المقالات

المرابطة المقدسية قراءة في ثغور المرابطة للفيلسوف طه عبد الرحمان(محمد نافع العشيري)_2_

اشرنا في الحلقة الاولى  الى تصور الفيلسوف طه عبد الرحمان  لطبيعة الصراع الاسلامي الاسرائيلي من منطق فلسفته الائتمانية، حيث حدد  طبيعة الاحتلال الاسرائيلي في مظهرين كبيرين هما ايذاء الاله بمنازلته في صفة المالكية و ايذاء الانسان في سلب فطرته بجعله يقبل بالتطبيع مع ما لا يطبع. اما في هذه الحلقة فنخصصها لمقترحات الائتمانية الطهائية  لصد الاحتلال الاسرائيلي و التي تتحدد في مدخلين هما، تجديد قداسة الأرض، وأصالة الفطرة.

 فلئن كان الاحلال تدنيسا لقداسة الأرض وسلبا للفطرة الأصلية، وجب في نظر طه تجديد قداسة الأرض وأصالة الفطرة. ولا يقدر على ذلك الا المقاومة الفلسطينية، التي يصطلح عليها ” المرابطة المقدسية”. وهي التي تلازم الدفاع عن ثغور الأرض المقدسة لازالة ما لحقها من تدنيس، كما تلازم الدفاع عن ثغور الفطرة لاعادتها الى أصالتها. وعليه، فان المرابطة المقدسية ليست فضاء ماديا، بقدر ما هي فضاء معنوي يتولى تجديد معنيين روحيين هما قداسة الأرض و أصالة الفطرة. و تستند  هذه المرابطة الى معاني روحية منها عظمة التراث الروحي الذي يكتنف بيت المقدس، وقوة الرباط الروحي الناتج عن قوة وثاق جبريل للبراق و سرعة هذا الأخير، كما يستند الى جلال السجود الذي يجعل المرابط دائم الشعور بالقرب الالهي، وجمال الشهود  الذي يتجلى في مظاهر الجمال والجلال التي رآها النبي عليه السلام في رحلته المعراجية. والملاحظ   أن طه عبد الرحمان يستند في تحليله الى أبعاد سيميائية، تجعل من فضاءات بيت المقدس، و تاريخها علامات مغرقة في التجريد و الرمزية. 

ان هذه المقاومة المعنوية في تصور طه، هي ما يعطي للمرابطة المقدسية قدرة روحية خلاقة، ويجعلها بذلك النموذج الأمثل للمقاومة.

ويقدم طه اقتراحات  لسبل تصدى المرابطة المقدسية لتدنيس الأرض و تدنيس الفطرة الأصلية، حيث يرى أن ذلك يتم باستحضار صفتي الاسراء و المعراج  التي تتميزان بخاصيتين هما الخاصية الائتمانية والخاصية الاشهادية.

فالخاصية الائتمانية تجعل علاقة الفلسطيني بأرضه لا علاقة ملكية، بل علاقة ائتمان. وهو بذلك يخالف علاقة الاسرائيلي بالأرض التي تقوم على علاقة امتلاك مادي صرف. لهذا على الفلسطيني أن ينكر على الاسرائيلي كل ملكية للأرض المباركة، مهما طال أمدها، واتسعت رقعتها، و أن يبدع من الوسائل التي ما تفتأ تشكك الاسرائيلي والعالم معه، في هذه الملكية الواهية.

كما يتحقق ذلك بترسيخ ثقافة الائتمان التي يقوم على مبدا رد الظواهر الى الآيات، حيث تتأسس علاقة المرابط بالظواهر سواء أكانت عبادات دينية أو بنايات عمرانية،  على منطق المعاني الروحية الثاوية فيها، كما تقوم على مبدأ توارث الأعمال الروحية للأعمال، و مبدأ رؤية الارداة الالهية في العالم. حيث يقر المرابط بأن الله قدّر أن ينتزع الاحتلال أرضه، لكنه لم يقدّر أن ينتزع منه حق الائتمان على أرضه المباركة. كما يقوم هذا الائتمان على مبدأ أسبقية الواجب الائتماني على الحق الامتلاكي.

ويتحقق مبدأ الائتمانية أيضا باسترداد الأمانة المسلوبة، بايمانه بقداسة الأرض، وائتمانه عليها، وايمانه بأن لا ظهير له الا الله، و ايمانه بقضيته في عالم قل حياؤه، سواء أكان عالم الغرب الذي تآمر عليه، أم عالم العرب الذي تواطأ مع أعدائه. بالاضافة الى ايمانه كذلك بسرمدية أمانته. ولهذا وجب  على المرابط المقدسي أن يسرع في بث روح الرباطية في كل مكان و زمان، واعداد العدة المادية والتخطيط المحكم.

لئن كانت خاصية الائتمانية تحدد نوع العلاقة  بين الفلسطيني وأرضه، فان خاصية الاشهادية  تحدد علاقته بذاته الأصيلة  وفطرته الأولى. ولهذا تقتضي المرابطة المقدسية استعادة المرابط لهذه الحالة الاشهادية، وما تنطوي عليه من معاني روحية و قيم خلقية. وبما أن هذه القيم، كما يقول طه هي آثار من تجليات الالوهية يوم الاشهاد، تصير فطرته عبارة عن ارداة الله فيه. أما المطبع الذي أنكر هذه المعاني والقيم، فقد أنكر هذه الارادة الالهية، وأحل محلها ارادة الاسرائيلي المحتل.

لهذا وجب  على المرابط أن يدفع هذه الارادة الزائفة  في قلب كل مطبع، وهذا ما يجعل من المرابط الفلسطيني انسانا كونيا لا يختص برفع الأذى عن الفلسطيني، بل برفع الأذى عن كل انسان. وما يجعل الفلسطيني انسانا كونيا هو أنه الوحيد الذي ما زال يذوذ عن القيم الفطرية في الزمن الأخلاقي المتردي الذي أوشك أن يدخل، كما يقول طه، عالم ما بعد الأمانة. كما أنه الوحيد الذي طالت معاناته و اشتد حصاره، بما جعل معاناته هي معاناة الانسانية جمعاء، و سكوت هذا العالم هو وصمة عار في جبين هذه الانسانية. بالاضافة الى أن صموده أصبح رمزا لكل صمود في العالم أجمع، بحيث أصبحت مقاومة الفلسطيني الشاهد الأمثل على الكرامة الانسانية.

واذا كان  هذا هو شأن الانسان المقدسي، فان دوره لا يقف عند حفظ أمانة الأرض، بل حفظ الشهادة، ويكون ذلك  بتحرير المطبع من خيانته لنفسه و عبوديته لغيره، التي تتجلى في فقده للشعور بالحرية، بحيث أصبحت عنده مجرد مكسب سياسي،  يمكن أن يتخلى عنها متى حقق مصلحة مادية، ولو كانت وهمية. بل قد يتضخم عنده هذا الاحساس،  فلا يرى حرية الا في مصلحة، فتنتفي عنده كل قدرة على الاختيار، و يفقد كما يقول طه عبد الرحمان” الحرية في الحرية”. ويترتب عن ذلك خيانة المطبع للأمانة الأولى، وبالتالي خيانته لنفسه، و انزال الخيانة منزلة الفطرة الأصلية من الانسان، في قلب واضح لموازين الحق.

ولهذا وجب على المقدسي أن يحرر المطبع بفصله عن أي تعلق بالمصالح العاجلة من خلال بث روح  المقاومة في كل مكان، كما يجب تحرير الحاكم المطبع من خيانته لنفسه و خيانته لشعبه، لأنه بالتطبيع يفقده صفة العدل، و يتلبس بصفة السلطة  والحكم. وينتج عن ذلك أن الحاكم المطبع يفقد العدل الالهي الذي أشهد عليه، كما يفقد العدل البشري الذي تعارف عليه الناس، فيكون قد سقط في الظلم المطلق.

لهذا يتعين على المرابط المقدسي أن يقوم بتوعية الحاكم بأخطار التطبيع على حكمه و توعية المجتمع  بآثار التطبيع على كيانه. فأخطار التطبيع على الحاكم تتجلى في  عزله عن شعبه، و ابتزازه من طرف الاسرائيلي، و استنزاف ثرواته… فيحرص المرابط في كل مناسبة على تذكير الحاكم المطبع  بهذه الأخطار، عسى أن يصحو ضميره.

أما توعية المجتمع بأخطار التطبيع، فتتجلى في اعادة تأسيس القيم على الصفات الالهية الأصلية التي تعكسها الأسماء الحسنى، لا على المصالح والمكاسب المادية الضيقة، وكذا اعادة تأسيس الاسلام على الصبغة المقدسية.

يبدو مما سبق، بما لا يدع مجالا للشك،  قدرة الفلسفة الائتمانية على فهم و معالجة العديد من القضايا العملية المعاصرة، ومنها واقع الصراع الاسلامي الاسرائيلي. وهي ان كانت تبدو للوهلة الأولى شديدة الاختزال لمبادئها الكبرى، الا أن تطبيقاتها تفتحها على امكانات توليدية مدهشة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق