المقالات

تجارة المؤتمرات …فوضى وتربح غير مشروع!(مصطفى أحمد قنبر)

          نشطت في الآونة الأخيرة بعض المؤسسات أو المركز التي تحمل لواء البحث العلمي المستقل عن أي جهة رسمية أو حكومية، وحتى ترفع من شأوها على الساحة تتبنى من حين لآخر عقد مؤتمرات أو ندوات دولية مستندة على تعاون بعض الجامعات بما يكسبها شيئا من المقبولية لدي المستهدفين من طلابٍ وباحثين ومتابعين. وفي سبيل ذلك أيضا تضم لجانها العلمية والتنظيمية عددا من الأسماء المعروفة في التخصصات التي تنتمي إليها موضوعات هذه المؤتمرات. ولن نعدم أن يُفتتح هذا المؤتمر بمحاضرة لأحد العلماء الذي لا ريب أنه سينال شيئًا من التكريم و…. لقاء تجشمه عناء السفر والمشاركة.

        إلى هنا والأمر يبدو مقبولا بعض الشيء، لكن المتابع لهذا النوع من المؤتمرات تتنازعه عدة هواجس، وتحيط بفكره بعضٌ من الشكوك، خاصة إن كان واحدًا ممكن شارك فيها، أو تابعها عن قرب، ورأي بأم عينه كيف تدار:

في مقدمة تلكم الهواجس ما يظهر بوضوح في الموضوعات المفتوحة على كافة التخصصات، التي يرحب بها المؤتمر؛ إذ لا قضية محددة أو إشكالية معينة تؤرق المجتمع أو تحتاج إلى البحث والتقصي يستهدفها المؤتمر. وإنما الهدف الجلي إتاحة فرص واسعة لأكبر عدد من مريدي المشاركات المؤتمرية ممن يبحثون عن استكمال متطلبات التخرج أو المنح أو الترقية… ولكل وجهة هو موليِّها… فتقرأ في العنوان: المؤتمر الدولي الأول ….. أو العاشر في العلوم الاجتماعية والإنسانية والرياضية! … وربما أراد بعضهم شيئا من التغيير فصدَّر العنوان بالمركب الوصفي (آفاق جديدة في العلوم …… وربما يضاف في قابل الأيام إلى جانب العلوم الإنسانية، العلوم الطبية والحيوانية والنباتية… فكله في خدمة الإنسان!

الثمن الباهظ الذي يدفعه المشارك في هذه المؤتمرات مضطرا؛ للحصول على شهادة تنجيه من التأخر في التخرج أو الترقية، أو الحصول على وظيفة في جامعة ما، أو مركز بحثي.

والحق أن هؤلاء كرماء جدًا! حين يخيرون الباحث بين المشاركة بالحضور فقط، أو المشاركة ببحث دون حضور أو الاثنين معا…، وبين الإقامة في فندق … مصطحبًا مرافقين من أسرته (ولكل حالة سعرها، الذي يمكن التفاوض عليه) ناهيك عن تعهدات بتوفير كل وسائل الراحة والانتقال التي قد تذهب أحيانا مع الريح.  ولم ينجُ من ذلك حتى المؤتمرات التي تعقد عن بعد في ظل أزمة الكورونا.، فلا بد من الدفع!

الكرم الحاتمي الذي تقابل به البحوث أو بالأحرى ملخصاتها من لجان التحكيم، فمهما كان بحثك فلن تعدم المشاركة، ولن يرمى ملخص بحثك في سلة المهملات … فيمكنك الآن أن تقدم ملخصا وتشارك به في المؤتمر؛ لتحصل بعده على شهادة المشاركة، وبعد فض المؤتمر بشهرين أو ثلاث يمكنك تقديم البحث كاملا، وستنشر كل الأعمال في كتاب بترقيم دولي! ولكن ما القيمة العلمية لمحتوى ما جاء بين دفتي هذا الكتاب، وهل تم تدقيقه ومراجعته ووضع ملاحظات عليه، وأعيد للباحث لإجراء التعديلات!! أترك الإجابة لمن شارك في مثل هذه المؤتمرات.

انعدام أو ندرة مشاركة هذه المراكز والجامعات المؤازرة لها في أية نفقات خاصة بالمؤتمر… وذلك راجع بطبيعة الحال إلى الهدف من وراء هذا التنظيم والطبيعة النفعية المعنوية والمادية (الربحية) التي تفوح من بداية الإعلان عنه حتى فضه وخروج كتاب المؤتمر.

فوضى الجلسات التي تخصص لمناقشة أعمال المشاركين، وفي ذلك حدِّث ولا حرج، إذ يمكنك أن ترى العجب العجاب ففي ساعة واحدة من إحدى الجلسات يعتلي المنصة باحث في اللغة، يعقبه بحث لمشارك في الاجتماع، ثم يأتي آخر في التربية أو علوم النفس أو السياسية أو الاقتصاد…، ولا رابط بين هذه البحوث سوى أن أصحابها أرادوا أن يحصلوا على شهادة مشاركة!  ولئن أردت التعقيب على بحث ما … فما عليك إلا أن تختلي بالباحث عقب إنهاء كلمته…

لكن هذه الصورة السوداوية القاتمة لا تطبع كل مؤتمر تقوم عليه مؤسسات خاصة أو غير حكومية، ناهيك عن الجامعية، فنهاك والحق يقال من يدقق في المؤتمرات التي يعقدها منذ الإعلان حتى خروج كتاب المؤتمر، مرورًا باختيار لجان التنظيم والتحكيم وتنظيم الجلسات، فضلا عن الشروط الصارمة في البحوث المقدمة للمشاركة، ناهيك عن التخصصية الدقيقة التي تحكم موضوعات المؤتمر من قضايا مؤرقة، وموضوعات معاصرة. فضلا على حرصها على سمعتها العلمية والبحثية، ولا يهمها بعد ذلك إن كان بعض الباحثين يشعرون بالرضا أو السخط جراء هذه الموضوعية. إضافة إلى حرصها الشديد على أن تربأ بنفسها عن الانزلاق في مهاوي التربح أو التساهل في حق بعض المشاركات البحثية، مهما كان صاحبها. 

       هدى الله الجميع لما فيه خير أمتنا، وبصرنا بعيوبنا، وأرشدنا سبل الإصلاح والنهوض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق