غير مصنف

الشعر الصامت:العمارة الإسلامية ودورها في التقارب الحضاري

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد..

فإن مما يحقق التواصل بين الحضارات هو ما تسعى لإنتاجه من أعمال فنية تترجم من خلالها فلسفتها للحياة ورؤيتها للأحداث، وتسطر بها في التاريخ درجة تفوقها الفني، ولحظة تفاعلها مع باقي المنجز الحضاري الموازي.

ومن بين أهم الفنون الحضارية التي تعمل عمل المرآة لتطور قيم الذوق والقوة للجماعات الإنسانية، نجد العمارة، أو ما نسميه بالشعر الصامت، الذي شكل أول لقاء بين الإنسان والمادة حسب هيجل، وهو في كل وقت علامة على مستوى التحضر بما يوفره من أجوبة فنية عن سلم الحاجات والضرورات وتحقيقه لأكبر قدر من الكماليات، وعلى قدر وفاء العمارة للشروط الفنية والحاجيات الأصيلة لصانعي الحضارة والثقافة ينعكس ذلك على “المتجلي” عمرانيا وجماليا في الفضاء الهندسي والتواصلي بين الحضارة الواحدة وغيرها من الكيانات الحضارية.

لا يجمل بنا أن ننسى أن ما تتميز به الحضارات عن بعضها في هذه الصناعة النوعية يكمن فيما قدمته من “قيم” وأضافته من اجتهادات لرفع هذا الصرح البشري القائم وهو العمران، فقد قامت كل حضارة على أسس أخلاقية وأنظمة سياسية ومعتقدات غيبية كان لها التأثير المباشر في بناء صورة العمارة ونوعية محيطها الحضري.

في هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم باسم مركز ابن غازي للابحاث والدراسات الاستراتيجية، للباحث المتميز محمد الخواتري، يراهن الكاتب الشاب من منطلق فكري وأخلاقي على أن واقع العالم المعاصر اليوم والموسوم بالنزاعات والتطاحن والحروب الدينية والفكرية والحضارية، يحتاج للبحث عن مشترك إنساني يكون قاعدة انطلاق للتقارب والحوار الحضاري، ولن تكون قاعدة أصلب من الفن باعتباره حاجة إنسانية وجسر تواصل.

في نظرة استشراف للمستقبل راهن محمد الخواتري على الفن بما هو “تأمل” وبما هو “متعة عقلية” كما راهن على التواصل وعلى الرمزي والأخلاقي في تجسير العلاقة بين بني البشر، الفن الذي يتطلع للمستقبل منفتحا على أسئلته وجديده، لكنه الفن أيضا الذي يمتح من تراث كل أمة لها تاريخ، التراث ليس باعتباره تركة باردةlegacy  Cold ولا مجرد موروث فلكلوري  Folkloric heritage،  بل باعتباره تقاليد حيةliving traditions.

الهوية البصرية للعمران تختزل تركيبا معقدا ومزيجا من عطاء الفكر في تفاعله مع التاريخ والأرض والمناخ والدين والمجتمع ومعاش الناس أو طريقة تدبيرهم للاقتصاد، وهذا العطاء هو الذي يمنح الهوية قدرتها التوصيلية والتواصلية في ذات الوقت، أي قدرة الهوية على أن تُعَبِّر عن نفسها، وتَعْبُر من الذات إلى الآخر ذهابا وإيابا، تَعْبُر بعد أن تترك الفكرة في المادة أثرها وصورتها، إذ إن الاتصال السيميائي – كما يقول رفعت الجادرجي – ضمن بنيوية العمارة، ودلالات المعاني، وظهورها وحركاتها وإيصالاتها ينتقل بسيرورات متعددة: من فكر إلى فكر، ومن فكر إلى مادة جامدة، ومن مادة جامدة إلى فكر.

لقد كان للمدينة العربية في التاريخ الوسيط طابع عمراني وهوية عمرانية (بغداد وفاس والقاهرة والقيروان وغيرها) تعكس فلسفة الوجود والإنسان ورؤيته النسبية المنسجمة لقيم الجمال والآخر والأخلاق، ولتنظيم مركب لقطاعات الاقتصاد والتجارة والصناعة والفلاحة وغيرها كما يؤكد المستشرق الفرنسي إدغار فيبر، بالإضافة إلى انسجام ذلك مع مناخ الجغرافيا العربية الذي كان ملهما لكثير من الإبداعات الهندسية، كان المسجد “الجامع” في قلب المدينة، لم يكن المسجد الجامع رمزا للعبادة والنسك فحسب، وإنما مركزيته كانت رمزا لمركزية سلطة العلم والمعرفة التي تحتل من المدينة قلبها، وحوله تتوزع وتنتشر في “خطط” متناغمة عنقودية – لها نظامها الداخلي المضمر- تتوفر على نهايات مغلقة، تنتهي بأسوار تشكل درع المدينة وحصنها في وجه الغزاة، كان “الجامع” هو المقابل العمراني لهندسة الأغورا اليونانية التي احتلت المركز من قلب المشروع الحضاري اليوناني.

من النتائج الحيوية التي خلص إليها بحث محمد الخواتري عبر تنقيبه التاريخي وتحليله الفني المقارن أن العمارة الإسلامية أثبتت ومن خلالها الفنون الإسلامية بشكل عام قدرتها على خلق الترابط الذي قطعته عوامل الاختلاف العقدي والفكري وتفاوت المرجعيات، ساهم في ذلك عوامل عدة من أبرزها انفتاح العمارة الإسلامية على ما أثله الفن المعماري الحضاري باعتباره مشتركا إنسانيا وجب الاستفادة منه والإضافة إليه، فظلت العمارة الإسلامية على مدى القرون الماضية خاصة زمن الازدهار في الشام والأندلس، جسرا رابطا بين الثقافات والشعوب مع احترام ومراعاة للخصوصيات والهوية.

في الختام نسأل الله تعالى أن ينفع بهذا العمل وأن يثيب الباحث محمد الخواتري على مساهمته العلمية في الدفاع عن المشترك الإنساني في زمن تستعر فيه نيران الحروب وتتعالى فيه الأصوات المنادية بالعنصرية والكراهية والغطرسة، كما نشكر له سعيه في إثبات قدرة الإنسان مفردا وجمعا عبر أساليب الفن أن يحقق التقارب الحضاري ويخلق حالة من التعارف الذي يفضي للسلام الإنساني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق