المقالات

قراءة في “مديح الحدود” لريجيس دوبريه:(مراد ليمام)_1_

ثمة منطق يدفعنا لنعتقد بأن المصير المحتوم للثقافات والقيم يكمن في ارتقائها نحو الكوني، يجعلنا لا نُقدِّر الخطر المميت الذي يحفل به هذا الفاعل المضمر. كما لو أن الكوني يدفع نفسه بنفسه، ويُحقق ما حقق من انعطافات وإنجازات بفعل قوانينه المنبثقة من الإنباث الظافر لذاته. في حين أن هذا الكوني أو اليونفرسالي هو صناعة منطقية تجريدية لا تتعدى ترسيمة الإسقاط والتشميل دون أي امتلاء بالمضمون الواقعي، ليغدو مرضا شائعا يلحق القيم والثقافات مُكرها إياها على إعادة التشكل بما يخدم انبناء مفهومه اللامتعيِّن. فتحت وطأة لاتعيُّنه برز الكوني منيعا إلى درجة الاستبداد بمركزيته التي أفقدت الانتماء الأنطولوجي لبقية الصيرورات الاجتماعية والثقافية المتزاحمة على تخومه.

فكل ثقافة تتعمم  وتنصهر في الكلية، تنتحر بفقدان خصوصيتها. وهكذا الأمر مع الثقافات التي كرست أولوية الكونية على الخصوصية لتدمر ذاتها عند اقتلاع جذورها، ومحو حدودها، واستئصال قيمها. إنه الموت العنيف الذي يدمر كل حصانات الخصوصية وقدرتها على المقاومة لتفنى في الكوني الذي يهلك بدوره في الفكر الوحيد للسوق. إنها الأصولية الأرتوذكسية الجديدة، والتي تحرم الخصوصية من متابعة تكوُّنها الجينيالوجي، بحيث يجري تأكيد يقيني -إلى درجة الدوغمائية- على مبدئية العالمي على نحو يلغي كل ما عداه، ويفرض على كل آخر غيره الخضوع لناموس التعادل الجارف. فهذا الأخير، هو الشاهد النموذجي على حركة الفكر الوحيد الذي برر لنفسه وغيره أن التعددية مشكلة تستدعي رعاية الكونية بعد ما عاد يُنظر للخصوصية بهالة تبجيلية مثلما كان الحال قبلا. فتطبيع الوحشية والتخلف هو اليوتوبيا الجديدة للعنف العالمي الصاعد بشكل يهدم كل الثقافات والأراضي، ويمحو الحدود والفضاءات الجغرافية البكر ملزما إياها الخضوع الإجباري للكوني الذي تعولم. وفي هذا السياق الاحتجازي لن تعود القيم والثقافات مستضافة إلا بين جدران المشفى العام للكوني الخادع. لقد ولد بالنتيجة مفارقة تحميل الخصوصيات مسؤولية تأخرها مع التشديد على طابعها الحيواني.

لقد اصطنع الكوني لنفسه عدة معرفية في خداعه للآخر، ليقدم بضاعته مشفوعة بأساليب الإقناع التي توهم بالتحام نسقه العضوي مع المعرفي على نحو يحقق دعواه الكامنة في كونه هو ذا المعرفي. لحظتها تُرفع دعوى هذا الأخير من كونه خصوصية إثنية إلى مصاف الواحد والوحيد الذي لاطريق سواه أمام باقي الإثنيات، فيمسي المسار الخاص بالواحد من المتعدد هو مسار الكل في صيغة عامة شاملة. ومنتهى الأمر من ذلك هو الطاعة باسم العقل والمعرفة التي تدعو إلى الانضباط  والخضوع للوصاية بمبرر عدم النضج وضعف منسوب الوعي بالمصلحة، وتتبع صوت العقل.

من هنا يرتدي تطوع ريجيس دوبريه لدرء التهمة عن الخصوصية والحدود والجغرافيا أهمية خاصة. ويستحق السجل الثقافي والفكري لهذا الفيلسوف عناية أكبر، لأنه سِجل ظل مرتبطا بعلامة استفهام تطال براديغم التدبير العولمي. فإقصاء الجغرافيا والحدود عند دوبريه تلقَّى ضربا من بدايات العصر الحديث بوصفه عصرا لتغريب العالم عن طريق الاكتشافات التي وحدت فضاء العالم، ثم التبادل التجاري الذي جمَّع اقتصاديات العالم في بوثقة واحدة، وصولا إلى كل أشكال الإخضاع غير المباشر بتدمير الفسيفساء الثقافية والتلوينات الهُوياتية من خلال توحيد ثقافي طفحت بذوره الجنينية بوضوح في سياق بروز مشروع التنوير الحديث. وتشكل العولمة -من وجهة نظر المفكر الفرنسي- جماعا تاريخيا في فضاء كوكب يخضع لعمليات التشميل والنمذجة المتداخلة.    

ولعل العنوان الذي يحمله كتاب”في مديح الحدود” يجعلنا نموقعه في أرضية سجالية تنطلق من إمكان اختراق مفهوم الكوني والعالمي بواسطة مفهوم الحدود، وفق جدلية سالبة أو اتجاه معاكس – كما يوحي الجزء الأول من الكتاب بذلك-، وزاوية أخرى ننظر عبرها إلى الموضوع نفسه دون أن تكون متماهية مع نظرة الغرب له. ويوحي الجزء الأول منه –اتجاه معاكس- بنشوء ثقافتين متعارضتين تماما في العمق: إحداهما اتخذت مرجعيتها بالنسبة إلى الجغرافية والحدود، بينما اتخذت الثانية مرجعيتها من ذلك العالم الذي لا خارج ولا داخل فيه. ويرى دوبريه أن المرجعية الأخيرة ترعرعت وشبت انطلاقا من زاد فكري بليد افتتن به الغرب، وهو زاد متشبت بنموذج المواطن الخارج على كل انتماء وحدود. فالسراب والوهم الذي انطلق منه الغرب وراهن على بلوغه –برأي دوبريه- يزيد من حساسية النقص وتخطئة الذات ليُمسيَ حلم أوروبا في مجتمع الرعاية والعناية متجاوزا في رعايته أو كونيته دائما. فأرض الرعاية والعناية تشتغل عبثيا على حلم أو سراب لا يمكنه أن يتوقف عند هوية أو جغرافيا محددة. فما أبقت عليه اليونفرسالية هو يوتوبيا الإمكانات التخييلية التي تركز اهتمامها الأساسي على إثبات نموذج قبلي  يُعطى للكلي أو الكوني. لكن التفكير بعملة البدائل، والانزياح نحو ما هو خارج الحصار الأصم للمركزية الغربية، لن يكون شيئا آخر -من وجهة نظر دوبريه- إلا تفكيرا في مديح الحدود الوافدة من بلاد غروب الشمس. ولذلك، يمكن أن يعذو هذا التفكير الغائب هو الماثل عينه حينما تلتفث عين الناظر المتسائلة.

 فما يمكن أن يقدمه الواقع جوابا عن كل تساؤل حول إلغاء الحدود، لن يكون إلا برسم حدود على الأرض بقدر ما تم خلال الخمسين سنة الماضية: سبعة وعشرون ألف كيلومتر من الحدود الجديدة تم ترسيمها منذ عام 1991، في أوروبا وفي أوروبا الآسيوية على وجه الخصوص. ذلك هو حصار الجيو-سياسي بما هو ارتهان لغابة من السياجات المسوَّمة بنظام هويات متفاضلة ومتعالقة لا تُبقي من حلم السياسة الكوسموبوليتية سوى السياسة الجغرافية، بوصفها العودة إلى القديم الذي سيكون تقدُّما.

وتنبع درجة تفاوت القدرة التفسيرية للكونية والخصوصية من اختلاف مستوى الظواهر المعبر عنها، وتعدُّد المسارات التاريخية للمجتمعات. ضمن هذا المنظور، تناول المُفكر في الجزء الثاني من كتابه – في البدء كان الجلد- مفهوما مركزيا في علم اجتماع الأديان والأنتروبولوجيا الدينية وهو مفهوم المقدس من خلال ثلاث مرجعيات: أولاها الأساطير والديانات البدائية التي تحمل دلالات وشُحنا رمزية مرتبطة بمفهوم البتر، والقطع، والفصل بين الداخل والخارج. وثانيها موروث اللغة الدينية الرومانية الذي انتقل عبر اللاتينية إلى المسيحية الغربية. أما ثالثها فهي المسيحية في نسختها الكاثوليكية التي تتضمن تعابير من سفر التكوين- الإصحاح الأول-، تعكس قضية الرسم والفصل بين الداخل والخارج. ويعتبر المفكر أن تأثير هذه المرجعيات كان له دور أساسي في نحت مفاهيم تميز بين الداخل والخارج أهمها الفصل، والمقدس، والقطع، والبتر… وتمتلك هذه الأنساق الثلاثة بأجهزتها الكهنوتية كثافة مفهومية جعلت اختصاصها الفصل بين الداخل والخارج.

كما يولي دوبريه أهمية للتعريفات المقدمة لمفهوم المقدس في تعارضه الجوهري مع الدنيوي. هذا الانقسام الثنائي لمجالين متعارضين متنافرين وهما الدنيوي والمقدس يجعل من المقدس مكانا محاطا بالمحظورات، بحيث يُمنع الاتصال به أو الاقتراب منه. فكلمة المقدس عند دوبريه تفيذ التكريس الذي يفيذ بدوره ما هو خاص مصنوع مما هو صلد صلب، لأنه صُنع من أجل البقاء. فالأماكن المقدسة من معابد وقصور وكاتدرائيات… محرمة ومكرسة بسبب الحضور الإلهي، وباعتبارها موضوعا للفصل والتمييز وإقامة الحدود.

يتساءل بعدها المفكر عن جدوى التقديس مادام ما يحدث مع العبور من الكوني إلى العالمي تبعثُرٌ إلى ما لا نهاية. لكن هذا التناول مناسبة يؤكد من خلالها الفيلسوف على قضية الحدود في ظل التحولات الكبرى والخطيرة التي يشهدها عالمنا المعاصر. وهي تحولات باتت تهدد الحدود الجيو-سياسية، فضلا عن الحدود المرسومة، والتي تشكل عاملا مهما في وعي الإنسان بهويته الفردية والثقافية والسياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق