المقالات

في البدء كانت السياسة( عبد الله إدالكوس)

يقول المستشار المصري عبد الجواد ياسين:” إذا كان التاريخ هو مفتاح العقل، فإن السلطة هي مفتاح التاريخ”[1]؛ يحيل هذا القول إلى إشكالية طالما أرقت مؤرخي الفكر في الحضارة الإسلامية، فكثير من الاجتهادات والمعارف التي يزخر بها التراث الإسلامي تشكلت على هامش السلطة والصراع الدائر حولها وهي لا تزال تشكل الإطار النظري للتصورات الدينية المتصارعة في الساحة الإسلامية وأبرز تجل لها هو الصراع السني الشيعي الذي بلغ دروته مع الأزمة العراقية والسورية وما يشهده اليوم الخليج العربي.

  يأخذ السجال القائم بين الطوائف الدينية الإسلامية طابعا نظريا صرفا يمكن تلمس ملامحه في الدراسات المقارنة لكن الكثير من الحقائق تغيب عن الدارس ما لم يسترشد بالتاريخ وبطيعة السلطة والصراع الذي أفرزته مرحلة الفتنة الكبرى وما بعدها، ولبيان ذلك نقف عند أكثر العلوم تجريدا في الثقافة الإسلامية وهو علم التوحيد أو علم الكلام، وهو العلم الذي أرخى بضلاله على باقي العلوم الأخرى، ذلك أن المذهب العقدي هو المحدد للمذهب الفقهي والمحدد للموقف من الرواية والحديث وحتى في تفسير القرآن، بل إن كثيرا من التصورات والاجتهادات اللغوية التي تباناها النحاة كان الحاسم فيها هو المذهب العقدي لصاحبها، ففي اللغة برزت مدرسة البصرة في مقابل الكوفة، وفي الفقه والحديث برزت مدرسة السنة والجماعة في مقابل مدرسة الشيعة أو آل البيت، ذلك أن لأهل السنة و الجماعة مصادرهم الأساسية في الحديث كالبخاري ومسلم وللشيعة مصادرهم كالكليني والطوسي …الخ.

   في تعريف علم الكلام يقول ابن خلدون:” علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية “[2] أو هو كما يقول عضد الدين الإيجي “علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، وإبراز الحجج، ودفع الشبه،”[3].

  تتفق هذه التعاريف وغيرها على مبدأ الدفاع العقلاني عن العقائد الإسلامية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا هذا الدفاع العقلي ما دام النص القرآن قد فصل عقيدة التوحيد، ثم ضد من هذا الدفاع؟ ولماذا هذا الاختلاف بين المذاهب العقدية داخل دائرة الإسلام ما دام النص القرآني هو المرجع والمصدر الأول للتصور والتشريع؟

  تدفعنا هذه التساؤلات إلى الرجوع إلى لحظة تأسيس علم الكلام والبحث عن عوامل نشأته وهنا يصطدم العقل المسلم مع حقيقة تاريخية تبرز بشكل جلي حدود النص في صناعة العقيدة او المذهب العقدي لكل طائفة من الطوائف، وكيف أن تبني مذهب معين والدفاع عنه في الأساس دفاع عن مذهب سياسي محض.

   ذلك أن ” المشكل السياسي الذي أعقب أحداث الفتنة الكبرى، وما صاحب ذلك من صراعات وانقسامات أفرز فرقا وتيارات سياسية تبنت في البداية مواقف سياسية تجاه مؤسسة الخلافة والحكم، سرعان ما تحولت هذه المواقف إلى طروحات نظرية، وكان موضوع (الكفر والإيمان) أول موضوع يطرح للمساءلة وللنقاش النظري الكلامي. هذه النقاشات النظرية أفرزت فرقا كلامية دينية لها أفكارها، ومبادئها، ونظرياتها، وطرق دفاعها عنها”[4].

    بدأت الإشكالية في البداية حول من سيخلف النبي بعد وفاته على أمور المسلمين، فكان لكل فريق اختيار ومذهب وبدأ بذلك الصراع ليأخذ طابعا نظريا فبرزت نظريتان متصارعتان هما نظرية “الخلافة” عند أهل السنة والجماعة، ونظرية “الإمامة” عند الشيعة.

والحقيقة أن مفهوم الخلافة يعد اليوم من اكثر المفاهيم تداولا في خطاب الإسلام السياسي، سواء منه المعتدل أو المتطرف، إذ إننا نجد توظيفات متعددة للمفهوم في ادبيات التنظيمات الإسلامية تصل احيانا حد التعارض و التناقض، ولا يخفى على الباحث الحصيف مدى خطورة المفاهيم حين لا يتم ضبط دلالتها إذ ينتج عنها تصورات ذهنية ومواقف عملية تؤطر رؤيتنا للواقع و للوجود و للموقف من الآخر، وقد برز مفهوم الخلافة بشكل ملفت للنظر في خطاب الإسلاميين بعد سقوط الدولة العثمانية، وانبعاث الحلم بإعادة الخلافة الإسلامية.

   والخلافة كما يتصورها فقهاء أهل السنة والجماعة هي بمعنى الرئاسة وهي عندهم واجب شرعي، وفي ذلك يقول الشيخ إدريس أحمد ” وانعقد الإجماع على وجوب إقامة الخلافة في الإسلام، وهي واجبة على الكفاية، نقل ذلك الماوردي وابن حزم والجويني والقرطبي وغيرهم، يقول ابن حزم في الفصل: “اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ودرج على هذا الفقهاء بلا نزاع، وثبت دليل الوجوب بالنقل ثم العقل”[5].

  وعلى الرغم من أن مصطلح الخلافة عند أهل السنة والجماعة يطابق الإمامة غير أن مضمونها يختلف عن المعنى الذي يقدمه الشيعة، وما يميز مفهوم الخلافة عند أهل السنة هو طابع المرونة في النظرية بحيث جعلها علماء السنة والجماعة من فروع الدين والقول بالوجوب فقهي وليس أصولي، والاختلاف حولها أمر وارد ولا يوجب التكفير وبالتالي فإن تنصيب الخليفة وعزله يبقى مسألة اجتهادية، وأما الشروط التي وضعوها في الخليفة وإن كان بعضها يستند إلى بعض الروايات فهي لا تخرج عن هذا الإطار الاجتهادي.

 وفي مقابل هذا التوجه السني في النظرية السياسية، ذهب الشيعة الى مذهب آخر حيث ارتفعت عندهم مسألة الإمامة الى مرتبة الأصول، فهي عندهم أصل من أصول الدين لا تنفصل عن التوحيد والمعاد والنبوة، وبالتالي من لم يقر بالإمامة فقد خرج عن أصول الإسلام، فهي عندهم استمرار للنبوة وهي واجبة بالنص.

 نجد هذا القول في الإمامة مبثوثا في كتب أصول الدين عند الشيعة، فقد جاء من ضمن ما نشره مركز الإشعاع الإسلامي للدراسات والبحوث الذي يشرف عليه الشيخ صالح الكرباسي ما يلي:” لما كانت الإمامة ضرورة لتنظيم حياة المسلمين وفق أحكام الله، حيث بها يستقيم أمر المسلمين، دنيا وآخرة، عدها الشيعة أصلا من أصول الدين. وعليه فإنها تعتبر من الأمور التوقيفية التي يحددها البارئ جل وعلا تماما مثلما النبوة”[6]. ومعنى التوقيف هنا التعين فالشيعة يؤمنون بالإمامة خاصة بالمعصومين ولا يجوز فيها الاتفاق ما دام التعيين من عند الله والمعني بها بعد الرسول وعلي بن أبي طالب والمعصومين من ذرية علي من فاطمة الزهراء وعددهم عند الشيعة الإثناعشرية هم اثنا عشر معصوما.

  لابد إذن من  طرح السؤال: هل هذا النسق السياسي لنظرية الحكم التي شهدها الإسلام وأفرز لنا الصراع بين مكونات الامة الإسلامية نطق به النص أم هو ناتج بفعل عوامل تاريخية؟ بمعنى آخر هل النص هو الذي شكل هذه التصورات الكلامية أم أن المذهب الكلامي تشكل بدءا ثم أسقط بعد ذلك على النص ليبحث له عن الشواهد وبالتالي تعرض النص للتأويل السياسي من أجل تزكية المذهب وترسيخه؟

  والإجابة تقتضي  خطوة منهجية ضابطة وهي ضرورة العودة إلى النص الخالص، أي إلى القرآن في لحظة تنزله وقبل أن تتشكل الفرق لنستنطقه من داخله متحررين من القبليات السياسية والمذهبية.

  ولعل النتيجة التي سيخلص لها الباحث هنا هي كالتالي: إن نمط الحكم والسلطة في الإسلام تدخل على الأقل من الناحية الشكلية في دائرة المسكوت عنه أي المباح وليس في دائرة الإلزام وما يعنيه ذلك هو فتح الباب أمام حرية الاجتماع البشري في تقرير نمط السلطة والمتغير بتغير الظروف ونمط العلاقات الاجتماعية، مادام الأصل الموضوع ثابتا وهو تحقيق العدل والمساواة وحفظ الحقوق المدنية والسياسية.


[1] – عبد الجواد ياسين،” السلطة في الإسلام؛ العقل الفهي السلفي بين النص والتاريخ”،المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية ص 8.

[2] –  راجع تعريف علم الكلام في مقدمة ابن خلدون ص 429.

[3] – راجع كتاب ” المواقف في علم الكلام” لعضد الدين الإيجي ص 7.

[4] – راجع: ” موجز عن نشأة علم الكلام” عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامي، تحت الرابط التالي: http://www.habous.gov.ma

[5] – راجع: إدريس أحمد” نظرية الخلافة في الفقه الإسلامي” تحت الرابط التالي: https://islamonline.net/12695

[6] – راجع الدراسة بعنوان” مفهوم الإمامة عند الشيعة والسنة” تحت الرابط التالي: https://www.islam4u.com/ar/maghalat/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق