المقالات

عبد الكبير الخطيبي: المثقف الممتنع عن التصنيف(عبد السلام ديرار)_2_

اا- عبد الكبير الخطيبي:أهم أفكاره و مشروعه الإصلاحي:

 نشير في البداية إلى أننا بعيدون عن الإحاطة بكل أفكار الخطيبي، و بكل جوانب و أبعاد مشروعه الإصلاحي (أو الإنتشالي ! على الأصح). فهو الفيلسوف و عالم الاجتماع و الروائي و الشاعر و الناقد الأدبي و المختص في الأدب المغاربي…، و بعُد البون بيننا و بين القدرة على اقتفاء أثره و إسهاماته في كل هذه الحقول المعرفية، فذلك شكّل مواضيع أطروحات وأبحاث و دراسات و ندوات عبر العالم، بلغات عديدة. إنه من صنف الكبار كميشيل فوكو و حنا أرندت و لويس ألتوسير و رولان بارت و بيير بورديو…الذين يصعب تصنيفهم…فلاسفة؟ علماء اجتماع؟ انتروبولوجيين؟ دارسو أدب؟ نقّاد أدبيون؟ مؤرخون؟…فهم في كل ذلك. و كل ما سنقدمه هو تركيب متواضع لأهم أفكاره، و محاولة تبسيط لمرتكزات مشروعه الإصلاحي.

   و الخطيبي – كما يقول عثمان بيساني- (الذي يبدو شديد الإعجاب به، و بالتالي الغوص في “مثنه”)، من المؤسسين للثقافة المغاربية الحديثة، مع كاتب ياسين و ألبير ميمي و محمد ديب و عبد الفتاح كليطو و عبد الله العروي… لم يفصل حياته الفكرية عن الاهتمامات الكبرى و القضايا الكبرى للقرن العشرين و بداية الواحد و العشرين: الالتزام و النضال، الهوية و الاختلاف، التعدد اللغوي و اللغات الأم، الغيرية و الكون المتعدد،ما بعد الحداثة و هجرة الثقافات، التسامح و الإنسانية، الاستعمار و الوطنية، الصوفية و الفلسفة، الصداقة و التحَابّ، الغريب و المضيف، je و/ هو e(s)t الآخر، السيميولوجي و البين – علامات…لائحة المعادلات ذات الحدّين، بل و الثواليث بعيدة عن أن تغلق(10).

إنه ” الفكر المغاير ” الذي راهن الخطيبي من  خلاله على  انتشالنا من  سباتنا المعمّر ودفعنا لإعادة النظر في كثير من العلائق: في العلاقة بالجسد أولا، كي لا يظل مرادفا للخطيئة و الدنس و الشر، ليغدو قوة خلاقة و تدفقا للرغبات. و في العلاقة بالمقدس كي لا يظل موضوعا متعاليا، و إنما ليتجلى في حضوره في المعمار و الفنون و في تجربة التصوّف التي يَنْبَجسُ فيها اللامرئي في المرئي. ثم في العلاقة باللغة كي لا تظل هوية متوحشة، و إنما تعاش في تجربة تعددية كمجال لفعل الاختلاف، حيث تتفاعل اللغات و تستدعي إحداها الأخرى مبقية عليها كخارج (11).

و إلى جانب الجسد و المقدس و اللغة (و هي من كبريات النقط العمياء في نسيجنا الاجتماعي)، لم يتردد في النّبش في اتجاهات أخرى تكمل مساره و مشروعه في تشخيصه لوضعية المغرب و المجتمعات المغاربية،و للمعوقات و مواطن الاختلال التي تقف في وجه انعتاقها، كضعف المجتمع المدني، و الطبيعة الصلبة للسلطة،  و نقص المهارات التقنية، و الثقل التيوقراطي الذي يمنع التمييز بين الدين و الدولة ] و يخلط في مخيال الحشود بين الله و الحاكم[ ، و ضعف الصورة التي للمغرب على نفسه (12).  و يضيف اننا نحتاج للعقل السوسيولوجي في المجال التطبيقي كذلك… هناك مشاكل الطبقات، و مشكل تهميش البادية، و مسألة العائلة، و مسألة التأثيرات الحضارية العالمية على المجتمع المغربي…الخ (13). ثم إنه سلّط “مسلاطه” الكاشف على التراث و مغزاه، و الصهيونية و مفارقاتها، و ” التاريخي” و “الوجود التاريخي الأصيل” و “الوحدة اللاهوتية” و “الوحدة التعددية”…، منبّها إيانا كوننا نحمل في أعماقنا ما قبل الاسلامي و الاسلامي و الأمازيغـي و العربي و الغربي، أي أنـنا هوية  متعددة، و هو  بـذلك إنـما يـراهـن على تخليصنا مما يسميه المفكر اللبناني علي حرب “فخ الهوية”، بل سجنها !.

  و ضمن هذا السياق يتأطر نحته لمفهوم ” النقد المزدوج” ، و الذي أراده نقدا موجها للتراث و موجها للغرب في الآن ذاته، لأنهما معا سلطتان مرجعيتان عائقتان أو معوّقتان. فالغرب يدعي مطلقية غير مشروعة، و التراث هو المطلق الآخر الذي يستقيل عنده التفكير و يتوقف الاجتهاد، مما يقتضي تفجيرهما معا، و هو ما سيفضي إلى حداثة جديدة(14). و يقودنا معه إلى حفر أعمق، حين يشير إلى المفهوم المتداول عن الاختلاف في الفكر العربي فيقول: ” ما زال الكثير منا في ميدان ما أسميه “التباين الساذج” .

التباين الساذج انفصام وهمي بين الأنا و الآخر. يتوهَّم الكثير منا أن الآخر يكون خارج ذاتيتنا و أن “الأنا” وحدة موحدة تخضع أساسا لقياس الحرية الفردية، كلام فارغ و مضحك. إن مسألة الوجود أوسع و أعمق من تلك الآراء الشائعة” (15).ثم يميز بين مجرد “التباين الساذج” و بين الاختلاف. الاختلاف يضَعنا أمام متخالفين، مبعدا أحدهما عن الآخر، مقربا بينهما في الوقت ذاته. أما “التباين الساذج”، فإنه يعرضهما منفصلين متباينين، بينهما تباين و بون. الاختلاف يقوم في “الهوية” . أما التباين فيتم بين ” هويات” متباعدة و كيانات منفصلة.

  الاختلاف مفهوم أنطولوجي و ليس مجرد مفهوم انتروبولوجي، إنه ما بفضله يتحدد الكائن كزمان و حركة، و ما يصبح به التعدد خاصية الهوية، و الانفتاح سمة الوجود(16).

  و انطلاقا من كون كتابة الخطيبي ليست أبدا من النوع الذي يقدم المعاني الجاهزة، ليست شاطئا يعثر فيه القارئ على المعاني،  بل هي  بمتابة ” ورشة  فلسفية “، أي مكان لإنتاج المعاني، فإننا نجد أنفسنا معه، و هو يسائل هويتنا و آخرنا، و لغتنا و لغات الآخرين و ميتافيزيقانا و ميتافيزيقا  الغرب…، أن  ليس علينا – فيما نحن عالم ثالث- أن نسلك إلا مسلكا ثالثا، ليس هو مسلك العقل و لا مسلك اللاعقل كما فكر فيهما الغرب، و إنما خلخلة مزدوجة تقول بفكر لا يختزل الآخرين (أفراد و جماعات) و لا يضمهم إلى دائرة اكتفائه الذاتي (17).

   و لم يقتصر الخطيبي على سبيل واحد لتخليصنا مما نحن فيه من عجز و انغلاق و تحجر و تسليم و انخداع بالثنائيات الميتافيزيقية و بالإيديولوجيا…، بل وظف كل ” الأسلحة الممكنة…لم يطمئن إلى أن أخذه لنا في رحلاته و هو يضرب بمطرقته الرفيعة (فيلسوفا، مع عدم اعتبار نفسه فيلسوفا !)، على وقائعنا و أحداثنا،  “سيوقظنا” و لا إلى كشفه للوظائف و العلاقات و التفاعلات ( سوسيولوجيا ماهرا) في ظواهرنا ، سيعلّمنا، بل قاتل و قطّر وجوده فنانا و أديبا، لرفع منْسُوب إحساسنا و إشعال خيالنا و مخيالنا، روائيا و شاعرا و مسرحيا… و يجعل – في الغالب- الفلسفة و الأدب و العلوم الانسانية، تتداخل، ضمن نصوص مسكونة بلغات و ثقافات متعددة، مما يجعلها تقاوم كل انغلاق أو انسداد، و لو كانت ذاتها نفسها، إذ أنها تعمّق ذات الخطيبي – ككتابة -، و تورّطنا معه في عمل خلاّق (رهانه الانعتاق !) لكشف و تصفية الحساب مع المقيّد المعطل المانع من الانبثاق، من لغة و بنيات و علاقات و تصورات و “قيم” يتم تأبيدها، عبر تكريسها “بكماء” ، و محاصرتها ضمن دائرة اللا مفكر فيه، فنجد أنفسنا – مع الخطيبي- أمام نثر شاعري ! و خيال نظري ! و أفق جديد للبحث السوسيولوجي و السيميائي النّابش في اللا مفكر فيه، و الشاعرية المفككة (deconstructive) ! كما بصدد نص نيتشوي أو دولوزي… !!. ففي كتابه (المؤسس) “La mémoire tatouée” يحول السيرة الذاتية و يخلخل ما ألفناه عنها و كل تمثلاتنا السابقة عنها، و الايدولوجيا التي تنطوي عليها، و يجعل الاستعارة الإسمية و علاقات السّارد بالسرد و المحاكاة الساخرة للخطابات  الكليانية هي  الأمكنة التي  يجري فيها هذا التحول العميق (18)،  ليجعلنا  نملك  ما  به نرافقه ضمن دروب شاعرية، تدين المستعمر و عنفه و غطرسته أحيانا، و تمجّد الفلسفة والقراءة عموما أحينا أخرى، و تنتقد الطريقة العتيقة للتعليم بالكتاتيب القرآنية تارة، و تقتحم المقموع تارة أخرى…و تبسط حال الآخر و هو متوثب (حياته بالسوربون) تارة أخرى.

إنها الرواية – الأطروحة التي سيكرّس صاحبها مشروعه بالكامل،للإمساك بالآخر انطلاقا من الذات، أو على الأصح انطلاقا من “تشريحها” و تفجير مقموعاتها وقيودها و “سجونها” ، و هو ما سيستكشف سبلا متعددة من أجله (شعر، رواية، مقالات أدبية، أعمال سوسيولوجية…). إنها نفس الروح التي تسكن كتاب “Le livre du sang” حيث تتم إعادة توظيف التصوف الاسلامي ك “بين- نصية” لشجب الغير معلن الذي يكتبه (الجنس، العلاقة مع الآخر)، كما تُبنين خطاب السَّارد – عبر المجاز- حول الحب و الموت (19).إنها خلخلة بعض “إبستمياتنا” و “إبستميات” الآخر في نفس الوقت، برهان تملك الذات الخارجة للتوّ من قبضة الغزاة، و الرازحة لقرون تحت وطأة الجامد المغلق الممنوع من “الصرف” الثقافي و الحضاري. و يجعل لها (الخلخلة) الخطيبي أساسا و قاعدة (كي لا تتيه) : الاختلاف و التفاوض (لا الانغلاق و النبذ، أو الانسلاخ و التقمص الأعمى). ذلك ما يستمر مع نص “Amour bilingue”، و كذلك مع “Maghreb pluriel” أو “Penser le Maghreb”، حيث التشريح المفكك/ و الباني لتمزقات الذات بين لغة أم في حال هوان، و اللغة الفرنسية (لغة الكتابة و المرأة المحبوبة)، و حيث النظرة المتبصّرة لسياقنا التاريخي الذي تتفاعل فيه (و تفاعلت منذ زمن بعيد) لغات و ثقافات، و يشير لنا الخطيبي – عبر حجج و مفهمة و سرد ! إلى درب كتابة ” وجود ” ضمن حوار دائم  بين الذات و الآخر، مستلهما في ذلك روح فلسفة  فلاسفة  كبار  من أمثال نيتشه و هيدغر و بلانشو…، متفاعلا مع الفلسفة بمعناها الأكثر جدة عند صديقه جاك دريدا، و ميشيل فوكو…(20).

و في كتاب “La blessure du nom propre”، يقودنا الخطيبي (نحن المغاربة) إلى حيث يمكننا قراءة تاريخنا، و الذي لم ننتبه له،و لن ينتظرنا كثيرا للانتباه له، إلى الأدب الشعبي (الغير مكتوب) و الوشم والرسم التشكيلي الذي يستعمله الحرفيون، و آداب الصوفية، و الغناء و الرقص… فالمغرب العتيق، هذا الذي لم يعرف الكتابة، ما زال حالاًّ في جسد الشعب، تتجلى مظاهره بالرغم من الأدب الرسمي. و هي مظاهر تتخذ في بعض الأحيان شكلا رائعا يتجلى في الأدب الشعبي و في آداب الصوفية، و في الوشم و الرسم التشكيلي الذي يستعمله الحرفيون، وفي روعة الغناء و الرقص، إنها صور تكشف عن نشوة مغرب تميل وَثْبَتُه المشتهاة نحو المحيط (21). و كذلك في قضايا غير مفكر فيها قبل الخطيبي، و أصبحت موضوع تفكير بعده، كما الحال في اعتماده على كتاب الشيخ النفزاوي “الروض العطر في نزهة الخاطر”، إي أنه أتى بعنصر جديد في الدراسة العلمية لتاريخنا و ثقافتنا ألا وهو العودة إلى الأعمال التي دأبنا على جعلها في مكان (الانحطاط)، فحرمنا أنفسنا من خزان ثمين (22).

   و في كتاب “Vomito blanco” ، الذي قاتل الصهاينة من أجل ألا يرى النور، لولا نبل و شجاعة صاحب دار النشر التي نشرته، يفكك الخطيبي تناقضات كيان مصطنع و وعيه الشقي، و الوعي الشقي للغرب الذي وفر كل شروط اقتلاع جذور شعب هو الشعب الفلسطيني و سرقة الصهاينة لوطنه، و هو ما يعتبر موقفا أخلاقيا شجاعا ناذرا. و واضح تماما أن الخطيبي إنما راهن بذلك، على “إصلاح” ما فينا (و بالضبط ما في نُخبتنا) من جبن و ابتعاد عن الشائك من الأسئلة.

   و في كتاب “Le prophète Voilé” و الذي هو مسرحية، تأويل للقصة المبهرة ل حكيم بنو هاشم المشهور ب “المقنع” ، و هي القصة الت تدور في القرن الثامن الميلادي بإيران، لنبي مغشوش !! و كم كان الأنبياء المغشوشون كثيرون بعد ظهور الاسلام… ها   هو الخطيبي يحملنا إلى عالم خيالي/ واقعي ! لنتساءل عن النبي المغشوش ؟و لنكتشف الراهنية السياسية للنص المسرحي، و نعلن العصيان على “الانبياء المغشوشين !!.

    و في كتاب “Du bilinguisme” (و هو كتاب جماعي)، كما في كتاب “La langue de l’autre” ، يحفر الخطيبي عميقا في تاريخ تمازج اللغات و تلاقحها و تلاقيها، قبل أن يُنبّهنا إلى ان الكشف عن الفوارق بين الرموز تسمح بخلق صلات بين اللغات و الثقافات و المخيالات، و كأني به يحذرنا من الوقوع في فخّ التقوقع داخل لغتنا، بدل الاستفادة من محاصيل التفاعل بين لغات (و ثقافات) عديدة. فمزدوج اللغة هنا، ليس حالا سلبيا، بل هو مصدر غنى و ثراء، و قد يبلغ حدّ أن يكون وراء احترام صاحب اللغة الثانية (المعمر السابق) لك و اعترافه بك، كما جسد الخطيبي نفسه ذلك، إذ يعتبر من وجوه الأنتلجنسيا المغربية التي أبهرت الكتّاب الفرنسيين، لأنه كشف عن دروب غير مطروقة بل غير مستكشفة في لغتهم، بل و نحت مفاهيم جديدة فيها.

  و في كتاب ” Figures de l’étranger dans la littérature Française” ، نجد أنفسنا أمام خريطة طريق للسياسة الثقافية، ليس على طريقة “الوصايا” ، بل من خلال مواقف نقدية عميقة لفرنسا و للفراكوفونية، يفضي تركيبها(المواقف) إلى عناصر نظرية في الثقافة و اللغة أصيلة، نظرية تريدنا أن نحيا الاختلاف باتجاه ذواتنا كما باتجاه الآخر، و أن نحيا، كما ب “أنا” متعددة، بلغات متعددة، بأقطاب متعددة للحضارة هي الأخرى بلغات متعددة، و بإعداد تقني و علمي متعدد، أي بعيدا عن سجن تلك الانشطارات الثنائية (23) أو الثنائيات الميتافيزيقية التي كثيرا ما نفكر بها ، فلا نفكر . وكل ذلك عبر” النقد المزدوج” الذي لا هوادة فيه عند الخطيبي، كما فصلنا ذلك سابقا. 

   إننا لا ندعي الإحاطة بكل اهتمامات و انشغالات من جعل النقد و التأمل و التحليل يشمل كل معطيات ثقافتنا و تراثنا، و علاقتنا بالآخر، و يفكك و يسائل كل نظمنا المادية و الرمزية، تارة بعتاد الفن (الرواية، المسرح، الشعر…)، و تارة باللغة السوسيولوجية والسيميولوجية، و ضمن تناوب منفلت بين “رسائل” ضمن سيرة ذاتية معلنة أو مقنعة، وبناء عالم خيالي يزعزع الأسس التاريخية و الثقافية و النفسية للقارئ،  و  المشترك في أذواقه و قيمه و ذكرياته، و يضع علاقته باللغة في أزمة(24).و كل ما رمناه -من خلال محاولة الإمساك بروح بعض أعماله- هو تقديم و تقريب  نماذج لما حاول ترميمه فينا ، أو دفعنا للتساؤل بصدده، أو للقضايا الإنسانية الكبرى التي شغلته. و هو ما استمر متقدا عنده إلى آخر حياته. فها هو-في نهاية التسعينات، و بعد ما عرف بالمغرب بحكومة التناوب، يصدر”L’alternance et les partis politique ” ،تحليلا (سياسيا) بأرقى أدوات تحليل سوسيو-تاريخية السياسي، لمعنى ” الأحزاب السياسية” و “التناوب” و”الديمقراطية”… باعتبارها منظومة، بمقتضيات، و إلا ف ” الأحزاب المصطنعة ”    (partis artificiels)، أي “أحزاب مساعدة” (partis auxiliaires)!!. و مما له الكثير من المعنى، أن يختتم الكتاب برسالة لمناضل شاب، هي في نفس الوقت درس في السياسة، و درس رائع في الأخلاق(25). ثم عودة إلى النبش في “أغلالنا” مع كتاب “Le corps Oriental”، و قبله عودة لتعميق فضح الكيان الصهيوني في كتاب “Paradoxes du sionisme”، و كشف عميق لعاهاته، ثم عودة – في الغالب – إلى تشريح محاصيل “تناوب الأحزاب السياسية” في مغرب ” يوجد بين التاريخ، و ما قبل التاريخ، بين الميتافيزيقا و ما يناقضها …، بين الدين و السحر، بين القبيلة و الإقطاعية من جهة، و الرأسمالية من جهة أخرى، بين – بين…(26)، ضمن كتابة فائقة، تمزج بين الخطاب (الحادّ) و السرد، و  تلجأ إلى الخطاب السحري، بمجازات و شعرية، مع جرعة سخرية على طريقة جيمس جويس، الساخرة و الحاقدة! (على القبح و التكلس و الانغلاق و الخبث … و اللا إنساني)، ففي “Triptyque de Rabat” يصبح النضال عند إدريس (الكذبة الوجودية في الرواية)، مصرّفا  (conjugué) في الماضي البسيط، أي الذي جرت أحداثه بشكل متلاحق متسارع و انتهت! و  زمن الأحلام بات  زمن مشاريع، فهو

اليوم موظف كبير مكلف بإصلاح الإدارة ضمن وزارة بدون حقيبة !. و رغم حداثة تعيينه، تلاءم بكل سهولة مع اللغة الدبلوماسية المصحوبة بالكوكتيلات المقدّمة بحدائق فيلات آكدال العُلوي. فهو اليوم يريد أن يعيش بعيدا عن الشعر الذي ألّفه أصدقاؤه القدماء في شكل ثوابت !. ثم إنه قرر أن يكون براغماتيا، فاليوتوبيا و العدمية لم يعودا صالحين لشيء، و التساؤل لا ينتج غير الوعي البئيس. و لم التفكير و التساؤل، و الفرصة قائمة؟ يكفي فقط، الامساك بها…من قبل لم يحلم إدريس أبدا بالسفر إلى بلاد العم سام، أما الآن، بعد أن أصبح متعاطفا مع زوجة الدبلوماسي، بالإضافة إلى وضعه الجديد، يستطيع إدريس، بسهولة، تغيير لونه كحرباء (27). فالنسق رهيب و قادر على “صهر” الثوابت، و مسخ “الشعر” و استعمال “الأحزاب المساعدة” حسب الحاجة…

   مجنون من يراهن على الإحاطة بكل إنتاجات هذا “الشاعر-المفكر” كما لقبه كثيرون كبار، أو على الأقل فهو مرشح للتيه! أو لدوخة كبرى !! . فها هو يعود بنا مرة أخرى -عبر كتاب “Le corps oriental”إلى الحفر في جسدنا، لشعوره العميق بهول حجم الأغلال التي تكبلنا بتكبيله فينا. ثم يراهن على جعلنا نتعلم اكتشاف نقط الالتقاء الخصبة للشعوب و الحضارات و الديانات، فوق التاريخ الضمني للاستعمار البغيض و ما بعد الاستعمار، حيث يشعُّ وعد التسامح، بعيدا عن معناه المبتذل الذي  يريده  البعض  مرادفا للتسامح مع من  يشرط  وجوده  بإبادتنا،  ضمن رواية ” Pèlerinage d’un artiste amoureux”. ثم يخاطبنا شعرا، ليعلمنا المشاعر الإنسانية الرفيعة، عبر نحته لمفهوم جديد  كلية  هو مفهوم ” L’aimance ” (التحابُّ)  الذي يتجاوز الصداقة  و  الحب  و يشملهما، والذي جعله عنوان ديوانه.    هذا هو عبد الكبير الخطيبي، وهذه أهم جوانب مشروعه الإصلاحي الضخم الذي تداخلت فيه الفلسفة و الأدب و العلوم الإنسانية، بالرغم من عدم اعتبار نفسه فيلسوفا !، و هو ما يعتبر رهانا إصلاحيا إضافيا، إصلاح  الفلسفة   كما رآها تشتغل  حوله،  ربما كنا بصدد مفكر من أولئك الذين يحسون نفورا من اقتحام باب الشروح و التعليقات و التأويلات التي تتطلبها كل متابعة لتاريخ الفلسفة، و هذا التصور يعني نفورا من الأستاذية(28)، و بدل ذلك، فسح لها المجال – على طريقة الفلسفة المتقدمة- للاشتغال ضمن الأدب، و جنبا إلى جنب مع العلوم الإنسانية، تساؤلا مخلخلا، و نبشا و حفرا، و نقدا مزدوجا عبر إقامة “داخل” المواقف لتفجيرها و تقويضها، و وضعها في أزمة، لا عبر معارضتها بموقف آخر مضاد(29)، و كذلك عبر السخرية المستمرة التي هي عنده خلخلة للوجود، وهي السلاح النقدي الجاد، كما هي نقيض العقيدة و الفكر الوثوقي، متوّجا كل ذلك (الذي يشكل روح الفلسفة بمعناها المعاصر)، بما جعله جيل دولوز ( في آخر مشواره أي بعد رحلة طويلة في ممارسة التفلسف و الإبداع الفلسفي) المهمة الأساسية للفلسفة ( المعاصرة)، و ما مارسه بيير بورديو( دون أن يُنظّر له)، ألا و هو نحت المفاهيم (المزلزلة، الفاضحة، الكاشفة،…المالكة ما يؤهلها لجعلنا نسمع ما لم نكن قادرين على سماعه، و ما كان يراد لنا عدم سماعه، من رنات و تقاسيم الوقائع و الأحداث حولنا). فصاحب الفكر المغاير،  هذا الفكر الذي ليس  نداء إلى التعلق  بنموذج فكري جديد، بعد أن بليت النماذج ” القديمة” ، بعد أن شاخ النموذج الماركسي، و “بلي” نموذج سارتر، بل يريد “بناء عالم بلا نماذج :  عالم يتموقع بين- بين، هذه  البينية  التي تكاد تطبع الخطيبي في جميع أعماله (30). و صاحب الدعوة إلى الفلسفة كاستراتيجية و برنامج…، والذي يزهر فكره خارج الفلسفة و على هوامشها(على طريقة الفلسفة المعاصرة )، و على هامش العلوم أيضا…، و الذي ينبّه إلى أن نسيان اللحمة بين الفلسفة و العلوم يعني التمسّك بالعمل في العماء(31)، و الصديق الحميم لجاك دريدا لسنين طويلة، و  لرولان بارت،  و  للراحل الكبير  إدوارد  سعيد  و  الشاعر أدونيس، و الصديق (الغير المباشر) لنيتشه و هايدغر و ألتوسير و ليوطار و ميشيل فوكو …، خلّف جهازا مفاهيميا خاصا، عبر اللغات و الثقافات(النقد المزدوج، الهوية العمياء، فكر المغايرة، التحابّ، الاختلاف( أعاد تحريكه كما استعمله دريدا) ، النقد/الوضع في أزمة(critiquer/mettre en crise)، الأحزاب المساعدة(les partis auxiliaires)….)، ممّا جعله موضوع اهتمام مفكرين كبار عبر العالم.

و مما له الكثير من الدلالات و عميقها- في سياقنا- أن يحضى باهتمام باذخ و تجاوب فيه الكثير من المتعة، من طرف واحد من المشتغلين بالفلسفة بمعناها الأكثر جدة و هو عبدالسلام بنعبدالعالي، الذي وجد عنده ما يحفر فيه و ينبش! من سخرية بالنصوص الوثوقية و العقيدة الوثوقية، و ما يطبعهما من “أخلاق” و إيديولوجية(32)، و نقد لاذع للتصورات السائدة (في الكتابات المغربية عللى الخصوص، دون ذكر أسماء أصحابها) عن المقصود بالتراث و الطرق التي يفترض التعامل بها معه…، مما يجعل ترجمات بنعبدالعالي لنصوص الخطيبي أو قراءته لها، تصدر “رنّات” و”تقاسيم” إضافية، أكثر عمقا  في العديد  من الحالات،  ممّا  يصدر من  النصوص  الأصلية، و تلك  هي  القيمة المضافة للمترجمين الكبار الذين “يخونون” النصوص التي يترجمونها! و النقاد الكبار الذين لا يتعيّشون على رحيق النصوص التي يخضعونها للنقد.

   و الآن نتساءل: ماذا عن الالتزامات الأخلاقية و السياسية لصاحب هذا المشروع الفكري الضخم؟ ماذا عن محطاته النضالية البارزة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق