المقالات

قراءة في كتاب: من الحريم إلى الفتنة صورة الإسلام في هولندا:(التيجاني بولعوالي)_2_

الجزء الثالث: المرحلة البينية الأولى 1945- 1965

أثناء هذه المرحلة تمّ إعادة تداول الصور النمطية التقليدية حول الإسلام ونشرها بطريقة تتلاءم والملابسات الاجتماعية الجديدة، لا سيما تلك الصور التي أنتجت أثناء القرون الوسطى، وقدم الإسلام فيها بمثابة خطر يتهدّد أوروبا الصليبية. تارة تمّ تكييف هذه الصور مع ظروف الحرب الباردة، فخلط البعض بين الإسلام وبين الاشتراكية ما دام الاثنان يشكّلان تحدّيًا للرأسمالية الغربية، وتارة أخرى تمّ اعتبار الإسلام دينًا إبراهيميًّا قريبًا من المسيحية، وفي مواجهة ضدّ الشيوعية التي تعادي الدين على وجه العموم.

ثمّ إنّ حضور الإسلام في السياق الهولندي كان نسبيًّا في تلك المرحلة البينيّة، خصوصًا من خلال مذهب الأحمدية الذي استقر أتباعه في هولندا منذ 1947، لذلك فإنّ أغلب الصور التي كان يحملها المجتمع الهولندي حول الإسلام كانت تتعلق بإسلام بعيد وليس بإسلام هولندي محض، كما سوف يتطوّر الأمر لاحقًا.[6]

ولعلّ أهم ما يتضمّنه هذا الجزء هو التحوّل الجذري في نظرة النصرانية بشقّيْها الكاثوليكي والبروتستانتي إلى الإسلام. فإذا تمّ تسجيل تعاطف الكاثوليك مع الدين الإسلامي وإحجام البروتستانت عنه في الجزء السابق، فإنّ هذه المرحلة شهدت تقاربًا كبيرًا بين الكاثوليكية والإسلام، لا سيما في بعدهما الصوفي، الذي جعل الكثير من المستشرقين ينفتحون أكثر على الإسلام. أما البروتستانت، فقد انتهى بهم المطاف إلى قبول الحوار مع الإسلام، واعتباره من الأديان السماوية الموحاة.[7]

الجزء الرابع: المرحلة البينية الثانية: 1965- 1983

تمّ التركيز في هذا الجزء على هجرة اليد العاملة المسلمة (العمّال الضيوف) من المغرب وتركيا إلى هولندا، وسوف يؤثّر هذا الحضور الأجنبي في بنية المجتمع الهولندي على طبيعة النقاش الاجتماعي والسياسي، بل وسوف يلحق ذلك تغييرًا راديكاليًّا في صورة الإسلام في المخيال الشعبي الأوروبي، خصوصًا وأنّ أغلبية العمال الضيوف كانوا مسلمين، وهذا يعني أنّه نتج وقتئذ لأول مرة احتكاك مباشر بين المواطن الهولندي العادي والمهاجر المسلم، مما سوف يجعل بعض الأوساط السياسية والأكاديمية تتحدث منذ مستهل ثمانينيات القرن الماضي عن الإسلام الهولندي بدل الإسلام الشرقي أو الإسلام البعيد.[8]

بالإضافة إلى ذلك، تأثرت صورة الإسلام في هولندا بشكل نسبي ببعض المستجدات والأحداث الدولية، كالصراع الصهيوني العربي، وبالتحديد في حربي 1967 و1973. غير أنّ السياق كان مطبوعًا آنذاك أكثر بالأفكار الأيديولوجية حول الاشتراكية والحرب الباردة والصهيونية، ولم يتطور الأمر بعد إلى مسألة أسلمة النقاش حول الصراع في الشرق الأوسط، كما سوف يحصل مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.[9]

وقد اعتمد الباحثان في تقريب صورة الإسلام أثناء هذه المرحلة على أعمال بعض اللاهوتيين والفلاسفة الهولنديين، من أمثال فاردنبرخ، وجاك دي كيدت، ويان سلومب، وأنتون فيسلس، وبارت هودماكر، وغيرهم.

الجزء الخامس: السنوات الثمانون: من 1983 إلى قضية سلمان رشدي

ذهب الباحثان في هذا الجزء إلى أنّ سياقًا جديدًا بدأ يتشكل، حيث طرأت جملة من التحولات على المستوى الاجتماعي، وانتعش النقاش السياسي بين أحزاب اليسار والأحزاب المسيحية بالإضافة إلى النقابات العمالية، فتباينت مواقف الأحزاب السياسية من الحضور الإسلامي في هولندا، فإذا كانت أغلب الأحزاب المسيحية ترفض أو تتحفظ من الإسلام معتبرة إياه دينًا مغايرًا لدين المسيحية، فأتباعه يؤمنون بإله غير إله النصارى، باستثناء حزب الاتحاد السياسي البروتستانتي الذي كان يرى أنه من حقّ المسلمين ممارسة شعائرهم الدينية، فإنّ حزب العمال الهولندي لم يعر آنذاك اهتمامًا كبيرًا للإسلام، في حين لم تخل نظرة الحزب الاشتراكي إلى الإسلام من السلبية. [10]

غير أن ظهور قضية سلمان رشدي سنة 1989 الذي أساء إلى رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من خلال آياته الشيطانية، فأهدر الخميني رئيس الجمهورية الإيرانية دمه، سيزيد الطين بلة! ويؤثّر بشكل سلبي على صورة الإسلام، سواء على الصعيد العالمي أو على الصعيد المحلي الهولندي. فانقسم الرأي العام الهولندي بخصوص هذه القضية إلى شرائح متنوعة، كالمسلمين الذين عبروا عن استيائهم لأول مرة من الإساءة التي وجهت إلى دينهم، وصنّاع الرأي الذين لم يتفهموا طبيعة الأذى الذي مسّ المسلمين، فربطوا هذه المستجدات بالمخاوف “القروسطية” القديمة من الإسلام، واليمين البروتستانتي المتشدّد الذي كشف من جديد عن مشاعره المعادية للإسلام، والإسلامولوجيين الذين لم يتقبلوا رد فعل المسلمين، غير أنهم تعاملوا بنوع من التفهّم مع المواقف الإسلامية المعارضة لإساءة رشدي.[11]

وقد خلص الباحثان في هذا الجزء إلى نتيجة من الأهمية بمكان مؤداها أنّ صورة الإسلام في هولندا شهدت نوعًا من التحسّن، لا سيما في بعض الأوساط الدينية المسيحية، فاعتبر الإسلام دينًا توحيديًّا يلتقي مع المسيحية في أكثر من نقطة، ونظر الكثيرون إلى المسلمين، باعتبارهم من ذرية إبراهيم عليه السلام، غير أنّ قضية سلمان رشدي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ليعود عقرب الزمن إلى نقطة الصفر، فتتدهور صورة الإسلام في عيون المجتمع الهولندي.

الجزء السادس: العقد التسعيني

طرأت العديد من الأحداث العالمية أثناء السنوات التسعين، ترتبت عنها تحولات جذرية في العلاقات الدولية لم يكن الإسلام بمنأى عنها، ومن بين هذه الأحداث سقوط جدار برلين (1989)، انسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان، فتوى الخميني ضد الكاتب سلمان رشدي، حرب الخليج الأولى ضد العراق. وفي خضم هذا المناخ الدولي المكهرب، سوف تظهر نظرية صدام الحضارات التي انطوت على رؤية نقدية للإسلام دينًا وثقافةً. وهكذا لم يسلم السياق الهولندي من ريح هذه التأثيرات والتحوّلات الكونية، حيث انطبعت رؤى الكثير من السياسيين والمفكرين الهولنديين بنظرية صدام الحضارات التي أصبح يصوّر فيها الإسلام بكونه العدو الجديد الذي بدأ يتهدّد المجتمعات الغربية الديمقراطية، وهذا ما اتضح بجلاء في الكثير من المواقف الأيديولوجية والفكرية المشككة.[12]

إنّ السياسي الليبرالي فريتس بولكستاين يعتبر حامل مشعل هذا التوجه الجديد الساعي إلى تعرية الإسلام، إذ طالب في 1991 عالم الإسلام بالاعتراف اللامشروط بقيم الفلسفة الليبرالية التي تتأسس على الفصل بين الدين والدولة وحرية الرأي والتسامح واللا عنصرية، كما اعتبر الإسلام ثقافة منحطة في سلم الحضارة السياسية وحرية الحقوق. في مقابل ذلك، تحدث السوسيولوجي بول شخيفر عام 2000 عما أطلق عليه “دراما التعدد الثقافي”، لكن دون التركيز على الإسلام، وشكك الإسلامولوجيان فان كونينسفيلد وواصف شديد في واقعية سياسة التخويف من الإسلام في كتابهما المشهور “أسطورة الخطر الإسلامي”، التي ينتهجها بعض السياسيين مثل الليبرالي بولكستاين.[13]

وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، سوف يصعد نجم السياسي الشعبوي بيم فورتون في سماء السياسة الهولندية، الذي ركز أكثر على حماية التراث الوطني، معتبرًا أنّ الثقافة الغربية تتأسس على ثلاثة مصادر هي: اليهودية، المسيحية والنزعة الإنسية. أمّا الإسلام، فهو دين أجنبي عن الواقع الغربي، وأكثر من ذلك فإنّ الثقافة الإسلامية “ثقافة متخلفة”! وقد أحدث هذا الحكم السلبي على الإسلام تصدّعًا كبيرًا في المشهد السياسي الهولندي.[14]

الجزء السابع: القرن الأخير / النقاش الاجتماعي

إنّ دخول الألفية الثالثة اتسم بحدثيْن بارزين أثّرا بشكل عميق في طبيعة النقاش السياسي حول الإسلام في هولندا؛ أولهما ذو طابع دوليّ، وهو هجمات 11 سبتمبر 2001، وثانيهما ذو طابع محلي، وهو مقتل السينمائي الهولندي تيو فان خوخ سنة 2004. لذلك، لا يمكن فهم المواقف التي هيمنت على المشهد الاجتماعي الهولندي بخصوص الإسلام أثناء العقد الأول من الألفية الجديدة إلاّ في علاقة مع هذين المستجدين.

إنّ التيار الليبرالي ركّز على ضرورة اعتماد الإسلام ثقافة الحرية المعاصرة في الغرب وقبوله لها، بما في ذلك الفصل بين الكنيسة والدولة، وجعل الدين مسألةً شخصيةً. ثم إنّ الإسلام بكونه دينًا يجب ألاّ يتجاوز دوره المجال الخاص. وفي الوقت ذاته، يبقى الباب مفتوحًا لنشوء إسلام ليبرالي في إطار الثقافة الغربية. وهذا ما ينطبق كذلك على تصوّر أحزاب اليمين واليسار بخصوص موقع الإسلام في السياق الهولندي، باستثناء عمدة مدينة أمستردام السابق السياسي اليساري يوب كوهن الذي ذهب إلى أنّ الدين يشكل آليةً جوهريةً للاندماج، وأنّه تعبير عام شرعي.[15]

ولا يختلف موقف تيار المحافظين الجدد كثيرًا عن التيار الليبرالي، الذي يرى أنّ الثقافة الغربية تنبني على التقاليد اليهودية والمسيحية والإنسية، غير أنّ القانون الهولندي يمنح أيضا فسحة للاختلاف الديني. ولا يمكن للإسلام أن يتمتّع بمكانة مقبولة في الثقافة الهولندية والغربية، إلاّ إذا اعتمد مبادئ هذه الثقافة وقبل بالاختلاف الديني.

أمّا التيار الشعبوي، فيرفض أيّة إمكانية للتقارب بين الإسلام والثقافة الغربية، ويعتبر الإسلام بمثابة أيديولوجية فاشية، ومن ثم خطراً مباشرًا على الثقافة الأوروبية ودولة الديمقراطية. لذلك فالمسألة لا ترتبط بالحاجة إلى الاندماج، وإنّما بالصراع والمواجهة والرفض.[16]

ويظلّ شقّ من التيار الأكاديمي يتعامل بشكل موضوعي مع الإسلام، ولا سيما بزعامة الإسلامولوجي فان كونينسفيلد. إلاّ أن هناك شقًّا آخر يرفض هذه المقاربة ويعتبرها ساذجةً، وأهم من يمثل ذلك المستعرب هانس يانسن.[17]

الجزء الثامن: القرن الأخير / النقاش الفلسفي

إنّ من بين أهم التيمات التي تعرّض إليها هذا الجزء هي علاقة الإسلام بالنزعة الإنسية، حيث تمّت معالجة رؤى بعض المفكرين المحسوبين على هذا التيار، كبول كليتور، وبيتر ديركس، ونصر أبو زيد، ومحمد أركون، وطارق رمضان.

وقد ميّز الباحثان بين توجّهيْن داخل النزعة الإنسية في هولندا، تختلف مقاربتهما للإسلام؛ أولهما يرى أنّه يجتمع في الإسلام كل ما يبغضه أي مفكر إنساني (هومانيست)؛ وثانيهما يرى في الإسلام الإنساني حليفًا مهمًّا. وهكذا، فإنّ أصحاب التوجه الأول يعممون حكمهم على سائر الديانات التي يعتبرونها خطرًا محتملاً، وهذا ما ينطبق كذلك على العقائد الإبراهيمية كلها. في مقابل ذلك، يقدّر أصحاب التوجّه الثاني الإسلام لأهميته الاجتماعية ويدعون إلى الحوار.[18]

الجزء التاسع: الخاتمة معركة الصور حول الإسلام: لمحة ونقاش

قام الباحثان في هذا الجزء بتلخيص أغلب القضايا التي سبق وأن تناولاها في الأجزاء السابقة، ثم اختتما بعد ذلك هذا المشروع الفكري القيم بجملة من الخلاصات، يتحدّد أهمّها كالآتي:[19]

إنّ وظيفة “معاداة الإسلام” في النقاش حول الهويّة الوطنية الجديدة أو حول هوية شريحة معيّنة في عالم ممتدّ ومعقّد تضمن الاستمرارية والحماية. وفي الوقت ذاته، ينمّ ذلك عن هوية ضعيفة ومتذبذبة، لا تملك الوعي الذاتي الكافي للتعبير بقناعة عن قيمها دون خنق الأصوات الأخرى وتهميشها. ثم إنّ الصورة السلبية حول الدين عامة في بعض الأوساط الاجتماعية تساهم في تردّي استيعاب الإسلام وفهمه. إنّ الثقة في الديمقراطية مسألة أساسية في هذا الصدد؛ فالديمقراطية الحقيقية لا تعرقل مسار الديانات، وإنّما توفّر لها فسحةً لتوصيل صوتها في النقاشات الاجتماعية والسياسية. لذلك، يبدو أنّ الفكر السياسي اليميني واليساري على حد سواء بصدد مراجعة رؤاهما بخصوص الدين عامة والإسلام خاصة في علاقته بالسياسة. على الرغم من التجربة التاريخية الغنية للكنيسة في حوارها مع الإسلام، قام العلماء والسياسيون الاجتماعيون في العقد الأخير باحتكار النقاش حول الإسلام، وهم يفتقرون سواء إلى المعرفة الكبيرة حول الدين أو إلى دبلوماسية التعامل معه. ومع ذلك، يظلّ إسهام الدين في المجتمع لا يقدّر بثمن (المواطنة، العناية، قدسية الحياة، الأخلاق، التربية على المسؤولية، الروحانية). إنّ مصادر الثقافة الغربية ليست متفردة من حيث إنّها تستبعد المصادر الأخرى، وإنّما من حيث إنّها تتعامل مع تلك المصادر على أساس من الاحترام، وتفتح باب الحوار مع جميع المكونات الثقافية والدينية للمجتمع، بما في ذلك الفلسفات العلمانية وغير العلمانية.

خلاصة القول، إنّ كتاب “من الحريم إلى الفتنة” يمكّن من الإجابة على جملة من الأسئلة الإشكالية حول صورة الإسلام في هولندا، خلال فترة زمنية طويلة قُدِّرت بقرن ونصف. وقد اعتمد الباحثان مارسل بورتهاوس وثيو سلامنك المنهج التاريخي النقدي في استقصاء صورة الإسلام بشكل تنازلي، لدى شتى التيارات السياسية والفكرية منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى مستهل الألفية الثالثة. وظلّت النتيجة التي توصّلا إليها أثناء دراسة كلّ جزء هي انطباع النظرة إلى الإسلام في هولندا بالصور القديمة المستقدمة من مرحلة العصور الوسطى، باستثناء بعض اللاهوتيين والإسلامولوجيين الموضوعيين والأحزاب السياسية المعاصرة الذين تعاملوا مع الإسلام بنوع من التعاطف والتسامح. ثمّ إنّ الحضور الإسلامي في هولندا شهد ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي تحوّلًا جذريًّا، إذ صار الكثير من المنظّرين السياسيين والأكاديميين يتحدّثون عن الإسلام الهولندي بدل الإسلام الأجنبي البعيد. وعلى الرغم من ذلك إذن، ما تزال التيارات السياسية الشعبوية واليمينية المتطرّفة ترفض وجود المسلمين في السياق الهولندي، وتعيد إنتاج الصور التقليدية وتداولها حول خطر الإسلام على المجتمع الغربي، عبر آليّات إعلامية وقانونية جديدة، كالأفلام، والكاريكاتير، والأدب، والنصوص القانونية. ممّا يؤثر بشكل سلبي في صورة المسلمين في الواقع الهولندي، على الرغم من أنّهم أصبحوا يشكّلون جزءًا لا يتجزأ منه بالولادة والتجنيس والمواطنة، ويسهمون بشكل فعّال في مختلف القطاعات الحيويّة، من اقتصاد وصحّة وتعليم ومجتمع مدنيّ وغير ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق