غير مصنف

الشريعة والتأويل الكوني: محاولة في استكشاف الأنساق(يونس الخمليشي)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين..

أما بعد، فإن كينونة الإنسان من خلال النظر المتعالي الذي يؤهل له القرآن الكريم، ترفعنا لمقام التمييز بين مرتبتين في الوجود: مرتبة وجود يتحكم فيها التاريخ ويجعلها من نسيجه، وأخرى خارج التاريخ، ينفلت فيها الإنسان من قبضته حين حين يدخل في علاقة مع فكرة “الأبدية” وحتمية العبور للحياة من عالم الشهود المحدود إلى عالم الغيب اللامحدود والذي يؤسس لما وراء التاريخ..

حين كتب سارتر مسرحية (لا مخرج)، كان يراهن على انقفال الأفق وعلى سقوط مروع للكينونة، لا خروج من الغرفة المغلقة، وعلى خلاف ما صورته الوجودية، تنفتح العين المؤمنة على عالم لا حدود له رغم كل إكراهات عالم الضرورة، لتعطي معنى لوجود الإنسان ولسعيه “الحر” نحو الحياة الحقيقية، وهو معنى الأسف الكاسر الذي يحكيه القرآن عن مرارة لا قرار لها (يا ليتني قدمت لحياتي).

في هذا الكتاب الذي نقدمه للباحث الشاب يونس الخمليشي بعد كتابه الأول (من الميتافيزيقا إلى الأنطولوجيا)، يحاول الفيلسوف الشاب أن يسائل النصوص المؤسسة في محاولة لإعادة تكييف المعرفة بالمطلقات في عالمي(الخلق والأمر) لتلائم التطور الذي شهده مجال الفهم الإنساني لموضوع “الإيمان” و”العلم” في ذات الوقت.

وبطريقة تذكرنا بهيرمينوطيقا بول ريكور الذي أعاد الاعتبار من خلال قراءته “المعلمنة” للتراث اليهودي، يجتهد الفيلسوف الشاب يونس الخمليشي في اجتراح طرق للمغامرة التأويلية بنفس “عقلي” و”إيماني” في ذات الوقت، يعيد من خلاله الاعتبار لموضوعات الميتافيزيقا الاسلامية عبر دفاع مستميت عن براديغم “الغيب” الذي ينزل منزلة الأساس النظري في المعرفة والإدراك والأساس العملي في السلوك والأخلاق، مستحضرا قدرته الذوقية على طريقة رينيه غينون للغة القرآن الذي يحفظه عن ظهر قلب، ويبذل جهده في الاقتراب من معانيه على طريقة “التفلسف”.

في كتابه “الفلسفة القرآنية” كان العقاد يرى العقيدة الدينية هي فلسفة الحياة بالنسبة لمن يؤمن بها، وأنها لا تعارض الفلسفة في جوهرها، وأن الفلسفة تصلح للاعتقاد كما تصلح العقيدة للفلسفة، واستشهد على ذلك بآيات كثيرة من القرآن الكريم يستخرج منها المسلم فلسفة قرآنية، لا تحول بينه وبين البحث في غرض من أغراض الفكر والضمير، وهو ما خاض فيه الباحث يونس في هذا الكتاب.

وإن كان هناك عبر تاريخ الفلسفة والدين على حد سواء من يميز بصرامة بين منطق الفلسفة ومنطق العقيدة، ومنهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وأسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة في تناول قضايا الحقيقة والوجود، إلا أنه لا يختلف اثنان في أن موضوعاتهما واحدة، مع ما بينهما من فروق وتباينات، لا يضر الفكر أن يعيد قراءتهما في إطار “المتصل” بعيدا عن “القطائع” و”المنفصل”، ففي الفلسفة التي هي “معقول” معتقدات (أي منقول) لا ينكرها إلا جاحد، وفي العقيدة التي هي منقول مجال لحياة المعقولات أو الفلسفات كما بين الأستاذ طه عبد الرحمن من خلال مشروعه الفلسفي.

كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط واحدا من كبار الفلاسفة العقلانيين الذين تأثروا  بالديانة اليهودية في صياغتهم الفلسفية داخل المدرسة الألمانية، فـالمتخصصون في فلسفته يعرفون من جهة تأثره بفلاسفة يهود، وإعجابه بالإصلاح الديني، ويعرفون كيف أنه وجد في التوراة مرجعا نهل منه مجموعة من مفاهيمه ورؤاه الفلسفية.

ولسوف يلاحظ القارئ أن الكاتب يميل بطبعه لتركيب العبارات وتنسيق الصياغات بشكل غير مألوف ومستغرب أحيانا، وهي طريقة وأسلوب في الكتابة يضرب نحو التعقيد في بعض الأوقات، قد لا يرتضيه البعض ممن يميل إلى غيره، ولكنه يبقى على كل حال اختيارا حرا لا يعدم فائدته خصوصا إذا توفر على قدر محترم من أناقة الفكر ومن تحقيق النظر.

في الختام نسأل الله تعالى أن يبارك هذا الجهد، وأن ييسر لصاحبه سبل الرقي بواحد من واجبات العصر، وهو الاجتهاد والتجديد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق