المقالات

التفكير في الإصلاح (عز العرب لحكيم بناني)

كانت فكرة الإصلاح تولد في النفوس مشاعر الأمل في مستقبل زاهر، وارتبطت بفكرة التطلع إلى تحقيق التنمية والتقدم، سواء كانت فكرة الإصلاح وافدة من فكر النهضة أو الحركات الوطنية أو أو تيارات التجديد في الفكر والدين والمجتمع. بهذا المعنى كان الإصلاح مقبولا من الجميع، فهو حد أدنى من المطالب الاجتماعية لا يدعو إلى الثورة ولا يرفض الجرأة في مواجهة الجمود. ما دام الإصلاح فكرا وسطيا وواقعيا لا يحلم بحلول طوباوية ولا يرفع سقف المطالب إلى حدود قصوى غير معقولة أصبح الإصلاح مدخلا أساسيا إلى التفكير في الإدارة والتعليم والاقتصاد.
ارتبطت فكرة الإصلاح إذن بالحاجة إلى التغيير وتجاوز الجمود والترهل الذي تعرفه البنيات الاقتصادية أو التربوية. غير أن الإصلاح قد اقترن هنا بفكرة حد أدنى من المطالب التي يمكن الاستجابة لها في البداية، على أمل الرفع من سقف المطالب شيئا فشيئا. هذه الرؤية التي تكتفي بالحد الأدنى minimaliste هي الرؤية التي يعتمدها المسؤولون على التربية والتعليم في بلادنا وهي الرؤية التي يعتمدها المسؤولون اليوم في أفق البكالوريوس. والحجة المعتمدة معروفة وهي أننا لا نستطيع أن ننتظر تحقق كل الشروط الموضوعية والموارد البشرية والتجهيزات الأساسية. في هذه الحالة يجب أن ينتظر الإصلاح سنوات إضافية. في المقابل، بدأت فكرة الإصلاح لدى المثقفين والأساتذة والطلبة تعرف انزياحا دلاليا ومعجميا. فقد ارتبطت في البداية ببعد ثقافي عام وبتغيير الذهنيات ومحاربة الجمود والتخلف. من هذا الجانب الذي يحارب الجهل لا يرفض الإصلاح إلا اخرق. ولا احد يعترض على الإصلاح بما أن أفعال العقلاء منزهة عن العبث. وبطاذا كنا نجد من بين الشركاء الأساسيين في المسلسل التربوي من يشكك في الإصلاح، فمعنى ذلك هو أن الإصلاح لم يعد يقترن في الأذهان بفكرة النهضة والتقدم بل أصبح يرتبط بفكرة قبول حلول دنيا لا تستجيب للمطالب الكبرى المرفوعة و لا تعير اهتماما كافيا للمعيقات الواقعية ولا للأهداف الأساسية الموضوعة على كاهل الجامعة. علاوة على الرفع من حجم المطالب المادية المرتبطة بميزانيات التسيير والتجهيز والاستثمار يعود بنا المثقفون إلى مطلب كبير يمثل حدا أعلى من المطالب التي لا يجوز التغاضي عنها وهو أن الجامعة مؤهلة لتكوين الإنسان ونشر المعارف الأساسية في تخصصات كبرى لا ترتبط مباشرة بسوق الشغل. هذا الحد الأقصى الذي يحلم به المفكرون يربط الجامعة بالتراث الفكري العالمي ويربط الجامعة بتراث الإنسانية ماضيا وحاضرا. تربط الجامعة التراث الفكري للإنسانية بحاضرها ومستقبلها، لأن البشر يموت والفكر يبقى. غير أن المسؤولين على قطاع التربية و التعليم لا يعترضون على هذا الطموح المشروع، ولكنه طموح يريد تحقيق حد أقصى maximaliste لم تعد الدول قادرة على الاستجابة له بعد ظهور تخصصات جديدة في التنمية الذاتية والمهارات والتواصل وبيع الأفكار وتسليع الثقافة. حلم المثقفين حلم مشروع ولكنه يصطدم باشكاليات تمويل الجامعة وتخريج الشباب العاطل وفتح آفاق جديدة في سوق الشغل. وهكذا نجد شرخا كبيرا بين أيديولوجيتين مختلفتين: أيديولوجيا براغماتية تعتبر أنه بإمكاننا فتح شعبة بأستاذ واحد وفتح كلية بشعب ومسالك قليلة وفتح نواة جامعية بتجهيزات متواضعة في البداية، ثم تكبر تلك البنيات النووية مع الوقت. فلو أننا انتظرنا تحقيق المطالب الكبرى لما ظهرت شعب ولا كليات ولا جامعات. من جهة ثانية، يعتبر المدافعون عن الجامعة التقليدية، كما هي معروفة في العالم، أن دور الجامعة هو التدريس والبحث العلمي وخلق أجواء الابتكار في الفكر والثقافة والعلوم. كما أن الباحثين أنفسهم والعلماء والمفكرين هم من يضعون أهداف الجامعة وادوارها بشكل مستقل يراعي خصوصية الوظيفة العلمية المستقلة للجامعة. هل يرفع الأساتذة بهذا المعنى من سقف المطالب؟ هل أصبح هذا المنظور طوباويا أمام المنظور البراغماتي الذي يبحث عن حلول مستعجلة قابلة للتحقيق على المدى القريب؟ يقدم كل طرف حججه التي تبين وجاهة الحلول التي يقترحها. يمكننا أن نناقش هذا الشرخ الثقافي كما نشاء، غير أن طوفان الحلول البراغماتية أصبح مهيمنا حتى في بعض أرقى الجامعات التي نستند إليها في الإصلاح، وهو اصلاح نحتاج اليه فعلا، ولو أننا نحتاج إلى إجماع جميع الشركاء بخصوص طرق تنزيله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق