المقالاتغير مصنف

الحركات المجتمعية التغييرية بين الثَّبَاتِ والثُّبُوتِ(فؤاد هراجة)

كثيرا ما تُنْعَتُ الحركات ذات المشروع المجتمعي التغييري المؤسس على نسق نظري ثابت بالجمود والتصلب، وأنها تسير عكس طبيعة الأشياء في الكون التي تتسم ظاهريا بالتطور والتبدل والتحول. هذه الدعوى قد نحتسيها كرشفة حليب إذا لم نُعِر أهمية لضبط وتدقيق المصطلحات، أما إن كنا ممن يحفر على جذور المصطلح ويتوقف عند دلالاته فلن يُسَلِّمَ حتما بوجود ترادف لغوي أو اصطلاحي بين الثبات والجمود، كما لن يسلم أيضا بوجود تقابل بين الثبات والتغير. إن هذا التدقيق اللغوي سيقودنا إلى التساؤلات التالية:

– هل الثبات على قيم الحق وعدم القبول بالتعايش مع الفساد والظلم يُعَدُّ جمودا؟

– هل ثبات أي حركة تغييرية على ثوابتها القِيَمِية، التي تراها الأقرب إلى الحق والصواب، يعتبر جمودا وتصلبا؟

– هل التشبث بالمبادئ والقيم والقواعد العامة إبان الحراك والتنافس السياسي يعتبر جمودا؟

– هل الحركة والتغير معناهما أن تستحيل المبادئ والقيم مواقف سائلة كالماء الذي يبحث له عن أي مجرى، إلا أن ينحصر ويتوقف عن سيلانه ولو كان سينتهي به الأمر إلى مستنقع آسن يلوثه، أو صحراء قاحلة تجففه؟

كل هذه التساؤلات تَدُعُنَا دَعّاً إلى استنطاق المعاجم بغية فك المشترك من المعاني الذي غالبا ما يحصل بين المصطلحات بفرط الاستعمال الخاطئ لها. فعندما نعود إلى المعاجم نجد أن مصدر «ثبات» يعني الرسوخ، والتعلق الشديد، والاستقرار، والاستقامة؛ نقول ثبت في المكان أي أقام فيه واستقر، وثَبَتَ الأمر أي صَحَّ، وثبت الشخص أي صار ذا حزم ورصانة، والثبات هو التصميم والصمود والإصرا، وهو صفة الشخص الذي يداوم على الفعل ويواضب عليه بصبر وحزم وتَجَلُّد؛ نقول أُنْجِزَ الأمر بثبات أي بشجاعة وبفاعلية. ويعزز ابن مسكويه هذه التعريفات في كتابه ”تهذيب الأخلاق“ (ص21) بقوله: ”الثبات فضيلة للنفس تقوى بها على احتمال الآلام ومقاومتها“، أما بيرون فيعرف الثبات في معجمه النفسي أنه: ”قدرة النفس على الاحتفاظ بالنشاط الإرادي الذي يتطلبه العمل الطويل“. وكل هذه التعريفات تتواضع وتتوافق أن الثبات صفة إيجابية لا تعني البتة الجمود والتصلب، بل تسعى إلى تذويبه وكسره. ليقودنا بحثنا اللغوي إلى أن الناس عند نعتهم الثبات بالجمود، فإنهم يخلطون بين مصطلح الثبات ومصطلح الثبوت، فما الفرق إذن بينهما؟

 الثبوت يُعَرَّفُ بأنه: ” البقاء في موقف واحد وحالة واحدة مدة تتجاوز الحد السوي“. فالثبوت يتميز بالجمود والسكون والكمون، على حين أن الثبات يتسم بالحركة والنشاط والفاعلية المؤدية حتما إلى التحول والتبدل والتطور؛ فهو تدافع بين قوة الباطل وقوة الحق بما يستوجبه التدافع من ديناميكية منافية للجمود (هذه حقيقة فيزيائية). على ذلك، فإن التعلق الشديد بقيم الحق والدفاع عنها بصمود وفاعلية وشجاعة وحزم ورصانة وإصرار بغية إزهاق الباطل هو الثبات عينه! لهذا يُنعم الله على عباده بنعمة الثبات في قوله تعالى: «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». فالثبات على الحق ورسوخ القدم فيه، خاصة في زمن المحن والفتن والابتلاءات وطغيان الظلم والفساد، هو محض عطاء إلهي ومنحة ربانية يتفضل بها الحق عز وجل على كل فرد مؤمن أو جماعة مؤمنة استنفذت كل أسباب التدافع، تخطيطا وتنفيذا وتقويما. إن منحة الثبات الربانية لا تتحقق إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ومناجاته وإخلاص الدعاء له، طبعا بعد حكمة تدبير وقوة تنفيذ، ومراجعة دائمة للوسائل، لتعقبه سكينة ينزلها الله سبحانه في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمان مع إيمانهم. لماذا السكينة؟ لان النفس سريعة الملل والسآمة، والقلوب سريعة التقلب، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بثبات القلب فيقول: ” يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك “ رواه أحمد والترمذي. من ذلك نستشف، أن الثبات على الحق سرعان ما يتحول إلى حالة إيمانية ثم إلى حالة يقينية يتعلق فيها العبد بربه، فيفوض أمره إلى الله دون أن يتزحزح قيد أنملة عن مبادئ الحق وقيم الحق. وهذا اليقين المتولد عن الثبات الإيماني اليقيني لا يزيد الأفراد داخل أي حركة تغييرية إلا تحفزا للأخذ بالأسباب، والاجتهاد في تجديد وابتكار الوسائل الممكنة، إما لتحقيق الحق، أو على الأقل عدم الخضوع والإذعان للباطل بضغوطاته ومساوماته. إنني وإن كنت في هذا المقام الخاص أربط الثبات بالإيمان بالله وعونه وتأييده، فإنني أؤكد أن الثبات والإيمان وجهان لعملة واحدة، وقانون كوني ينطبق على كل البشرية، باعتبار أن الإيمان في جوهره هو التعلق بحقيقة مطلقة متعالية عن الواقع، من أخذ بها زودته بالحافز والدافع حتى يحقق هدفه المنشود.

إن مما ينبغي استخلاصه من هذا البناء الاستدلالي، هو ضرورة التمييز بين الثبات على الحق، وبين الجمود والتصلب على الوسائل والخطط، الذي هو في أصله اجتهاد قابل للصواب والخطأ، ومن تم قابل للمراجعة والتصويب والأخذ والرد، والنقد والتطوير والتغيير، على هذا الأساس لا يجب الخلط بين قيم الحق القطعية التي تستوجب الثبات عليها، والوسائل المادية والمعنوية المحققة لها، والتي تعد اجتهادات ظنية تقبل التغيير كلما ظهرت عدم فعاليتها؛ فالثبات في السياسية يكون على القطعيات المتمثلة في قيم الحق، فلا يُقبل مثلا من حركة مجتمعية تسعى إلى التغيير، تزكية الفساد والاستبداد والظلم تحت ذريعة تجديد مواقفها، أو ذرء نعتها ب «الجمود على الحق»، هنا فقط يلبس الثبات ثوب الثبوت، ويعتقد القاصر في فهم واقع الأشياء، أن الثبات على الحق مجرد جمود، في حين أنه في الحقيقة يقين يعزز الفاعلية والصمود والإصرار والحزم على تحقيق التغيير المنشود، أما الاستسلام والارتماء في دائرة الباطل، كلما طال أمد الصراع، بدعوى إزهاقه من الداخل، فلا يعدو كونه انتحارا في حق أي حركة اجتماعية ترفع شعار التغيير. فهل يعقل مثلا أن نتخلى على أساس البناء وركائزه بدعوى ضرورة التغيير وعدم الجمود؟ الجواب بنعم يعني هدم الحركة بناءها من الداخل! الوضع الوحيد الذي يقبل به نظام الفساد والاستبداد بأي حركة تغييرية داخل نظامه، أن تتجرد هذه الحركة من أسسها وركائزها، حتى يَسهُلَ على هذا النظام هدمها متى شاء وكيفما شاء بعدما هدمت نفسها بنفسها. هذا الصراع بين حقول السلطة هو ما بَيَّنَه عالم الاجتماع الفرنسي بيبر بورديو في ”نظرية الحقل“ حين أكد أن الحقول المستقرة(الثابتة) هي التي تُحْدِث التغييرات الكبرى، أما الحقول المتغيرة غير الثابتة فهي الأكثر استقطابا واحتواء من طرف حقول سلطة الدولة. لنقر في النهاية أن الثبات الحديدي لأي نظام سياسي على الاستبداد والظلم لا يَفُلُّهُ إلا ثبات حديدي يتمثل في صمود وثبات الحركة التغييرية على قيم الحق والعدل أمام الباطل والظلم، دون الاكتراث إلى عامل الزمن الذي يفتل حتما في صالحها؛ إذ لا يستقيم نشدان إزهاق الباطل الثابت رسوخ الجبال في الفساد والاستبداد بكتبان رملية تتحرك مع أي ريح لاحت. ولنا في صراع المقاومة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني خير دليل، فكلما صمدت المقاومة وثبتت على خطها المقاوم، رافضة كل أشكال التطبيع والمساومة، كلما اقتربت من النصر الأكبر، المتمثل في اجتثاث جرثومة «إسرائيل» المزروعة في جسد الأمة، عكس ما تفعله السلطة الفلسطينية التي تدعي المرونة وتجديد المواقف وعدم الجمود لينتهي بها الأمر إلى تحويل منظمة التحرير الفلسطينية المجاهدة المكافحة التي كانت تهز الكيان الصهيوني هزا إلى مجرد إدارة وشرطي يحرس أمن «إسرائيل»، وقس على ذلك كل حركات التحرر والتغيير التي سرعان ما تتحول إلى أداة طيعة في يد نظام الحكم الفاسد بعد تخليها عن الصمود والثبات على مبادئها، واختيارها اللعب داخل مربع السلطة الفاسدة، لينتهي بها الأمر إلى نفايات بعد ان استهلكتها هذه السلطة. إن الحركات التي غيرت مجرى التاريخ، هي الحركات التي لبست ثوب الثبات وصمدت وتحملت كل المحن، وأخلصت لمبادئها، واجتهدت في تجديد كل الوسائل الممكنة لتنزيل وتحقيق مشروعها الذي تؤمن به. إن معركة التغيير والتحرر ليست نزهة سياسية، إنها مشروع أجيال يقتضي تربيتها على الوفاء لقيم الحق، ليبقى الثبات هو طريق اليقين، ويبقى اليقين هو عنوان النصر، وصدق الله العظيم في قوله: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نَحبَه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

وزبدة القول، أن الوفاء والإخلاص للمبادئ والقيم والأسس والركائز، يعتبر ثباتا ودينامية وفاعلية، في حين يعتبر تقديس الوسائل المحققة لهذه المبادئ والقيم جمودا وتصلبا يستوجب التجاوز عن طريق الاجتهاد والتجديد والابتكار والإبداع. والجمع بينهما هو توحيد لما تفرقت عليه الفلسفة منذ فجرها الأول حين اختلف حكيمي الأنطلوجيا بارمنيدس وهراقليطس حول ثبات الكون أو تَغَيُّرِه، فكلاهما كان محقا، فالكون فيه قوانين ثابتة تضمن استقراره، وفيه مظاهر متغيرة تضمن حياته، فما أحوج الحركة المجتمعية التغييرية إلى الجمع بين ثابت يضمن استقرارها، ومتغير يضمن بقاءها.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق