المقالات

خطاب الكراهية:من التوتر إلى الانزلاق(إدريس مقبول)

أصبحت “الكراهية” اليوم فلسفة سوداء ونمط حياة تجاوز حدود الأفراد ووصل إلى درجة كاد معها هذا الخطاب أن يكون ثقافة تتنفسها دول وجماعات بشرية تعيش على التحريض والحشد ضد جماعات أخرى وثقافات مختلفة لأسباب سياسية أو عرقية أو طائفية أو عنصرية، كما أصبح لدى البعض يشكل “الخطاب المقنع الوحيد” المعبر عن مواقف حادة مما يجري في الواقع كما جاء في دراسة الباحثتين كارمن إريافيك وميليتا بولر.

 تخبرنا الباحثة الألمانية آن فيبر أنه على قدر ما يبديه خطاب الكراهية من وضوح في مستواه الدلالي على قدر ما يكتنفه من غموض وإبهام على المستوى التداولي الاستعمالي بسبب تدخل المصالح والأهواء والمشاعر الغاضبة في توجيه المعنى والدلالة في الواقع، هذا الوضع الملتبس تداوليا سينعكس سلبا على الإطار القانوني بسبب تداخل معطيات سياسية وثقافية في تحديد المفهوم وضبطه مسطريا.

وما يزال خطاب الكراهية يعبر عنه في سياقات أكاديمية وتحليلية بمقتضياته السيكولوجية والباثولوجية المرضية، فيسميه الفيلسوف الفرنسي دانييل  سيبوني  في دراسته لمعضلة العنصرية “خطاب الخوف” وهو نوع من الخطاب ذو نزعة إقصائية كما يقول أستاذ حقوق الإنسان أنطوان بايس يمكنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى إضفاء المشروعية على أعمال العنف الجماعي الذي تقوم به فئة ضد فئة أخرى بداعي “وهم” الحفاظ على سلامتها وأمنها، ويطلق عليه أستاذ الفلسفة السياسية كيفين غراهام “خطاب الخطر”  باعتبار ما يفرزه من مشاعر التهديد والاستهداف لأمن وسلامة كيانات فردية وجماعية على المستويين الوطني والدولي.

 وفي الجملة يقوم “خطاب الكراهية” على منطق التوتر الذي يرمي إلى إعادة إنتاج الصراعات وتضخيم عناصر الميز والإقصاء وتعزيز آليات العزل والتدمير عبر رسائل التعنيف والتجريح، وهو خطاب يوحد ويفرق في ذات الوقت، فيخلق “نحن”  و”هم” في صورة متشنجة لا تقبل التقارب ولا التصالح.

خطاب الكراهية يعرف اليوم درجة من التصاعد والتنظيم والكثافة والتعبئة تدفع بقوة نحو الشعور بمزيد من القلق على مفهوم العيش المشترك والوعي بالتهديد الذي بات يستهدف معاني السلم العالمي والتعايش بين مختلف الثقافات والحضارات.

إننا نعتقد أنه لا يضر شيء بالمجتمع الإنساني أكثر من انزلاقه إلى الأتون الضيقة  لخطاب الكراهية لأنه المقدمة المنطقية للحروب، ففي تربته تنشأ أشواك التطرف، وفيها تجد ضواري الحقد ماءها ومرعاها فتتغول وتخرج على البشرية بخطابات التفريق والتمزيق، وإذكاء روح التقاتل التي تقطع كل سبب للتواصل مثال ذلك الحرب الأهلية الرواندية بين التوتسي والهوتو التي بدأت شرارتها بخطاب الكراهية  كما يقول المؤرخ إيفز تيرنون.

وينمو مع خطاب الكراهية أنانية مستعلية ترسخ التصور الأحادي، و تبالغ في تركيزه إلى درجة الهوس. وتضيق بالاختلاف والتنوع فتمضي في توليد النعوت والأوصاف التحقيرية لكل نزعة اختلافية متجاوزة في ذلك حد الإدانة الضرورية لوقاية كل المجتمعات إلى تعطيل كل مراجعة أو تقييم أو ابتكار”.

وبطريقة جنونية يدفع “خطاب الكراهية” إلى  توتير العلاقات وتهيئة الميدان للحروب، لأن المختلف ثقافيا يتحول إلى بربري متوحش وإرهابي أبله وآلة للقتل لا يصلح معه إلا المطاردة والقسوة والإقصاء والعزل.

ومن وجهة نظر سيكولوجية، فإن خطاب الكراهية يستند إلى مقدمات يختفي في طبقاتها السفلى الشعور بالخوف،  وحين يسود الخوف ينقطع التواصل، ويصبح الخوف انكفاء مرضيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق