المقالات

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية (أبو يعرب المرزوقي)

كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما يسميه أميتها وجهلها أدركت أنه في الحقيقة يعبر عن اميته السياسية وجهله بحقيقة المطلوب من الجماعة لتقود نفسها. ولا اقصد بكلامي هذا التقليل من أهمية التعليم ولا من أهمية الوعي بالغايات البعيدة في سياسة الأمم.

وهذا الخطأ لم يكن موجودا حتى في الديموقراطية القديمة عند اليونان رغم أن الفلاسفة عامة كانوا مثل المثقفين من ادعياء الحداثة يزعمون أن الديموقراطية أفسد نظام لأنها تعتمد على الأغلبية وهي عادة عامية ونزواتية لأنها ليست متعلمة بالدرجة التي عليها هم بوصفهم يمثلون العقل والعلم التام بمعنى السياسي.

ورغم أن الحجة الفلسفية سقطت منذ أن أصبح التعليم شبه عام في جميع المجتمعات الحديثة سواء كان التعليم نظاميا -في المدارس-أو غير نظامي خارج المدارس بفضل انتشار وسائل التواصل والاعلام- فإن مثقفينا ما يزالون على وهم حيازتهم العلم اللدني الذي يعطيهم الحق في اعتبار الشعوب لا تفهم السياسة وتحتاج إلى وصايتهم.

ما أريد اثباته في هذه التغريدات هو أن “العامة” أكثر فهما لشروط دورهم في السياسة وحقهم في حكم أنفسهم من المثقفين الذين يدعون الحداثة أو حتى الذين يدعون الأصالة.
فهؤلاء يعتقدون كذلك أن علومهم التقليدية ضرورية لسياسة الشعب لنفسه.

وهو أمر يكذبه الدين لاعتباره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين.
فمهما كان العامي ناقص التكوين الفكري فله ما يسمى بالعقل السليم الذي يمكنه من معرفة أمرين ضروريين وكافيين يتجاهلهما المثقفون سواء كانوا تحديثيين أو تأصيليين:
أن السياسة ينبغي أن تتعلق برعاية مصالحهم الأساسية لشروط الحياة الكريمة والحرة.
أن السياسي الذي يقدر على رعايتها ويثقون فيه وينوبونه لتعتبر عن إرادتهم هو القوي الأمين.

والمعنى الأول

_رعاية مصالح الشعب أي شروط كرامته وحريته –
شرطه بقدرة الكفاءة على تحقيق هذه الشروط اجتهادا سياسيا.

أما المعنى الثاني
:

_أهلية تمثيل ارادتهم في الغايات البعيدة
فيتعلق بقدرة الأخلاق على جعل ذلك في المتناول جهادا سياسيا. وهما معيارا انتخاب القيمين على الحكم.

والمعنيان لا يحتاجان للاختصاص في الفلسفة ولا في الدين ولا في الاقتصاد ولا في الثقافة ولا في أي اختصاص يباهي به النوعان من النخب التحديثية والتأصيلية. تكفي معرفة المصلحة المباشرة (الحرية والكرامة) وانتخاب القادرين عليها كفاءة وخلقا.

ولهذه العلة فإن المبدأ الحقيقي للديموقراطية
ليس مستوى التعليم والاختصاص في المعارف
بل هو بالأساسي وعي الإنسان من حيث هو إنسان بمصالحه المباشرة وبشروط من يستحق أن يختاره نائبا عنه في تحديد المصالح غير المباشرة التي هي شروط المباشرة التقنية والخلقية.

ووعي الإنسان من حيث هو إنسان له مستويان:
-وعيه بشروط حياته الكريمة والحرة وهو أمر ملازم لشروط بقائه وخاصة بعد أن يصبح رب أسرة يعلم شروط الحفاظ عليها وتحقيق مطالب ذريته في حياته وبعدها قدر مستطاعه لسد الحاجات المادية والروحية بصورة فطرية يهذبها الاكتساب والتربية العادية.
-والوعي الثاني يحصل خلال الممارسة في علاج المستوى الأول بالتمييز بين من هم أهل ثقة ومن هم مطففون وغشاشون في المعاملات ومن ثم التمييز بين من يستحق الثقة لأمانته وصدقه من هو “بلعوط” يركب الشعارات ليجعل السياسة تجارة سواء باسم العقل أو باسم النقل فيكون على بينة لتمييز المؤهل للقوامة.

والنتيجة التي يجهلها المثقفون سواء كانوا علمانيين أو متدينين هي أن الديموقراطية أساسها ليس العقلانية بل كما يتوهمون بل تنسيب قدرات العقل بحيث يكون تعاون الجماعة بديلا شارطا للاستثناء من الخسر لأنه يجنبها الاخطاء الناتجة عن استبداد الفرد أو الأقلية بالرأي:
-الوعي المتبادل في الجماعة بخطر الرد سافلين
ويتفرع عنه
-الإيمان
-فالعمل الصالح
-فالتواصي بالحق لتجنب الخطأ بالاجتهاد
-فالتواصي بالصبر لتحقيق الصواب بالجهاد.

ولهذه العلة فالآية 38 من الشورى التي تعتبر الأمر أمر الجماعة وتعتبر أن من يديره هو الجماعة بالتشاور في ما بينها لم تشترط إلا شرطين أحدهما يعرف أصحاب الأمر والثاني يعرف المطلوب حتى لا تفسد العلاقة بينهم ليكونوا اخوة (النساء1) متساويين (الحجرات 13) شرطين للعيش المشترك والتسالم بينهم.

فالجماعة لا تعرفها الآية بما يطلبه التحديثي ولا التأصيلي أي بالاختصاص في مجالات الدنيا والدين بل بالاستجابة للرب أي باحترام ما يؤهل الإنسان للاستخلاف فيكون كل فرد حكما بينه وبين نفسه في الخير والشر: فمثلا لا يوجد من يجهل أنه مظلوم أو أنه ظالم في نزاع ما دون حاجة لعلم بالقانون.

العلم بالقانون ليس إذن لمعرفة الظلم والعدل بل للتحيل بالتمييز بين حقيتهما وظاهرهما القانوني. فيكون اللجوء إلى كفاءة المحامي ليس لمعرفة الظالم والمظلوم بل لفرض صاحب الحجج الاقوى وغالبا ما ننتقل من القيم الخلقية إلى القيم المادية فتصبح كفاءة المحامي وثروة الموكل مجال الصراع.

ولذلك تكلمت الآية على “الاستجابة” وهي إرادة حرة نابعة من الإنسان ويسميها ابن خلدون “الوازع الذاتي”. ومن دون هذا الوازع الذاتي لا يكون الوازع الأجنبي أي قوة السلطة السياسية محققا للعدل بين البشر من دون أن يكون المكلف بها على الأقل حائزا على وازع ذاتي فعلي ليستعمل الوزع الاجنبي.

أما العائق الذي يحول دون العيش المشترك والتسالم بين البشر بوصفهم اخوة (النساء 1) ومتساويين لاغ يتفاضلون بأي عالم آخر غير التقوى (الحجرات 13) فهو الرزق والتنافس عليه والتنازع بسببه. لذلك كان الشرط الغائي بعد الشرط المؤسس هو الانفاق من الرزق في وجوهه وقد حددتها الآية 177 من البقرة

وبهذا المعنى فإن كل ما تحتاجه الجماعة البشرية لحكم نفسها بنفسها ليس التكنوقراطية سواء كانت في سياسة الدنيا أو في سياسة الدين بل جملة من القيم التي تنتسب إلى شروط البقاء العضوي وشروط البقاء الروحي للإنسان من حيث هو إنسان وهي قيم فطرية لا تحتاج إلا إلى نوعي الخبرة اللذين ذكرت.
فلا يوجد إنسان يجهل شروط بقائه الاساسية ولا يوجد إنسان يعطي ثقته لم يعلم أنه كذاب وغشاش ومنافق وسارق إلخ… من الصفات التي لها كلها علاقة بالتنافس على شروط البقاء الأساسية التي دور السياسة المحافظة عليها لمنظوريها إذا كانت سياسة في خدمتهم وليست تحيل مافية حاكمة تستخدمهم.

المافية الحاكمة لا تستطيع الاستخدام مع الاعتراف به. لذلك فهي تحتاج إلى التغطية على تحيلها: والتحيل ضد حكم الجماعة لذاتها يأتي إما باسم التكنوقراط الدنيويين وهم أدعياء التحديث الكاريكاتوري أو باسم التكنوقراط الدينيين وهم أدعياء التأصيل الكاريكاتوري. فيتحالفان واقعا ويتناوشان ظاهرا

وما أقدمه هنا ليس مجرد صوغ نظري لما يجري في السياسة عندما تحرف لتصبح مشروطة بما يحول دون الجماعة وحكم نفسها بنفسها بل هو وصف شديد “الواقعية” لما يجري حاليا في بلاد العرب خاصة والمسلمين عامة: فمن يرفض الديموقراطية بحجة الامية وعدم الوعي هم من يحول دون الوعي الذي لا ينتجه غيرها.

فهم يضعون الشعوب في وضعية الدائرة المفرغة: إذا كان شرط الديموقراطية الوعي الديموقراطي وكان الوعي الديموقراطي لا يحصل من دون ممارسة الديموقراطية فإن الحصيلة هي أنه يستحيل على الشعوب الإسلامية أن تطبق الشورى 38 وسيبقون رهينة لدى تكنوقراط الدنيا والدين أداتي المافيات الحاكمة.


ولنشرح الآن مدلول الآية حتى نفهم علة تحريف علماء الملة مفهوم الشورى ليؤسسوا لتكنوقراطية الدين لأنهم جعلوها شورى العلماء عبيد الطغاة والتي لا تلزمهم بل هي من جنس النصيحة السرية. لكن الآية تقول عكس ذلك تماما: فالضمير في أمرهم يحيل إلى الجماعة التي استجابت لربها فرض عين عليهم جميعا

وإذن فأمرهم تعني “أمر الجماعة” التي استجابت لربها. وهي ترجمة حرفية لكلمة “راس بوبليكا” اللاتينية. إنها تحدد طبيعة النظام السياسي الذي ينبغي أن يكون “جمهورية”. لكنها لا تكتفي بذلك بل تضيف أسلوب هذا النظام في الحكم. فـ”شورى بينهم” “هم” تعني نفس الجماعة “شورى بين الجماعة” لتحدده.

وشورى بين الجماعة اسلوبا للحكم تعني باليونانية “ديموقراطية”. والمفهومان المحددان لطبيعة الحكم ولأسلوبه صيغا بمفهومين كانا موجودين في عصر نزول القرآن: الجمهورية مفهوم روماني والديموقراطية مفهوم يوناني. والقرآن جمع بينهما ليحدد معنى أمر الجماعة طبيعة للنظام وشوراها اسلوب الحكم.

وأكثر من ذلك فقد جعل هذين المعنيين شرطين في الإيمان وفي الانتساب إلى الأمة الخيرة: وذلك هو معنى الآية 104 من آل عمران انشاء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعنى الآية 110 منها خبرا عليه شرطا للانتساب إلى الأمة الخيرة. لكن التحريف جعل الأمر بالمعروف مجرد حسبة رسمية وشرطة دينية
وأخيرا فلا يمكن تصور الدين -على الأقل الإسلامي- من دون هذا التعريف الدقيق لمفهوم الدولة أو الوازع الخارجي في علاقته بمفهوم الضمير القيمي أو الوازع الذاتي-من دون ذلك: المسؤولية فردية بإطلاق والله لا يحاسب عن الاستبداد والفساد الحكام دون الشعوب الراضية بهما: تلك علة هلاك القرى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق