المقالات

الصحراء المغربية، رؤية حضارية: (عادل بن إدامو) _1_

تأطيـــــر منهجـــــي لقضية الصحراء

تعتبر قضية الصحراء المغربية قضية سياسية خالصة، ولكنها تأخذ بالأساس أبعادا حضارية أعمق. ولتأكيد أهمية المناولة الحضارية لمثل هذه القضايا، فإنه جدير بالأهمية استدعاء الخبير في شؤون العالم الثالث روبرت كابلان، وبخاصة فيما نقل عنه المقرران الاستراتيجيان الألمانيان في مجلة دير شبيغل الألمانية: هانس بيتر مارتن وهارولد شومان في كتابهما ” فخ العولمة، الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية “، من أن صد الاجتياح الكوني للخصوصيات الثقافية والاجتماعية لما أسمــــــاه ” المد الأسود للعولمة ” إنما باعتماد الاعتبارات الحضارية لكل أمة من الأمم.

من ثم ومن غيره من الشواهد، يأتي اعتماد المقاربة الحضارية مدخلا لمناولة قضية الصحراء من أجل:

_ التأكيد على ضرورات نقل النقاش الفكري إلى قلب المشهد العام، باعتباره أهم مداخل الإجماع الداخلي حول مغربية الصحراء وإن اختلفت التقديرات في طرائق التدبير للملف، سوى ما كان من زمن احتكاره وتدبيره المغلق، والترويج الجامد المسكوك المكرر؛

_ وكذا إثارة الاهتمام بالأبعاد الحضارية باعتبارها أبعادا ثابتة، تجلي الموقف المبدئي لمغربية الصحراء، وذلك باعتباره موقفا غير مظروف بسياقات تاريخية وغير مسقوف باعتبارات السياسية والاستراتيجيا المتغيرة، وإن كانت على قدر بالغ من الأهمية؛

_ إضافة إلى اعتبار أن تأكيد التجانس العربي الإفريقي في دراسة قضية الصحراء، ليس ” محاولة لإلغاء التمايزات داخل الوحدة، وإنما محاولة لتطويق التحويل القسري لهذه التمايزات إلى وحدات “، على حد تعبير المفكر على الشامي في كتابه القيم: الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي؛

_ فضلا عن أن المقاربة الحضارية تستحضر الأبعاد الإنسانية في تحديد مسار قضية الصحراء، وذل في ظل بنية تنموية لا تقتصر على تهيئة المجال/الصحراء، وإنما تمتد لتشمل الإنسان الذي يشكل الإرادة المتعالية المنتجة والقائمة بهذه التنمية، اتصالا جدليا، حين تصلح بنية المجال بصلاح بنية الإنسان كإرادة واعية فاعلة تجعل من القضية في بعدها الجماعي قضية كيانية لوجود المغرب واستقراره واستمراره في ظل إفلاس أطروحة الانفصال لجبهة وهمية تدعي أنها حركة تحرر.

الإطار التحليلي لقضية الصحراء

تتأسس فرضية اعتماد المقاربة الحضارية لقضية الصحراء قيميا على استثمار “المغرب الحضاري” بهويته المجتمعية القائمة على كونه امتدادا لا يتجزأ عن الأمة العربية الإسلامية، وكذا هويته الحضارية القائمة على علاقات الجوار التي تشكل عمقه الحضاري والاستراتيجي، سواء القاري الإفريقي منه أو الإقليمي المتوسطي.. وذلك من الناحية النظرية باعتبار المغرب الحضاري حالة من التجانس والارتباط المعنوي، وواجهة لخلفية مليئة بالدلالات والمضامين التاريخية والثقافية والسياسية والاستراتيجية، والتي تجعل المغرب في صحرائه أمرا واقعا بصورة تلقائية دون اصطناع.

كما تقوم فرضية اعتماد المقاربة الحضارية لقضية الصحراء أيضا، ومن الناحية الواقعية، على ضرورة بناء المغرب الحضاري لتقاليده السلوكية، من خلال تقويم تحالفاته ودوائر اهتمامه وفضاءات تفاعلاته ضمن الخصائص التكوينية للكيانات الاجتماعية التي تشكل المغرب الحضاري، والتي انصهر وإياها في بوثقة حضارية نوعية مشتركة، باعتبار ذلك كفيلا بحسن إدراك التحديات وتعزيز فرص النجاح، ومن ثم ضمان الفاعلية السياسية.  وهو ما يجعل أداء هذه الاستحقاقات اختيارا للحلول الصعبة المكلِّفة والبرغماتية في آن واحد، والتي تتدارك مشاهد من الإخفاق السياسي في تدبير ملف الصحراء المغربية، ومن ذلك مشهد المقابلة بين التطبيع وسيادة المغرب على صحرائه باعتراف المغرب الرسمي.

والأشد مدعاة إلى تبني المقاربة الحضارية بمعناها الذي تقدم، والذي يؤدي معنى الحضور الفاعل والمتماسك فيما يفترض في الاستراتيجية المغربية، أن التصور الحضاري مدخل لمجابهة شاملة لكل من:

  • التهديدات ضد الوحدة الترابية للمغرب؛
  • الموقف الدولي الممالئ والملتبس؛
  • سياسة التجزيء والتقسيم والحصر الاستراتيجي؛
  • منظور تقارير القوى الغربية لموقع المغرب الاستراتيجي ..

وبالتالي لا يخفى على المتتبع المتمعن أن هناك توجها لتقزيم المغرب ووضعه وضعا معزولا محصورا، وذلك لأسباب لا تنحصر في بعدها الآني المظروف بمستجدات قضية الصحراء المغربية وأحداثها المتتالية، وإنما بالبعد الحضاري الكامن الذي يعيد علينا تاريخ القضية، ذلك أنه لما نشأت قضية الصحراء المغربية في أوج الحرب الباردة سنة 1975، كان المغرب في صف القوى الغربية، في حين كانت الجزائر والبوليزاريو تمثل المعسكر المقابل، في مشهد يسائل المنظومة الدولية والقوى الدولية التي بيدها مجلس الأمن عن مصير الحسم لصالح المغرب؟ والجواب أن المغرب وهو في هذه المنظومة ومعها ومصطف إلى جانبها كان يقف في قضية الصحراء ضد التجزئة ومع الوحدة بخلاف الجزائر ومن معها.

هكذا، فالغرب “الحضاري”، وفي المواقف الفاصلة الحاسمة، ينزل إلى المستوى الأعمق حضاريا للاختيارات بعيدا عن التصنيفات السياسية، في سعي متجدد لتكريس حالة الانشطار والتفتت، وفي إضعاف للانتماء الجامع للمغرب الكبير، وما يعقبه من الاستتباع الحضاري عبر الاندماج مع الآخر ومعه في الثقافة والسياسة وتقدير الموقف وبناء الرأي، وذلك بما يخبو معه الشعور بالانتماء الجامع للوطن الواحد والأمة الواحدة، ولا أدل على ذلك من جدلية الاختراق الحضاري الفرنسي والدور الوظيفي للعقلية العسكرية في الحالة الجزائرية، وللتطبيع مع ” الفائض البشري الصهيوني ” بلغة أستاذنا عبد الوهاب المسيري-رحمه الله-باعتبار هذا الفائض امتدادا للنموذج الحضاري الأبيض، أو لهيمنة المصالح الغربية باللغة التي تروق للواقعية السياسية، وذلك في الحالة المغربية.

حري بنا أيضا، وفي سياق التحولات الدولية المستجدة وموقع قضية الصحراء فيها ومنها، استدعاء التاريخ الاستراتيجي الذي يعيد نفسه علينا، وذلك من واقع التدبر والاعتبار السياسي أمام سطوة أنماط التعليــل الجاهزة التي تنسب إلى كونها “واقعية”، ومن ذلك ما يتعلق باستدعاء الحالة الباكستانية التي كانت في صف الولايات المتحدة الأمريكية، والهند التي كانت على صراع معها، ليحدث بعد ذلك أن تنقلب أمريكا في الحرب الباكستانية الهندية القاسية سنة 1971، وفي آخر لحظة، على حليفتها باكستان لصالح عدوتها الهند. وذلك لأن المشروع كان مشروع تقسيم الباكستان بانفصال باكستان الشرقية عن دولة بنغلادش المستقلة.

في ذات الإطار، وفي إحالة على مذكرات هنري كسنجر في فصل الحرب الباكستانية الهندية الثالثة، ومحاولاته تبرير موقف الانقلاب الأمريكي على باكستان، يظهر بجلاء مدى تهافت التبريرات التي قدمها كسنجر، في مقابل أن كل الحسابات السياسية والأمنية والاستراتيجية والاستخباراتية كانت تلزم الولايات المتحدة الأمريكية بالاصطفاف إلى جانب باكستان.

هكذا يظهر أنه في مشروع تقسيم تلغى كل هذه الاعتبارات وينزل الغرب، كل الغرب، إلى عمقه الحضاري.

كما أنه في دراسة حول جهود المغرب في استرجاع سبتة ومليلية في عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، يظهر كيف استغل المغرب حرب العداء الشديد بين بريطانيا وإسبانيا، وتحالف مع بريطانيا التي تحكم آنذاك جبل طارق منذ 3 قرون، والتي كان في مصلحتها التحالف مع المغرب بحكم منحها جبل طارق رسميا، والذي كان ينازع فيه كما إسبانيا في مقابل استعادة المغرب لسبتة. غير أنه بعد الانتصار المغربي البريطاني على حامية إسبانية وبلوغ المغرب أقرب نقطة من سبتة، ودخول بريطانيا إلى عمق سبتة، جرى الانقلاب البريطاني على المغرب، بدعم الجيش البريطاني للاستعمار الإسباني ضد المغرب.

وفي هذا، كما الكثير من الحالات التاريخية والمستجدة، يظهر أن الغرب أجمع على لغة حضارية واحدة، وهي لغة التحالف والتواطئ الحضاري في التفاعل مع القضايا ذات الأبعاد الحضارية من قبيل قضية الصحراء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق