المقالات

حدود الشريعة بين الذاتي والعرضي وبين الحد الأدنى والحد الأعلى(محمد همام)_2_

4- حدود المشروع وآفاقه:

يمثل المشروع الفكري لعبد الكريم سروش مجهودا غنيا وتنويريا ونقديا، يستمد خصوصيته من صدوره عن مثقف ديني يمارس النقد من داخل الظاهرة الدينية، نظريا وعمليا، مما لم يتوفر لكثير من المشاريع النقدية للفكر الديني، بغض النظر عن مستويات التحليل وتوظيف المناهج والمفاهيم وكذا الاستنتاجات النهائية.

ولو أن المطلع على هذا المشروع الواسع لن يعدم المؤشرات الغنية التي تثبت أن صاحبها يكتب وينتقد من وحي ألم التدين، و من معاناة الحوار الذاتي مع الدين ومعارفه وهموم الإنسان وأشواقه، فإن الكثيرين ممن تعرضوا له بالنقد يرون أنه يهدم ثبات الدين لما يراه متحولا بالكامل، عند حديثه عن دور الدين وانتظارات الإنسان منه، على المستوى النفسي والسياسي مثلا؛ فسروش يذهب الى أن انتظارات الانسان في هذا المجال تحددها المعرفة الإنسانية، وليس المعرفة الدينية؛ وعليه،فانتظاراتنا السياسية من الدين بنظره كانت خاطئة؟ إذما نحمله عن فهمنا لدور الدين، بنظر سروش، هو من صميم المعرفة الدينية المتحولة وليس دينا بالضرورة.واستطاع المشروع الدفاع عن هكذا أطروحة؛ أي ما ينتمي للدين وما لا ينتمي إليه من خلال نسق في الاستدلال يقوم على التواصل مع العلوم الحديثة متجاوزا النفس الدعائي والتحريضي الذي يسكن بعض المشاريع الفكرية في الساحة الايرانية، كما هو عند مهدي بزركان ومطهري وشريعي. ولم يأبه سروش بالانتقادت التي عابت عليه استعمال العتاد المنهجي الحديث، والذي نشأ في بيئة غريبة مخالفة للمجال التداولي الإسلامي، ولا تهم العلمانية وغيرها.[1]رغم أن سروش يصر على الربط بين المعارف الدينية وغيرها رافضا مقولة أن ثمة معارف ثابتة بمعزل عن التطور المعرفي[2]، ولا تهمة السفسطة التي يقول منتقدوه بأنها تتوارى خلف معطيات القبض والبسط[3]، على أساس أن أطروحة سروش تحول المعرفة من أصلها الى نقيضها؛ ذلك أن هذه الاعترافات النقدية تكاد تجعل المعرفة الدينية مجردة ولا مادية، أي فوق قوانين المادة؛ كالحركة والتدرج والتحول[4]، وتصبح النسبية ،وفق هذا المنظور، أي نسبية المعرفة الدينية في حالتنا؛بمعنى “تغير الصور العلمية الذهنية في ذاتها وبوجودها المثالي لكي يستلزم ذلك انقلابا في الماهية على حد تعبيرهم قديما”، بينما من الواضح أن هذا بعيد كل البعد عن مغزى النسبية؛ فهي تفترض بقاء الصورة العلمية الأولى ومجيء صورة جديدة مغايرة دون أن ينال ذلك من مثاليتها أو تجردها.”[5]

ويندرج المشروع الفكري لسروش ضمن فلسفة الدين والكلام الجديد؛ فلسفة الدين أي: تحليل الدين وتفسيره واستكناه أبعاده وحدوده والتعرف على ماهيته، لكن ليس بالمفهوم الماهوي الأرسطي؛ ففي هذه الحالة يصبح الدين ظاهرة قابلة للبحث والتحليل من خلال بيان حقيقة الدين أو الشريعة والكشف عن الهوية التاريخية والاجتماعية للدين؛ أي عرضيات الدين من خلال عمل حفري ومعرفي في المعرفة الدينية للوقوف على الأنساق العميقة الخفية والمقدمات والمبادئ والمسلمات غير المرئية مما يوجه مسار عملية تصور الدين ورسم حدوده، سواء كان آراء كلامية أو مقولات فلسفية أو نماذج تفسيرية أو مفاهيم ومناهج تحليلية. وبحكم انتماء المشروع لفلسفة الدين، فهو يستمد أدواته من علوم كثيرة خصوصا في المجالات الاجتماعية؛ أي مما يتعلق باللسانيات والهرمينوطيقا وفلسفة العلم وغيرها.

ولا ينبغي قراءة مشروع سروش كأطروحة تأويلية تنتسب الى فلسفة الدين، من دون التأكيد على جدة هذا الحقل المعرفي (أي فلسفة الدين)، وحداثته في الدراسات الإسلامية؛ أي أنه ما زال في طور التشكل والتخلق مما يجعل منجزه مستفزا ومتحولا ومتنوعا في الاجتهاد والاستنتاج وزوايا النظر، ومما ينتج عنه من سجال وتنازع واضطراب في المواقف والتباس في التقييم، وهو أمر مرتبط بتنوع المرجعيات الفكرية في المشروع واختلاط المقاربات المنهجية، يزيد من ذلك توجس المهتمين بالدراسات الإسلامية من هكذا اجتهادات، ومن المفاهيم والتسميات الجديدة؛ من مثل: ما وراء الدين، وعلم كلام الدين، وعلم علم الدين، وعلم معرفة الدين، وإبستمولوجيا الدين، وعلم اجتماع الدين، وسوسيولوجيا الدين … وهو ما يولد الحيرة من وظيفة هذا المشروع الفكري ودوره التأويلي، وآفاقه الفكرية.

القسم الأول: الذاتي والعرضي والتضخم الديني

1- الإطار النظري:

يقسم سروش التعليمات الدينية الى تعليمات ذاتية وتعليمات عرضية؛ والعرضية هي التي بإمكانها أن تكون بشكل آخر عكس الذاتية التي تبقى على حالتها الأصلية ثابتة وغير متحولة.ويستشكل سروش من هذا التقسيم معنى الأمور العرضية ونسبتها الدقيقة الى الذات.

وحدد العرضيات المرتبطة بالدين في اللغة العربية، و في ثقافة العرب، و في التصورات والنظريات والمفاهيم التي استثمرها الدين في بيان أحكامه وتعاليمه، وفي الحوادث التاريخية المذكورة في الكتاب والسنة، و في أسئلة المؤمنين والمخالفين وأجوبتها الواردة في النصوص الدينية، و في الموضوعات التي وضعها المخالفون لتحريف الدين، و في قدرة المخاطبين و في سعة إدراكهم لمفاهيم الدين.

ويصبح الذاتي، وفق هذا المنظور، هو روح الدين، والعرضي هو شكل وقشرة تتغير بحسب الثقافة والجغرافيا والتاريخ واللغة وكل الخصوصيات التداولية؛ فالذاتي ثابت والعرضي متغير بل متحول. ويتجلى العرضي في أشكال مختلفة، وليس لها حصر و حد عقلي في نوع تجليها وظهورها.[1]فالذات ترتدي الأقنعة وتظهر في صورها، والصور متغيرة. ورغم الارتباط الوثيق بين الذاتي والعرضي فإن الخلط بين خصوصياتهما يوقع في المغالطة والالتباس، مما يقتضي الفرز بينهما من خلال تفكيك نظري ومنهجي، وهو ما يسعى البحث الى إبرازه من خلال مشروع عبد الكريم سروش.فترجمة الذاتي مثلا من ثقافة الى أخرى يقتضي صياغة دقيقة لمعناه من خلال أدوات الثقافة المستقبلة وإلا ضاع هذا الذاتي في خضم نقل آلي؛ فالعرضي له أصالة محلية ومرحلية وليست له أصالة عالمية وتاريخية.وعمل سروش في توظيفه لمفهومي “الذاتي” و”العرضي” في الدين على استدعاء الفروقات بين الشريعة والطريقة والحقيقة، وبين الباطن والظاهر، وبين القشرة واللب، كما كان الأمر عند المتصوفة وأهل العرفان والأذواق؛ فالشريعة علم والطريقة عمل والحقيقة وصول الى الله.

ولهذا يرى العرفانيون أن ظهور الحقائق يبطل الشرائع؛ إذ الوصول الى الحقائق حاله حال الوصول الى السطح والوصال وعدم الحاجة الى سلم العلم والعمل، ولذلك يعتزل العرفاء الناس ويلوذون بالخلوة والعزلة بعد تذوق الحقيقة ويرفضون مخالفة الناس؛ ذلك أنهم يرون أن ترك الفرائض الشرعية وتمزيق قشور التدين ومخالفة التقاليد والعادات الدينية  مخل بسلامة المجتمع الديني ومضر بالسلوك الأخلاقي لعامة الناس،ومسبب لجرح في وعي الناس العام بالدين.

 كما يستثمر سروش  الإطار المفهومي لتقسيمات: الإسلام والإيمان واليقين، والتدين المصلحي والتدين المعرفي والتدين التجربي، مع تأكيد الفرق بين هذه التقسيمات وبين الذاتي والعرضي، لأن الأخيرين يتعلقان بالدين نفسه وليس بالمعرفة الدينية أو أحوال المتدينين.

كما أن أطروحة سروش تنطلق مما يسمى بمقام الإثبات في باب الدين؛ أي أن الدين هو مقدمة فرضية لفهم الدين ذاته، والعرضي يمكن أن يكون بشكل آخر، والذاتي هو عكسه؛ أي ما لا يكون عرضيا، والدين بدونه لا يكون دينا، وتغييره يستلزم نفي الدين ذاته.[2]

ولقد ركز سروش في بحثه على دائرة العرضيات عوض الذاتيات؛ لأنه استشعرخطورة عملية تعريف الدين، ولو كان يبحث في عرضيات دين بعينه. ويذهب الى أنه رغم الوجود التاريخي للأديان كحقيقة راسخة إلا أن القول بوجود ذات وروح مشتركة بين الأديان أمر غير مسلم به؛ فرغم أن (فتغنتشتاين) قد تحدث عن وجود أديان وليس دين واحدا إلا أن بينها شبه مماثلة عائلية أكثر من اشتراكها في الماهية؛ إذ تحافظ كل الأديان على استقلالها الماهوي.كما لم تصمد أطروحات المثاليين  القائلين بتعريف الدين ب “الكليات”، في غياب أي تعريف منطقي للدين، كما أن التعريف الماهوي بقي تعريفا ذوقيا وغير برهاني؛ فالحدود لا يبرهن عليها. كما لم يفلح (الفينومينولوجيون) في تعريف الدين، وقدموا فرضيات متعلقة بمقام الجمع وتحتاج إلى إثبات خارج منطق التجربة الذي ادعوه.

هذا الحرج في الحد والتعريف هو الذي جعل سروش يبتعد عن البحث في ذاتيات الدين وعرضياته على مستوى المعارف المسبقة، خصوصا وأن كل دين يأخد حقيقة معينة كمعيار في الاعتبار؛ أي فكرة مسبقة، تخالف أفكارا أخرى في ديانات أخرى. فإذا كانت “حقيقة الألوهية”،مثلا،من لوازم الدين،كما قد نتصور،فإن حضورها في الديانات يختلف باختلاف أفكارها المسبقة؛فالبوذية،مثلا،لاتتضمن في تعاليمها(الذات الإلهية)،  والهندوسية تؤمن بتعدد الآلهة، في حين نجد اليهودية والمسيحية والإسلام أديانا توحيدية، ولكن من داخل منظومة الأديان التوحيدية نجد: إله اليهود الشديد والشرائع الخشنة، وفي المقابل إله المسيحيين يفيض حبا وعواطف أبوية وتفتقد المسيحية الشرائع، انطلاقا من أن إدخال الدين في حياة الناس السياسية على الخصوص هو نوع من تلوث الدين بالدنيا،عكس المنظومة الإسلامية القائمة على التخفيف والربط الوظيفي بين الدين وحياة الناس السياسية.

ورغم المجهودات المبذولة في علم الاجتماع الديني وفي فلسفة الدين في تعريف الدين، بتصنيف ظواهره الى ظواهر مقدسة واعتبارها عنصرا جوهريا في تعريف الدين، فإنها لم تبق من الدين شيئا سوى قشرة غليظة؛ فقد أصبح الدين وفق هذا المنظور السوسيولوجي والفلسفي الديني منظومة من الرموز والأشياء والشخصيات المقدسة؛ أي أشخاص مقدسون، و كتب مقدسة، و أحجار مقدسة، و مياه مقدسة، و أذكارمقدسة، و كلمات مقدسة… وعلى هذا الأساس قسموا الأمور الى مقدس ومدنس، أو سماوي و أرضي، بما يعني الإجهاز على الدين وإلغائه في سياق تحول اجتماعي وتاريخي انتهى الى العلمنة الشاملة.[3]

لذا فالبحث في عرضيات الدين أهم من البحث عن تعريف الدين، أو البحث في دائرة الذاتيات، كما أن البحث في عرضيات دين بعينه، أنفع من الناحية المنهجية والبحثية من البحث في عرضيات الدين بشكل عام.(يتبع)


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق