهو ما يفسر الانتقال من الاهتمام بالأنطولوجيا ـ كمبحث أول ـ إلى الاهتمام بالإبيستيمولوجيا. وامتدت آثار ذلك إلى كل مناحي الحياة؛ فظهرت الحركة الإنسية وحركة الإصلاح الديني وغيرها… وهكذا استطاع الإنسان الأوروبي الغربي أن يقطع، عبر سيرورة تاريخية طويلة وقاسية امتدت لأكثر من قرنين من الزمان، مع نمط “قديم” من الوجود الاجتماعي وشكل “تقليدي” من النظام السياسي، ولعل تجسده البارز  قد عبرت عنه الثورة الفرنسية التي قال عنها هيغل “إنها تلك المكنسة الهائلة التي سعت إلى إزالة كل ما قدّرت أنه يقف في وجهها”. مع العصر الحديث لم يعد الإنسان مجرد مُصْغٍ أو منصت لنظام الوجود/الكل، كما هو الحال عند الإغريق، بل صار ذاتا قادرة وفاعلة لا ترتهن إلى نظام الوجود الكلي، صار ذاتا بانية للعالم ومقوِّمة له من خلال قدرتها على فهم قوانينه واستيعاب نواميسه؛ ومن ثمة التحكم فيه والسيادة عليه. لم يعد الإنسان مجرد قطعة ذائبة في الكوسموس الكبير والغامض، إنه ـ ولأول مرة ـ أضحى عبارة عن ذات متمركزة في قلب العالم، وقادرة على تحويله إلى بنية رياضية متصوَّرة قبليا، وقابلة للفهم والتحليل، ومن ثمة التعديل والتسخير. صحيح أن الإنسان هش، أو بلغة باسكال؛ ليس سوى قصبة خيزران نحيلة، ولكنه “عظيم” بالفكر، لأنه قصبة مفكرة، ووحدها مفكرة. شكل هذا الانقلاب الذي دشنه العصر الحديث فتحا هائلا أَمَدَّ الإنسانية بأسباب التحرر والانعتاق من الكليات المهيمِنة، وصارت الفردانية individualisme  وما يتصل بها من مقومات أخرى كالوعي والإرادة والحرية والذاتية والمسؤولية والفاعلية والكرامة… نموذجا إرشاديا عاما حكم الأزمنة الحديثة برمتها؛ في العلم والمعرفة والسياسة والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والفن والدين… وهو الأمر الذي بلغ ذروته مع عصر التنوير وحلم “التقدم” الذي راود مفكريه.

لقد هيمن التصور الفرداني الذّرّي على الأزمنة الحديثة بدءا من ديكارت ونزعته المونولوجية Monologique، وفلاسفة العقد الاجتماعي الذين انقلبوا على المبدأ الأرسطي القاضي بفطرية الاجتماع الإنساني وانتصروا لفكرة أسبقية الفرد على المدينة، وفلاسفة عصر الأنوار الذين ناضلوا من أجل تحرير الفرد، وبلغ هذا التصور الفرداني الذري مستوى أعلى مع الانعطافة التعبيرية التي أحدثتها الحركة الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر، وذلك من خلال دفاعها عن مبدأ الأصالة Authenticité بوصفها وفاء للذات.

   هذا ما حصل في الغرب، لكن شيئا من قبيل هذا لم يحصل عندنا، ذلك أن الفردانية بمفهومها الإيجابي والفاعل لم تنبث عندنا بعد، فنحن كائنات تستبد بها الأنانية من جهة (مع قاعدة الاستثناء طبعا) وترزح تحت وطأة الكليانيات السياسية والدينية والتاريخية من جهة ثانية، لكن ربما مع ما فرضه فيروس كورونا المستجد، من ضرورة الابتعاد عن مخالطة الحشود، والقطع مع أشكال التجمهر، يحمل في أحشائه إمكانية جنينية للشعور بالفردانية، ولو مكانيا، في اتنظار تحقيقها على مستوى الوعي، لأن استنبات قيمها الحقيقية على مستوى الوعي أمر بنيوي معقد، ويحتاج تراكمات تاريخية متشعبة. إلا أنه لابد هنا من ضرورة التفريق بين الفردانية individualisme والأنانية égoïsme كما يقول ألكسيس دو توكفيل؛ فالأولى قيمة إيجابية فاعلة وبناءة وتقيم اعتبارا للآخر بالنظر إليه كذات متفردة تملك من الخصائص والسمات ما تملكه الأنا، وهي مرتبطة كما أسلفنا الذكر بالأزمنة الحديثة، بينما الثانية؛ أي الأنانية، فهي خبيثة وهدامة ومدمرة، ولا تنتج عنها سوى الفوضى والعبث، وهي نفي للآخر نفيا مطلقا، وتنتمي إلى العصور البائدة. وقد بدا في الكثير من سلوكات الناس، مع الأسف، مظاهر الأنانية لا الفردانية؛ حيث التهافت والتسابق الأعمى والمحموم على السلع والمنتجات والمؤونة والادخار والاحتكار والتلاعب بالأسعار، وغيرها من السلوكات الأنانية. لكن ماذا لو سار الأمر في اتجاه التخلص من الأنانية والشعور بالفردانية وتنميتها من خلال العودة إلى الذات وإخضاعها للسؤال والنقد، والإيمان بقدرتها وفاعليتها وأصالتها واستقلاليتها؟ إن الحذر من مصافحة الغير وعناقه، واتخاذ مسافة الآمان الضرورية بيني وبينه، وتجنب الاحتكاك المتعسف عليه في وسائل النقل العمومية أو أمام المحلات التجارية أو في الشوارع العامة لهي فرصة للإسقلالية وعدم حشر أنوفنا كما عودتنا العادة الاجتماعية السيئة في أمور الغير، وهي كذلك فرصة للقطع مع أشكال الاتكالية على الغير التي تعج بها ثقافتنا، ومنح الفرصة للذات كي تبرز في الاتجاه الفاعل والخلاق والمسؤول.

ومن مفارقات كورونا المستجد أنه بقدر ما خلق فينا هذا الشعور الحميمي بالذات خلق فينا كذلك بوادر وعي جمعي إيجابي؛ يتجلى في الشعور بالمصير المشترك، وبالتعاطف مع الغير الذي يمر من محنة الوباء، سواء محليا أو كونيا، فالوباء لا يميز بين هذا وذاك، إنه يخبط خبط عشواء، ولكنه في النهاية “عادل”، فهو يصيب الناس من كل الأجناس والأعمار والأعراق والديانات والطبقات. وبقدر ما حوى من نواة الفردانية، والتحرر من قبضة الآخر، ومن سلطة العادة، ومن الكليانيات الماحية للذاتية، قزم في الوقت نفسه هامش الحرية الفردانية وضيق منها، ويتجلى ذلك في ما فرضه من “حجر”، إجباريا كان أم طوعيا على الناس، ولعل تأملا متأنيا في الدلالة الإيتيمولوجية للفظة الوباء épidémie من جهة، ولفظة الحجر  quarantaine من جهة ثانية، يبين ذلك بوضوح؛ ففي اللغة العربية يشير الوباء إلى كل “مرض شديد سريع الانتشار من مكان إلى مكان يصيب الإنسان والحيوان والنبات، وعادة ما يكون قاتلا” والفعل وَبَأَ يتقاطع مع الفعل بَوَأَ، فنقول “وبأ إليه” بمعنى أشار إليه، ونقول “وبّأه” بمعنى عبّأه، و”استوبأ” تعني استوخم؛ وهذا يفيد معان هامة جدا فالوباء صار محط إشارة وتداول جميع من في العالم، وصار يعبئ ذاته، ويشحذ همته وأسلحته ليفتك بنا، كما صار خطبا جللا وأمرا وخيما وفظيعا شديدة الخطورة. أما بوأ فتعني دلالات كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر؛ “بوَّأه” أي أنزله منزلة عالية، ومنحه سلطة رفيعة، أ فليس الوباء الذي حل بنا يتسيد علينا ويهيمن ويتسلط؟ كما تعني أيضا أعدّ وهيّأ وجهز (بوأ البيت) وأقام وسكن واستوطن (بوأ المكان) ورمى وسدد صوّب (بوأ الرمح نحوه). أ فليس الوباء يجهز لنا ويعد عدته ليسكن ويقيم بيننا ليسدد ويصوب نحونا؟ فماذا أعددنا له؟ وما السلاح الذي نملكه لمحاربته وإخراجه من أرضنا وطرده من بيتنا؟

         أما في اللغة الفرنسية فنجد دلالة عميقة؛ ذلك أن الكلمة épidémie تعود إلى الأصل الإغريقي، وتتركب من لفظين؛ وهما؛ epi وتعني au dessus (أي أعلاه أو فوقه) وdemos وتعني peuple (أي الشعب أو الجماعة من الناس)، والكلمة مجتمعة كأنها تحيل إلى قوة جبارة تحوم أعلانا وفوق رؤوسنا تمارس علينا سيطرة لا حول ولا قوة لنا أمامها، وهكذا فمن الدلالة اللغوية للوباء نستشف معنى الخضوع الذي نحن فيه، ومعنى السيادة والسيطرة والإخضاع الذي يمارَس علينا من طرف قوة جائحة قاهرة.

          أمر السلطة العليا للدولة مواطنيها بالحجر الصحي في دول كثيرة من العالم لمحاربة وباء كورونا زعزع لا محالة الكثير من المبادئ والقواعد الليبرالية، ورأينا كيف أعطى هذا الحجر قوة للدولة، وأعاد هيبتها في لكثير من بلدان العالم، وبدا أن تجسده الأبرز كان في الصين، حيث الشعور بسلطة الدولة ذات البعد الاشتراكي الاجتماعي أقوى، فما يقرب من المليار ونصف المليار من السكان التزموا التزاما صارما بالإجراءات الوقائية التي سطرتها الدولة، وهذا أمر ليس بالهين بتاتا وهو نتاج تراكم تاريخي مُبَنْيَن. لقد كان التزام الصينيين أكثر من غيرهم، وأدى نتائج أكثر نجاعة منه في الدول ذات الأساس الليبرالي الحرياني.

 مع الحجر لا صوت يعلو على صوت الدولة كيفما كانت طبيعتها وماهيتها، وبات تدخلها في الشؤون “الخاصة” للأفراد مشروعا، بل وضروريا. وإذا بحثنا في دلالة لفظة الحجر لغة نجد الكثير من المعاني، كلها تصب في اتجاه الخضوع والجبر والقسر وغياب الحرية؛ فالحجر هو المنع، وما فيه منع فهو مناف للحرية؛ ذلك أن الحرية بالتعريف هي غياب الموانع، فنقول مثلا “فرض الحجر على أملاكه” بمعنى منعه من التصرف فيها، والحجر في الشرع هو “المنع من التصرف لصِغَرٍ أو سَفَهٍ أو جنون”. كما يعني الحجر كذلك الحماية فنقول مثلا “هو في حجره”؛ أي في كنفه وحمايته، ونقول أيضا “مَحْجَر العين” (بالإنجليزية orbit)، وهو تجويف عظمي يحوي العين وملحقاتها من أوعية وأعصاب وعضلات، وهذا كناية عن الحماية؛ فالعين عضو شديد الهشاشة، ولولا المحجر ما كانت لتُحمى، ومعنى الحماية مفيد جدا؛ لأنه وظيفة أساسية من وظائف الدولة، وخاصة الدولة المعاصرة التي كثيرا ما وصفت بدولة الرعاية، فالدولة التي لا تعتبر مواطنيها بمثابة عين وهي محجرها الذي يحميهم، ليس فقط من الأوبئة بل من جميع الأخطار التي تهددهم مادية كانت أم معنوية، لا تستحق الاحترام. ومن الدلالات المشتقة من الحجر نجد أيضا التحجير فنقول “تحجير الطين:؛ أي تَصْيِيُره كالحجر، ونقول “تحجير الحقل”؛ أي إحاطته بالحَجَر، ويستشف من تينك الدلالتين أمران غاية في الأهمية؛ أولهما التَّمْنيع (من المناعة)، فتصيير الطين حجرا معناه تقويته ونقله من حالة الهشاشة إلى حالة الصلابة، وكأننا نكسبه مناعة، وأمام غياب أي علاج للفيروس لحد الساعة يبقى الحجر الصحي أنجع مناعة قبلية استباقية وقائية يمكن أن تقوينا على مواجهة الوباء، وثانيهما التَّسْيِيج؛ أي وضع الحدود، فإحاطة الحقل بالحجر هو تسييجه وتحديده وتمييزه عن باقي الحقول الأخرى، وهنا يتجلى معنى خلق المسافة الضرورية بين الناس ووضع الحدود بينهم، وإرغامهم على ملازمة حقولهم/بيوتهم الخاصة اتقاء انتشار العدوى.

         أما في اللغة الفرنسية فالحجر la quarantaine استخدم منذ 1180م، وكان يدل على “espace de quarante jours”؛ أي “مساحة الأربعين يوما”، وهي فترة للصوم في المذهب المسيحي الكاثوليكي شاعت منذ القرن الرابع الميلادي، وهي مستمدة في التراث الكاثوليكي من الأربعين يوما التي صامها يسوع المسيح في الصحراء، وحيدا معتزلا الناس في جوع وعطش وفقر وافتقار، وهذه المعاني بالغة الأهمية، ففيها العزلة والوحدة والخلوة، والافتقار والرجاء، وفيها الصوم كذلك، ومعناه الإمساك والامتناع، وترويض النفس، وما يقتضيه ذلك من صبر وأناة وجَلَدٍ وتحمل. وهذه كلها معاني يتضمنها مفهوم الحجر بمعناه الصحي، لأنه يكسر روتين العادة، ويدخل الإنسان في نمط وجود مختلف ومغاير لدأبه وديدنه. بيد أن الكلمة ستأخذ دلالتها الحالية منذ القرن الرابع عشر الميلادي، فصار الحجر الصحي la quarantaine sanitaire يشير إلى الفصل والعزل، أي عزل الأشخاص المشتبه في إصابتهم بأمراض معدية، مع تحديد فترة هذا العزل.

  رأينا إذن كيف أن فيروس كورونا المستجد قد وضعنا أمام مفارقة بين الفردانية والجمعانية؛ الشعور بالفردانية (بالمعاني التي أسلفنا ذكرها) الذي يمكنه أن يفيدنا كمجتمعات متخلفة، إذ لا نهضة دون شعور الفرد بقيمته وقدرته وأصالته، والجمعانية؛ أي الشعور بالمصير الجمعي المشترك، وهو الشعور الذي أعاد للدولة الوطنية هيبتها، وأمدها بالقوة اللازمة بعد سلسلة من الضربات التي تلقتها أمام عودة القبيلة والعشيرة من جهة، وتصاعد النزعات الهيدونية (اللذانية) والفوضوية والأصوليات الراديكالية الرافضة لكل أشكال التعاقد من جهة ثانية. لابد أن مفهوم الدولة سيعاد تعريفه من جديد في عالم ما بعد كورونا، وعلى ضوء ذلك ستتغير جملة من المفاهيم المرتبطة بها من قبيل السلطة السياسية والسيادة والحرية والقانون…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق