المقالات

دفاعا عن تصوف النهوض (إبراهيم القادري بوتشيش)

لا يخطئ العقل السليم في أن مراجعة منظومة التصوف، وترشيدها وتخليقها، والاجتهاد في تركيب أفق جديد يعيد تشكيل صورتها، أصبح اليوم آلية ضرورية لتحقيق التوازن والانسجام مع فطرية الوجود، وتلمّس الحلول للمشاكل المستعصية التي يئن تحت وطأتها عدد ممن وقعوا في شراك الحيرة والقلق والهوس النفسي، فأمسوا عاجزين عن إدراك ماهية وجودهم وغائية حياتهم.

ومن المسلم به أن العصر الذي نعيشه يعتبر بكل المقاييس عصر الشهوات والنزوات، وانهيار المنظومة الأخلاقية التي غذّتها روح التوحش العولمي الرأسمالي،  وتسيّد “نظام التفاهة” La médiocratie على حدّ تعبير العالم السوسيولوجي  الكندي “آلان دنو”، Alain Deneault ، عصر أغلق أبوابه للحيلولة دون تسرّب أي شعاع أمل للإنسانية، مما يتطلب مواجهته بإحياء القيم الروحية، والتدثر بالأخلاق الملكوتية لتطهير الذات، واقتلاع الحيرة من النفوس، والاستعلاء عن قيود المادة، وتحقيق درجات عليا من الصفاء الروحي والكمال الأخلاقي.

وإذا كان دور التصوف في مدّ الإنسان بطاقة وجدانية تحرره من أغلال النفس، وإملاءات النزوات وشهوة الماديات حقيقة لا يرقى إليها الشك، فإن هذا الإرث الروحي قد تعرض للأسف لمعاول التحريف والهدم قديما وحديثا، إذ سعى البعض إلى إخراجه عن سكته الصحيحة، وتلوينه بأفكار ورؤى هو منها براء، كمقولة وحدة الوجود القائمة على مبدأ عدم  وجود فرق بين الخالق والمخلوق، وأن الكون وما فيه هو الله تعالى، والله تعالى هو الكون، وكذا نظرية الحلول والاتحاد التي تعني أن الله يتحد مع من شاء من أوليائه، فيصبح الولي هو الله، والله هو الولي، وغيرها من الشطحات الإشراقية البعيدة عن جوهر التصوف. وفي الوقت ذاته، وقع التصوف في العديد من الحقب التاريخية ضحية التحريف من قبل شرذمة من الدراويش الذين حوّلوه إلى دنس وترهات، وخرافات تكبح مسيرة العقل الإسلامي، وتمسخ قيمته الروحية والوجدانية.

 ومن أسف أن التصوف في الزمن الراهن، أصبح أيضا فريسة بين أيدي بعض الجهلة، والمتاجرين باسم الدين، ممن أداروا بوصلة التصوف نحو مسار منحرف، وحوّلوه إلى فقاعات متناسلة تروم تنمية الريع المالي، مقابل الترويج لأنظمة الاستبداد، وفضاءات للدروشة والاحتيال والنصب على المريدين، لينعم “شيوخه” وأبناؤهم بسكنى القصور، وامتطاء السيارات الفارهة، والاستحواذ على الممتلكات والأراضي غصبا ومن دون ورع، واقتناص ما لذّ وطاب من متع الحياة المناقضة لمفاهيم الزهد والقناعة التي تنطق بها قواعد التصوف السني الصحيح، متناسين كونه ثورة روحية وسلوكية، حدثت كردّ فعل مناهض للتحولات السلبية التي عرفها المجتمع الإسلامي في القرن الثالث الهجري، حين دخل في دائرة حضارة ترفية استهلاكية بذخية منحرفة، أبعدته مسافات عن مرجعية العصر النبوي الزهدية.

تأسيسا على ذلك، فإن الحاجة ملحة اليوم إلى مراجعة منظومة التصوف بالاجتهاد والنقد الإيجابي، وإعادة قراءة تاريخه، واستحضار أصوله السنية – الزهدية المعبرة عن سمو النفس، ووسطيته المتميزة بالاعتدال والفكر المستقيم، بعيدا عن ملذات الماديات، والجوائح المذهبية، وصخب الفلسفات الإشراقية، وعويل الدراويش. والتصوف السني بهذا المعنى، يجسد حقيقة التدين الصحيح الذي يحرك الإنسان في دائرة العقل المسؤول. إنه تصوف أخلاقي في المقام الأول، يهتم بالرقائق، ويروم تقديم المعتقد في قالب بسيط غير معقد، وغير مبني على المماحكة والتنظيرات الفضفاضة، ويساعد المرء على ترويض نفسه، وتهذيب أخلاقه، وتحرير ذاته من الأنانية والنرجسية المفرطة، وتطويعها للانتقال من المواقف الاتكالية السلبية المهزومة والمأزومة، إلى مواقفه مجتمعية بناءة وناهضة.

في هذا المنحى الأخلاقي أيضا، نحسب أن التصوف السني بمنهجه الوسطي، يشكل مرجعية في السلم مع النفس، وفي السلم الاجتماعي والمواطنة، ويساهم في بناء معمار التسامح والحوار ومحبة الآخر، إذ لا غالب فيه ولا مغلوب، لا حاقد ولا محقود عليه، ولا تطاول على الحق في الكرامة والتشارك في بناء الإنسان.

ورغم أن هذه الحقائق التي صاغها الفكر الصوفي السني قد أشبعت بحثا وتنقيبا، فإن الحاجة العلمية تدعو إلى المزيد من تجييش الحجج الدامغة التي تعكس هذا الاتجاه الصحيح، عن طريق توظيف المقاربة التاريخية بهدف تعميق المعرفة بالمنهج الوسطي الذي شكّل إحدى ثوابت المدرسة الصوفية السنية المغربية، وهو أمر لا تخفى حقيقته على كل من سبر غور تاريخ الفضاء المقدس بالمغرب، مما يسمح بالقول أن التصوف يعدّ مفتاحا ضروريا للقيام بحفريات في ماضي هذا البلد بكل عناصره ومكوناته المادية والمثالية، وعاداته المتجذرة، وفهم كنه آليات العقل المغربي، واستيعاب ثقافته ومجاله المعرفي على اختلاف ألوانه وتشعب مناحيه.

وقد تأكد غير ما مرة أن المقاربات التاريخية تساهم في نسج أجوبة للقضايا المعقدة التي يعاني منها المجتمع المحلي والعالمي.  وفي هذا المنحى بالذات، سبق أن نشرت بمعية نخبة محترمة من الأساتذة الباحثين الجامعيين  كتاب ” التصوف السني في تاريخ المغرب: نسق نموذجي للوسطية والاعتدال ” ، سعينا  جميعا من خلال تأصيل ظاهرة التصوف وتتبع منحنياتها في حقب التاريخ المغربي، إلى إبراز القبس السني  الذي جسّد خصوصية من خصوصيات التصوف المغربي ، وهي الوسطية التي جعلته يتفرد عن باقي خرائط التصوف الإسلامي، والتي لا تزال تشكل حلقة من الحلقات المستوجبة للتدقيق والتمحيص، وملء بعض البياضات التي تكتنفها، لأنها ليست وسطا حسابيا أو عدديا بالمفهوم التداولي في الرياضيات، وإنما هي ترجيح عقلي، يأخذ كل الحيثيات والاعتبارات والظنون والاحتمالات في القول والعمل للوصول إلى الأصوب، وتحقيق المقاصد الشرعية بحسب مرتبتها وأولويتها من ضروري وحاجي. إنها منهج مقاصدي يتحقق بمراعاة السنن الثلاث: سنن الهداية وسنن التغيير وسنن التدبير.

إن عملية الاسترداد التاريخي للتصوف المغربي، ولملمة خيوطه، وملامسة أصوله وتحقيباته منذ البدايات الأولى لظهوره، مرورا بمرحلة استوائه على سوقه، وصولا إلى المرحلة المعاصرة، قمين بتقديم لوحات ناطقة عن سمة الزهدية التي دمغته، والبرهنة بالحجة والقرينة عن مدى ارتباطه بمرجعيته السنية فكرا وممارسة، بعيدا عن الشطحات الصوفية الموغلة في الفكر المتطرف، والتخمة البذخية التي ينعم فيها بعض المحسوبين على الطرقية. كما أن قراءة فاحصة في آليات اشتغاله وفلسفته العملية الواقعية، يكشف الدور الحضاري الإيجابي والتفاعلي للمتصوفة في شتى المجالات الدينية والجهادية والاجتماعية والاقتصادية التي اضطلع بها الأولياء في دائرة المرجعية السنية، بما يكشف عن واقعية التصوف المغربي وأدواره العملية، بعيدا عن التأملات الطوباوية، وخارج دائرة الانبطاح والارتزاق والشره وجمع المال.

ولعلّ هذه الأدوار المجتمعية المركزية، تؤكد أن البنية الحضارية المركبة للتصوف المغربي قامت على الجمع بين السلوك الخلقي، والطابع العملي المنغمس في هموم المجتمع وقضايا التنمية، وليس كما ذهب إلى ذلك المستشرق ” ألفرد بل” Alfred Bel أنه اقتصر على الجانب السلوكي فحسب. فالتربية الصوفية المغربية تقوم على الجمع بين الآليتين معا، في توليفة ناضجة تجعل منه قوة من القوى المنتجة والمحرّكة للتاريخ.

وحسبنا أن التحليل التاريخي المؤسس على النصوص المنبثة في كتب المناقب وغيرها، يؤكد سبق التصوف لاقتحام معركة القيّم، وتبني طروحات الصوفية والأولياء لفكر العدالة، وثقافة التضامن على مستوى السياقات المعيشة، خاصة في فترات المجاعات والكوارث الطبيعية والأوبئة والأزمات، ناهيك عن دور الحكامة بين القبائل لفضّ الخصومات، وسنّ سياسة التعايش السلمي بين مكونات المجتمع المغربي، دون تمييز بين عرب وأمازيغ ويهود ومسيحيين وذوي البشرة السوداء الوافدين من قلب إفريقيا، وغيرهم من الأعراق والطوائف.

إن نظام القول في التصوف المغربي يكشف أن وسطيته وبعده عن جمرة التطرف لم تكن عملية اعتباطية، بقدر ما هي منظومة فكرية، وتركيب منهجي يروم المزاوجة بين التصوف والفقه والتشريع في بعده المقاصدي، إلى درجة يصعب الفصل بينهما، فلا تصوف بدون فقه ولا فقه دون تصوف، مما يدل على أن المدرسة الصوفية المغربية ظلت محصنة بالفقه المؤطر، للحيلولة دون أي اختراق يسعى إليه الفكر الصوفي المتطرف.

وبما أن مهمة المؤرخ تكمن في استنطاق الماضي ليستشف من ثقوب أشعته حلولا لمشاكل الحاضر، فالعبرة التي يمكن استخلاصها من إضاءات الزمن الماضي تكمن في التأكيد على أن منهج الوسطية الراسخ في المجتمع المغربي تاريخ لا ينتهي، ومن ثم لا يمكن اعتباره حدثا ثقافيا- اجتماعيا جرى في الماضي وانتهى زمنه، بل يمتلك حمولة تراثية من العيار الوازن، يمكن توظيفها اليوم لتجديد المنظومة الصوفية برمتها، بهدف تأسيس “تصوف النهوض” القائم على الصفاء الروحي والقيم الأخلاقية ، تحت إشراف وقيادة  نخبة عالمة مسؤولة، تستطيع أن تكيّف عناصره الغنية لرسم استراتيجية لمشروع نهضوي روحي تشاركي، وتخرجه من دائرة الانتهازية والجشع المادي، والتواكل والكسل والجمود الفكري، إلى دائرة الإبداع المجتمعي، واستقطاب الكفاءات الشابة المستنيرة، وتجعل من التصوف بما يملكه من وسطية وليونة في منهج العمل والتفكير، قادرا على أن يكون شريكا وفاعلا أساسيا في إنتاج قيّم عالمية، وأن يساهم في بناء نظام دولي قائم على المساواة والتسامح والتعايش المشترك، وأن يكون أداة فعالة لتجفيف منابع التطرف ونشر ثقافة السلام  والأمن الروحي.

 وغير خاف ما يمكن أن تلعبه الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي من مساهمات في إشاعة ثقافة تصوف النهوض، كمشروع مجتمعي حضاري يندرج في التنمية الفكرية والأمن الأخلاقي والروحي، ونشر ثقافة الوسطية وقيم الإنسانية والتضامن، والزهد والحرص على المال العام، ويكون منطلقا كونيا وضابطا حضاريا في هذا العصر الذي اصطلح على تسميته بعصر العولمة، وهو عصر تقارب فيه الناس إلى حد التماس، مما يجعلهم في مسيس الحاجة إلى جرعات من هواء هذا التصوف الوسطي النقي، العابق بروح الزهد وصفاء الضمير، والقائم على تخليق السلوك والانفتاح والتعارف والتسامح، ونبذ التطرف والتعصب، دون التفريط في ذرة واحدة من خصوصيات الهويات؛ وهو ما يجعلنا نؤكد على جدوى “تصوف النهوض”، المؤسس على الاستقامة في الخلق، ورقابة النفس، والتشبث بروح العلم والمسؤولية، وليس تصوف التخلف والطقوس المترهلة، والبذخ والفساد المالي، والبدع والضلالات المناقضة لشريعة الإسلام في التربية والسلوك.  ولعلّ هذا ما يجعلنا أيضا في حاجة إلى رسم خريطة طريق، ووضع استراتيجية عمل لتجديد منظومة التصوف، حتى تترشد خطاه، وينسجم وعيه وفكره مع نموذج الوسطية الحضارية وطبائع العمران والاستخلاف وقوانين الكون الكلية، وتتجدد صلة الإنسان بخالقه، بعيدا عن أشكال العبثية والدجل والسطحية. كما أن الاجتهاد في منظومة التصوف مطلوب حتى تتكيف رؤاه وأفكاره وفق مشروع نهضوي روحي، قادر على التعامل مع المتغيرات الدولية والتمكين لثقافة السلام والتعارف، وبناء مجتمع الأمن والتضامن والتآلف الإنساني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. اشكرك وأشكر قلمك أيها العالم الذكي الزكي الجليل: فضلا وليس أمرا ألا ترى معي ان المقال به إشارات تجاوب بعضها بعضا، تصوف النهوض وتصوف الاستغلال وحضرتك لمحت للحل ولم تشر له جليا علما بأن مقالك في اخر السطور أجاب على استفساري لكن بصورة غير واضحة، ما هو الحل اليقين من أجل النهوض بالتصوف وما هي طرق التي ينبغي ان يسلكها الباحث او المتصوف من اجل السلام والتي بات المجتمع في حاجة ماسة له، سلمت عالمي الجليل والله لا يحرمنا قلمك الماتع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق