المقالات

قواعد المصلحة السياسية عند الشاطبي ج2(محمد أخريف)


أسس الرؤية المقاصدية للسياسة والمصلحة.

إن إمعان النظر في الرؤية المقاصدية للسياسة يجعلنا نقف على قواعد نحددها في :

تقديم الشرع على العقل : اذ لا تعيين لمصلحة إلا بما يوافق الشرع، فهو المقدم والأصل، فالقوانين الشرعية هي أبلغ في المصلحة وأجرى على الدوام مما يعده العبد مصلحة[1]“.

شرط مخالفة الهوى : كل سياسة مستندة على الهوى فاسدة شرعا، وعقلا، إذ تغدو مجلبة للمفاسد لا للمصالح.

الوصل بين المصلحة الدنيوية والأخروية : إذ لا اعتبار لمصلحة إلا من حيث إقامتها لأمور الدنيا المقامة للحياة الآخرة، فلا فصل بينهما، وإنما وصل واتصال.

تحمل العناء والرعاية في الولايات : فمن لا يتحمل شقاء مخالفة الهوى لا يصلح لتدبير أمور الناس واستجلاب مصالحهم، مادامت ” مخالفة الهوى شاقة على صاحب الهوى مطلقا، ويلحق بسببها تعب وعناء[2]، مما يؤثر على عدم القدرة على تحمل غيرها من الأعباء.

حقوق الخلق من حقوق الحق : إذ لا يصلح لخدمة أمور الخلق من لم يرعى حقوق الحق، فالنفس الحاملة لبذرة الانتهاك تنتهك كل حق.

رعاية المصالح مقدمة على رعاية العبادات : إذ على الوالي تحمل المشقة الناشئة من التكاليف حتى وان شغل بذلك عن الانقطاع إلى عبادة الله والأنس بمناجاته، لكونه ذا كفاية فيما أسند إليه، ودفعا للضرر والفساد الذي يلحقه ويلحق غيره إذا ما ترك الكفاية وطلب الاعتزال عن الناس ومصالحهم المتصلة بمصالحه.

أولوية العام على الخاص : إذ من الضروري تقديم الصالح العام على الصالح الشخصي ” كالقاضي والعالم المفتقر إليهما، إلا أن الدخول في الفتيا والقضاء يجرهما إلى ما لا يجوز، أو يشغلهما عن مهم ديني أو دنيوي، وهما إذا لم يقوما بذلك عم الضرر غيرهما من الناس، فقد نشأ هنا عن طلبهما لمصالحهما المأذون فيها والمطلوبة منهما فساد عام “[3] .

لا مصلحة مع نظر عقلي فاسد : فمفاسد السياسة قبل أن تكون اتباعا للهوى في التدبير، فإنها اتباع له في التقدير العقلي، فما ” علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك الذي هو مضاد لتلك المصالح، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة، ولذلك اتفقوا على ذم من اتبع شهواته، وسار حيث سار به حتى أن من تقدم ممن لا شريعة له يتبعها، أو كان له شريعة درست، كانوا يقتضون المصالح الدنيوية بكف كل من اتبع هواه في النظر العقلي”[4]

معايير المصلحة من معايير الصلاح : إذ لا يخرج اتباع الهوى في النظر العقلي عن إفساد معايير الصلاح والمصلحة، أو تبرير كل مفسدة أو مظلمة، فتفسد كل سياسة، شرعية كانت أو مدنية.

لا نظام مع اتباع الهوى : إذ ينخرم كل نظام بسبب فرض اتباع الأغراض وتحصيله[5]، فما حط الهوى على شيء إلا أفسده وهوى به

لا حقوق إلا بحد مشروع : فعين مخالفة الأهواء والأغراض، هو أخد الأغراض من الحد المشروع (شرعا وقانونا)، لا أن يكون متناولا لها بنفسه، أو مناولة له من غيره بدون أساس حق.

لا حيلة في إصدار الأحكام : ” فاتباع الهوى في الأحكام الشرعية مظنة لأن يحتال بها على أغراضه، فتصير كالآلة المعدة لاقتناص أغراضه، كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة سلما لما في يدي الناس، وبيان هذا ظاهرا، ومن تتبع مألات اتباع الهوى في الشرعيات وجد من المفاسد كثيراً”[6] وإذا كان هذا الأمر ممكنا في الأحكام الشرعية فإنه أشد تمكنا في الأحكام السياسية.

كونية المصالح من كونية الشريعة : فإذا كانت الشريعة كونية، فإن المصالح المؤسسة عليها كونية كذلك، إذ لا يستقيم أمر إقامة الوجود إلا بمراعاة المقاصد الأصلية الكفائية المحددة للأحوال العامة، ذلك ” أن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق، فالمأمور به من تلك الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص، لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط، والا صار عينيا، بل بإقامة الوجود “[7]فرعاية حقوق الخلق محليا هو مساهمة في إقامة الوجود كونيا، ما دام الإنسان كائن اتصالي وتواصلي وتعارفي وتراكمي.

الولاية استخلاف بحسب القدرة : فكل ولاية وتحمل لمسؤولية هي استخلاف لله في الأرض، فالمسؤول على حسب قدرته وخبرته وما هيئ له من ذلك مخلوق جعل على مصالح الخلق، استخلافاً من الخالق في إقامة الضروريات العامة لقيام الملك في الأرض، والقول بمخلوقية المستخلف نفي لتسلط وتسيد وتأليه المستخلفين بمختلف مراتبهم.

لا مصلحة عامة بحظوظ شخصية مباشرة : إذ لا حظوظ شخصية ومباشرة للكفائي الراعي للمصالح العامة، فلا أجرة له إلا من خزينة الدولة” فلا يجوز لوال أن يأخذ أجرة ممن تولاهم على ولايته عليهم، ولا لقاض أن يأخذ من المقضي عليه أو له اجر على قضائه، ولا لحكم على حكمه، ولا لمفت على فتواه، ولا لمحسن على إحسانه، ولا لمقترض على قرضه، ولا ما أشبه ذلك من الأمور العامة التي للناس فيها مصلحة عامة”[8] لكن هذا لا يمنع من القيام بمصالح الولاة بما لا يؤثر في سلوكهم، فكما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة، فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك”[9].

كل حظ فوق الحد المشروع مفسدة : وبناء عليه تمنع الهدايا والرشا المقصود بها أصحاب الولاية، لما في ذلك من استمالة لهم وتحريف للحق وعدم استقامة في إصدار الأحكام والفتاوى، ” لأن استجلاب المصلحة هنا مؤد إلى مفسدة عامة تضاد حكمة الشريعة في نصب هذه الولاية، وعلى هذا المسلك يجري العدل في جميع الأنام، ويصلح النظام، وعلى خلافه يجري الجور في الأحكام، وهدم قواعد الإسلام”.[10]

كل مفسدة تستوجب العقوبة : يستحق العقوبة كل من أخل بالمصالح العامة، وتركها إهمالا وهوى، لأن في تركها أي مفسدة في العالم”.[11]

لا مصلحة إلا بانتفاع المجموع بالمجموع : إذ يراعى في تحمل المسؤوليات صون قيمتي التعاون والتكامل، مادام المكلف عاجزا عن الوصول إلى كل أغراضه بمفرده، وما دام النفع متصلا ومشتركا بين الجميع ” فصار يسعى في نفع واستقامة حاله بنفع غيره، فحصل الانتفاع للمجموع بالمجموع، وإن كان كل أحد إنما يسعى في نفع نفسه”.[12]

عز الولاية برعاية المصالح ولا تطلب الولايات لذاتها : إذ شرعت أعمال الكفاية “لا لينال بها عز السلطان، ونخوة الولاية وشرف الأمر والنهي، وإن كان قد يحصل ذلك بالتتبع، فان عز المتقي لله في الدنيا وشرفه على غيره لا ينكر، وكذلك ظهور العزة في الولايات موجود معلوم ثابت شرعا من حيث يأتي تبعا للعمل المكلف به.[13]

تلكم إذاً هي مجمل القواعد المستنبطة من التصور المقاصدي للسياسة والمصلحة والمستند على منهج استقرائي مع قدرة كبيرة على تجميع المعارف وتحليلها وتفصيلها، دون الخروج عن ثابت الاستناد على الشريعة، وتقديمها على النظر العقلي الذي لن يكون في حال سلامته وصلاحه وقدرته على الاستصلاح، إلا متوسلا بمنهجها الاعتدالي في تعيين المصالح والمفاسد، مع حرص شديد على أخد الطبيعة البشرية بعين الاعتبار ووضع ضوابط تضبطها مستمدة من الشريعة بما فيها من أوامر ونواهي ومواثيق توثق النفس عن دافع الهوى المستجلب للمفاسد دنيويا وللخسران أخرويا، بتحريف الحقوق عن أهلها وحصرها في فئات ضيقة تفننت في إبداع الحيل لتغيير معايير المصلحة والمفسدة، ورسم مجال وحدود السياسة، فيفصل بين الصلاح والمصلحة، ويصبح الواصل بينهما كالخارج عن أطوار زمانه والمخالف لما أقر وثبت من طرف دهاة وأصحاب وقته، إن هم أقاموا الصلاح على قواعد العقل فقط وحصروا المصلحة في مصالح الدنيا لا غير.

 إن بناء السياسة على الشريعة المتصفة بالقطع واليقين يجعل منها أي السياسة لا ظنية في أصلها ومقاصدها، وإن اتصفت بالامكان تدبيرا، ذلك أن قيام ما يعتقد على أنه ظني على ما هو يقيني وقطعي يحوله إلى قطعي من جهة الأصل والأساس، وفق قاعدة الاستمداد، أي استمداد المتبوع من التابع، والفرع من الأصل، ومد المتبوع للتابع؛ ومن جهة المقاصد المعينة شرعاـ الأمر الذي يرتقي بالسياسة إلى مصاف العلم الذي هو من صلب العلم لا من ملحه[14] ، وما كان من صلب العلم لا بد وان يتصل بعمل، مادام أصله القطعي أي الشريعة لا يستحسن إلا العلم الذي تحته عمل، وما اجتمع علم نافع بعمل صالح إلا وقهر الأهواء، وانضبطت الطبيعة البشرية لضابط الشريعة المزكية للإنسان ظاهرا وباطنا، وفق منظومة أوامر ونواهي ومصفوفة أخلاقية هي نتاج لها إذ لكل قاعدة شرعية توابعها من القواعد الأخلاقية التي تعرج بها من العبادة إلى العبودية وإلى درجة عالية من التمثل والامتثال.

 فالسياسة المقاصدية حسب تلك المعاني ليست لغوا أي ليست صرفا للدلالة وإنما توليدا وصونا لها ،وليست سهوا، أي فقدا للتوجه، وإنما تذكر واستحضار دائم له، مع العلم بأن التوجه يؤخذ هنا بمعنيين. توجه عقلي شعوري، وتوجه قلبي استحضاري وحضوري، كما أنها ليست لهوا أي خلوا عن الغرض الصحيح، وإنما جد وعزم وقوة وصدق والتزام وفق ما أقرته الشريعة[15]. أي أن السياسة المقاصدية قصد وتزكية وخدمة للإنسان، وفق منهج الاعتدال والعلم بمواقع المصلحة والصلاح [16].

الهوامش

  1. عبد المجيد الصغير: المعرفة والسلطة في التجربة الاسلامية، قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2010، القاهرة، 224
  2. طه عبد الرحمان: تحديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، الطبعة الأولى/1994، ص 103
  3. أبي أسحاق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة المجلد الأول، دار الكتب العلمية بيروت- لبنانـ ص 7
  4. نفسه ص 7
  5. نفسه ص : 29
  6. غوستان لوبون : روح السياسة، ترجمة عادل زهيتر، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة العربية الأولى /2016 ص 15.
  7. انظر ابو بكر القادري : مبادئ وأصول في التشريع الإسلامي، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، 1991، ص 39
  8. نفسه ص ، 134
  9. نفسه، ص ، 131
  10. نفسه، ص ، 135
  11. نفسه، ص ، 137
  12. نفسه، ص ، 135
  13. نفسه ص ،  137
  14. نفسه ص، 92
  15. نفسه ص، 118
  16. نفسه ص ،130
  17. نفسه ص، 131
  18. نفسه ص ،  134
  19. نفسه ص ، 135
  20. نفسه ص ،  136
  21. نفسه ص ،  140
  22. نفسه ص ، 136
  23. نفسه ص ، 136
  24. نفسه ص ، 137
  25. نفسه ص ، 140
  26. نفسه ص ، 55
  27. طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 98

لا تنفصل دلالة القصد عامة عن دلالة الاعتدال، فقوله تعالى < قصد في مشيك” (لقمان، أية 19)>  تعني من بين معان عدة التوسط فيه بين الدبيب والاسراع، او مواقع قدميك … أحمد بن عجيبة، البحر المديد في تفسير القران المجيد، المجلد الخامس دار الكتب العلمية،


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق