المقالات

حدود الشريعة بين الذاتي والعرضي وبين الحد الأدنى والحد الأعلى(محمد همام)_3_

– ديوان المثنوي: ملهما عرفانيا لمفهومي الذاتي والعرضي وتطبيقاتهما:

استلهم سروش آفاق بحثه، من خلال مفهومي الذاتي والعرضي، من ديوان المثنوي لجلال الدين الرومي،[1] باعتباره ذخيرة عرفانية نشتم منها رائحة الوحي والكشف الإلهي، وتمثل حركة كشفية في أبعاد الوصال المعنوي. فالديوان، بنظر سروش، بمثابة سحاب مثقل بالمطر أو سيل هادر يشق مجراه في مواقع الوديان والسهول بدون مراعاة للنظم والتقاليد، ينساب الى أراضي القلوب البشرية القاحلة ويرويها بسخاء.

والديوان يملك في ذاته (العمق المعنوي) الذي يأخذ بأنفاس العشاق ويمنحها جوا من القداسة. ولاحظ سروش أن جلال الدين الرومي ظل يشكو من قيدين؛ أي “عرضين”، هما: القافية والوزن اللذين يمنعانه من الطيران والحركة بحرية في أجواء البيان وآفاق الإبداع إضافة الى أمور عرضية أخرى كثيرة تعيق انسياب حركيته الشعرية العميقة.

فقد عانى جلال الدين الرومي في المثنوى من التنقل بين أعراض عصره؛ أي: الوسائل والأدوات الموجودة والأجواء الثقافية، لينقل إلينا إحساسه الشاعري والمعنوي. لذا فالبحث عن الذاتيى (المضمون) في شعر جلال الدين، يقتضي تفكيكا دقيقا لنسيج العرضيات الذي يحيط به؛ فالمثنوي كتب بالفارسية  وكان بالإمكان أن لا يكون كذلك، لذلك وحده ارتدى مضمونه الشعري عرضا لغويا وثقافيا فارسيا، كما اختار جلال الدين لمضمونه الشعري وزنا مخصوصا داخل الفضاء الفارسي من دون الأوزان الأخرى.وبذلك اختلف عن كثير من الدواوين الشعرية الفارسية الأخرى، كما أثر المحيط الثقافي والاجتماعي للمولوي في شعره؛ لذا نجد أبياتا عربية وأخرى تركية في ديوانه، كما نلحظ تأثير المعارف الإسلامية. وبرز في الديوان كذلك أثر حالة من التضجر والتأزم النفسي مما عاشه جلال الدين بسبب وفاة بعض أقربائه فتوقف عن قول الشعر سنتين، وكلها أمور عرضية بالنسبة لما هو ذاتي في ديوانه، وهو روحه الشعرية المتدفقة والصافية، وكان بالإمكان أن تكون غير ذلك، فيخرج ديوانه بشكل آخر.

كما كان جلال الدين يستمد كمياء شعره من مجالساته ومعايشاته لأصدقائه في جلسات سمر شعري؛ فكان يتزود بذخائر روحية وتجارب معنوية وتداعيات ذهنية وحواريات شعرية، فأخذت طريقها الى ديوانه. كما تأثر شعره بطعون المخالفين وتعصاباتهم وكذا تعصبات المحبين وانعكست فيه.

يضاف الى ذلك أن في الديوان أشعارا تكاد تكون ذات طبيعة نفسية صرف؛ أي حوار ذاتي (مونولوغ) داخلي، لا تستحضر مستمعا ولا متلقيا، كما أن بعضها يستحضر مستوى أفهام المخاطبين ومستوى ذكائهم. كما يبرز في شعره أثر أساتذته خصوصا والده وشمس الدين التبريزي؛[2] من حيث طريقة استخدام الألفاظ والصيغ وحرية التعبير واستعمال ألفاظ السوقة.كما استمد تخيلاته الشعرية وتشبيهاته من حركة الحياة الطبيعية التي كان يعيشها؛ لذلك اعتبر العشق (أسطرلاب أسرار الله)، وتحدث عن دوران الطاحونة في قلق واضطراب، ووجود منبع الماء، ومثل الإنسان وعقله بالبعير وصاحبه، فلو عاش في عصرنا الصناعي أو الرقمي لاستخدم تشبيهات وتمثيلات واستعارات ومجازات وكنايات ومبالغات،أي رأسماله الخيالي، من أدوات وحالات معاصرة.

لذا نجد في المثنوي تفاعلا مع علوم عصره في الطب والتنجيم والفقه وعلم الأحياء؛ إذ تنتشر فيه مثلا ، أسماءالأدوية والمصطلحات القديمة في الديوان والمقولات الفقهية، والقصص والأمثال، والآراء السياسية، والاستشهادات التاريخية والروايات، والقرآن، والبراهين الفلسفية والكلامية، وغيرها من العرضيات، مما يجد مبرره في كون جلال الدين الرومي شاعرا مسلما سنيا شرقيا عاش في القرن السابع، فلو كان غير ذلك، صفات وزمانا،  لكان شعره بشكل مختلف على مستوى الصياغة والإخراج والتجلي، مع خفض مستواه الأصلي، أي (ذاتيته).ولو عاش عصرنا ربما استفاد من الفلسفة المعاصرة، ومن تكنولوجيا المعلومات، ومن التطورات المذهلة في الطب والهندسة والعلوم الاجتماعية وغيرها، لإبلاغ أفكاره الروحية ومقاصده المعنوية. وعندما يصطدم سروش بسؤال محرج، وهو: هل جميع الحوادث التاريخية عرضية، و هل لا يوجد أي أمر ذاتي وضروري في التاريخ؟ وخصوصا ما يتعلق بإطار الرؤية الكونية التي صاغ ضمنها جلال الدين الرومي تجربته العشقية والكشفية والشعرية، يجيب سروش بأنه ينطلق في هذا الموضوع من تصور هيغلي يقوم على وجود خارطة ضرورية وذاتية في بطن التاريخ؛ بحيث تعرض عليها الأحوال والحوادث[3]؛ أي أن حوادث التاريخ هي حوادث ممكنة وقابلة للاستبدال، وليست عارضة على أي ذات، كما ليست حصيلة تخطيط أو تدبير مسبق، وقد تقع بمقتضى علل وأسباب، مما يعني أن مقاربة الذاتي والعرضي في الحوادث التاريخية يقتضي مسلكا آخر، وهذه،على كل حال، نقطة ضعف في المشروع الفكري لسروش في استخدامه لمفهومي (الذاتي) و(العرضي).كما أن المشروع الواسع لم يستطع تعيين الإطار المعياري للمفهومين؛ فالمثنوي إذن تحرك في عرض مقاصده (ذاتياته) المعنوية والشعرية، في إطار حوادث عصره وأحداثه أي داخل إطار زمني وعرضي، إذ لو تبدل الزمان لتبدلت الوسائل مع ثبات الغايات المعنوية.

والعرضيات لا تنبع من أصل الذات، بل فرضها المقام والسياق؛ أي أن العرضي يعوض بعرضي آخر، في مقامات وسياقات أخرى دون أن يتأثر الذاتي في جوهره وأصله، مع الإشارة،  بحسب سروش، الى عدم تساوي أحكام العرضيات ومراتبها ومقتضياتها؛ إذ تختلف مجالات تجلي العرضيات من عرضي الى آخر؛ فمثلا تجسد اللغة الفارسية واللغة التركية نموذجين عرضيين في الديوان، لكن اللغة الفارسية، بنظر سروش، وفرت له، أكثر من  اللغة التركية، الذخيرة الأدبية والرصيد التاريخي ومقتضيات التعبير وإمكاناته من حيث الألفاظ والصياغة والتركيب، وقدرة اللفظ على أداء المقصود. كما أن الشعر كان أقدر من النثر، وهما عرضيان، على الوفاء لذاتية التجربة الشعرية والمعنوية لجلال الدين.وعليه، فالطريق إلى الغايات (الذاتيات) متفاوت، عبر استعمال وسائل (عرضيات) مختلفة من حيث القوة والإمكانيات.

وفي هذا السياق، يصر سروش على رفض مقولة استحالة ترجمة المقاصد من لغة الى لغة؛ أي استحالة إيجاد عرضيات مناسبة لذلك، بدعوى أن صورة الخطاب منبعثة من الذات ومتحدة معها، أي وحدة الشكل والمعنى أو العبارة والمعنى؛ فالعرضيات، بنظر سروش، لا تخلق التعين للذات، بل تتيح لها فرصة التجلي بأشكال مختلفة. والعرضي لا ينبع من الذاتي، بل يطرأ عليه؛ فاللغة، إذن، عرضية بالنسبة للذات، وقد لا نحتاجها في بعض الأحيان؛ أي لا نحتاج العرضي لتبيان الذاتي إذا ظهرت وسائل أخرى. فمعرفة قدر الذاتي لا يتأتى بالضرورة من معرفة العرضيات والتبحر فيها لغة أو علوما أو معارف زمان قوله وإنشاده. إن العرضيات ليست مقصودة بذاتها، هذا بالنسبة لنص شعري أو ديوان بشري، لكن كيف يكون الأمر عند ولوج نص مقدس بصياغة إلهية؛ أي مجال الدين ونصوصه المرجعية؟


[1] – جلال الدين الرومي(604ه-672ه)؛شاعر ومتصوف وفقيه.ولد في مدينة بلخ الفارسية وانتقل مع أبيه إلى بغداد.وتنقل في بلاد إسلامية كثيرة جنوب شرق آسيا والأناضول.درس في المدرسة المستنصرية.تصوف في منتصف حياته واعتزل الناس.عرف بديوانه الشعري(المثنوي)،وبالطريقة المولوية.كتب أشعاره بالفارسية.وأثرت هذه الأشعار وكذا مؤلفاته بشكل كبير في الثقافة الإسلامية؛وخاصة في الثقافة الفارسية والأردية والبنغالية والتركية.وترجمت أشعاره إلى لغات عالمية كثيرة.بعد وفاته أسس ابنه سلطان الطريقة المولوية التي أصبحت تنسب لجلال الدين،وهي المعروفة عالميا بدراويشها وبرقصتهم الروحية الدائرية.دفن في مدينة قونية،ومازال قبره مزارا إلى اليوم.

عبد الكريم سروش، بسط التجربة النبوية،مرجع سابق، ص 67.

[2] – هو شمس الدين التبريزي(582ه-646ه)؛متصوف وشاعر فارسي مسلم.ينسب إلى مدينة تبريز.عرف بديوان التبريزي أو(الديوان الكبير)،وهو في العشق الإلهي.تنقل بين حلب وبغداد وقونية ودمشق.يعتبر من أساتذة جلال الدين الرومي.وقد كتبا معا (قواعد العشق الإلهي)،القواعد الأربعون.قتل في ظروف غامضة، في مدينة خوي.ويعتبر ضريحه من مواقع التراث العالمي.

[3] – عبد الكريم سروش، بسط التجربة النبوية،مرجع سابق، ص 78.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق