المقالات

الأثر نفس مرضية للحجر الصحي -الجزء الثاني ،ترجمة :عياد بوكوراين

لقد أبانت الدراسات المرتبطة بعلم النفس المرضي وبالمحددات المعرفية والوجدانية لنزعة الملل أن هذه النزعة ترتبط بشكل إيجابي على مستوى أعراض كل من الاكتئاب والقلق. ومن ناحية أخرى، فإن الملل يبدو جليا عند الأشخاص الذين يعانون من عجز الانتباه المستمر. وبالنسبة للمرضى الذين يعانون من اضطراب عجز الانتباه مع أو دون فرط النشاط (TDAH) فإن الملل، عندهم، يصل مستوياته الأعلى وقد يساهم خلل التحكم الانتباهي (أو التحكم الداخلي المنشأ) في نزعة الملل. وفي سياق فيروس كورونا المستجد، كان زهانج وآخرون قد توصلوا إلى أن الرضا بالحياة هو قليل الأهمية بالنسبة للأشخاص الذين هم في وضعية الحجر الصحي والذين يمارسون تمارين رياضية لمدة لا تقل يوميا عن 2.5 ساعة. ويوحي عدم الرضا هذا أن الملل كان يظهر ببساطة عند الأشخاص دائمي النشاط ولكن اضطروا فجأة إلى توقيف نشاطهم المعتاد وبالتالي إلى الخمول البدني. وارتبطت نزعة الملل أيضا بأدنى قدرة للمشاعر السلبية: فالأشخاص الميالون للملل يشعرون في الواقع بأحاسيس عدم الرضا والحرمان والغضب بباسطة أكبر. والنتيجة السلوكية للملل مزدوجة: فهي تتميز بزيادة في سلوك العدوانية والانفعالية من جهة، ومن جهة أخرى بالبحث عن مشاعر للهروب من الإحساس بالملل كالسلوك الإدماني: تناول المواد والقمار وفرط النشاط الجنسي… ولذلك قد يكون الملل، جزئيا، مسؤولا عن زيادة السلوك الإدماني الملحوظ حالة الحجر الصحي.

وبغض النظر عن العوامل النفسية المُمْرٍضة، فإنه من المثير للاهتمام التأكيد على أن نزعة الملل تبدو ضعيفة لدى الأشخاص الذين يتوفرون على تقدير جيد لذواتهم وقدرات على ضبط نفوسهم ولهم استعدادات للاهتمام بما يفعلون وإعطاء معنى لحياتهم. وتتنامى هذه القدرات، بطبيعة الحال مع تقدم العمر، مما يفسر انخفاض نزعة الملل وبالتالي يمكن أن نحدد العوامل الشخصية التي تقي من نزعة الملل.

ويمكن أن نتساءل، بالإضافة إلى ذلك، إذا ما كان انعدام التلذذ الاستباقي المرتبط بمتلازمة الذهان السلبي أو خلل الاستبصار قد يلعب دورا وقائيا في الشعور بالملل الناجم عن الحجر. وينبثق هذا التساؤل عن مقابلة بعض المرضى المصابين بالفُصام ومتلازمة سلبية جلية والذين يقولون بأنهم لا يشعرون بأي ملل في حين أنهم يعيشون حياة في ظاهرها على الأقل حياة سيئة للغاية ذات طابع طقوسي وخالية نسبيا من العلاقات الاجتماعية. ويُظهر هذا التساؤل قوة تعقيد أعراض الحجر في حالة الذهان كما تشير لذلك أيضا أعراض العزلة نفسها وقلة العلاقات الاجتماعية. 

الحجر وقلة العلاقات الاجتماعية والأعراض الذهانية المحتملة

تتجاهل الأدبيات المرتبطة بعلاقات الصحة النفسية ووضعية الحجر الناجمة عن وباء “كوفيد 19” سؤال الاضطرابات او الأعراض الذهانية. وفي الوقت الراهن، لم يتم تصنيف أي معطى أو إذاعته في الأدبيات المرتبطة بهذا الموضوع في حين أن أبحاثا عديدة أشارت إلى الآثار النفسية فيما يتصل بالأعراض الذهانية والعزلة الاجتماعية وذلك في إطار سياقات جد مختلفة للعزلة الفردية أو ظروف جد قاسية للاعتقال بالسجون أو البعثات القطبية أو الغواصات أو السفر إلى الفضاء أو بعض أوضاع الجنود أو أيضا عزلة المرضى في وحدات الإنعاش الطبي.

ولقد اهتمت بعض الدراسات بآثار الحجر عند مجموعات صغيرة (تتكون من شخصين إلى ستة أثناء البعثات سواء القطبية أو في الغواصات أو في الجزر) كما أنها أبرزت ارتفاع الهذيان والهلوسة من بين أعراض نفسية أخرى. ويبدو من المهم توضيح أن هذه الأعراض قد تمت ملاحظتها عند أفراد تم انتقاؤهم سلفا نظرا لاستقرار حالتهم العاطفية والنفسية والذين تم تدريبهم لمواجهة هذه الظروف القاسية مثل البعثات القطبية أو في الغواصات. ويبدو أن المجموعات المكونة من شخصين كانت أكثر عرضة لخطر تنامي الشعور بالهذيان. ولقد ارتبط تنامي الأعراض النفسية بمدة الحجر لكنها تختفي، ومن ضمنها عموما الأعراض الذهانية، عند انتهاء هذا الأخير (الحجر).

ولقد تناولت سلسلة من الدراسات آثار العزلة (الحبس الانفرادي) بالمؤسسات السجنية بحيث أن نظام السجون الأمريكية قد لجأ، لسنين عديدة، إلى هذا الإجراء كوسيلة لمعاقبة السجناء. ولقد أبرز هذا الإجراء الصارم المعتمد في السجون (سجين وحيد في زنزانة مع محفزات بيئية وتفاعلات اجتماعية تقتصر عل الحد الأدنى) النتائج الكارثية لصحة السجناء العقلية. ولقد تضمنت اللائحة السريرية (اللائحة الدقيقة، قدر الإمكان، للخصائص والأعراض والعلامات المرضية التي يمكن ملاحظتها سرسريا) المسماة أيضا بمتلازمة وحدة الإسكان الآمن حالة اضطرابات مربكة مقترنة بأفكار وهمية (الهذيان) وظواهر الهلوسة (عند 40% من الأفراد) ولكن أيضا توثر قوي واندفاع وفي غالب الأحيان نوبات من العنف ذاتية المنشأ. وقد لاحظ “غراسيان” وبشكل خاص أن هؤلاء السجناء كانت تظهر عليهم حساسية مفرطة إزاء المثيرات الخارجية وكانوا يتصفون بخلل في الإدراك وخبرات تبدد الواقع (او تبدد الحقيقة أو المحيط). وتجدر الإشارة، هنا أيضا، أن هذه الأعراض كانت دائما ما تلاحظ عند الأفراد الذين لم يكن لديهم سوابق أمراض عقلية.

ولقد حدد “غراسيان” و”فريدمان” عدة عوامل لها تأثير على آثار الصحة العقلية للسجن الانفرادي (العزلة السجنية): درجة الحرمان الحسي ومدة السجن الانفرادي (العزلة) وإدراك السجين المنفرد لأسباب حجره (عزلته) بالإضافة إلى الشخصية والأداء السوسيو نفس معرفي للأفراد المسجونين.

ولقد أتاحت دراسة طولية حديثة أجريت على عينة عشوائية من السجناء، بعد موافقتهم، من التحقق من نتيجة ظروف العقوبة السجنية بالنسبة للسجن الانفرادي والسجن الجماعي. ولقد أثبتت النتائج أن السجن الانفرادي كان بالأساس يتسبب في القاق والاكتئاب مع زيادة في الاعتلال العقلي مقارنة مع السجن الجماعي (29% مقابل 15%). ولقد تنامي لدى العديد من المتطوعين نوبات من الهلوسة البصرية بعد مرور ثلاثة أسابيع (6 من أصل 37) غير ان الاضطرابات الذهنية المرتبطة بظروف الحبس الانفرادي الحديثة في الوسط السجني قد ظلت ضئيلة. وتجر الإشارة إلى أن عددا قليلا من المشاركين قد تم تقييهم بعد مرور ثلاثة أسابيع من السجن الانفرادي.

ولقد اقترح “هوفمان” نظرية نقص نشاط الأجهزة الحسية التي تنص على أن السجن الانفرادي قد يحدث خللا في المنبهات الحسية التي تصل إلى الدماغ بشكل مماثل لآثار فقدان الحواس. ويفترض “هوفمان”، بناء على دراسات أجريت على الحيوان، أن عزلة اجتماعية صارمة خلال فترات من التطور قد ينتج عنها إعادة تشكيل الدماغ خاصة على مستوى القشرة الترابطية. ويسمح هذا التماثل بين الحرمان الاجتماعي والحسي بإنشاء رابط مع أدب الحرمان ويتيح بشكل أفضل فهم الآليات التي من المحتمل تؤدي إلى هلوسات في ظروف العزلة.

لقد نشأت علاقات واضحة بين نقص نشاط الأجهزة الحسية والهلوسات منذ سنوات عديدة وبالخصوص في حالات الفقدان التام لحاستي البصر أو السمع. ويتعلق أحد الأوصاف الأولى “بمتلازمة شارل بونيت” التي تتمثل في الهلوسات البصرية لدى الأشخاص الذين فقدوا حاسة البصر. وقد يحاول الدماغ، وبالطريقة نفسها في حالة العنصر الوهمي، معالجة نقص المعلومات الحسية الواردة اعتياديا من الوسيلة الحسية العاجزة أو المفقودة بفرط إثارة عصبية، وهو بهذا المسؤول عن الهلوسات. وتظهر، على حوالي ربع الأشخاص الذين يعانون من عجز سمعي أو بصري، الهلوسات حالة نفس الوسيلة الحسية وهذا في غياب خلل في التفكير أو أفكار وهمية.

ويمكن فهم آثار الحرمان على ضوء الوظيفة الحسية، ذلك أن فك شفرة المعلومة الحسي لا يتطلب فقط دمج ثم تأويل الإشارات التي تصل إلى الدماغ ولكن يتعلق الأمر، أيضا، بحل الالتباسات المرتبطة بالمعلومات التي تحيط بنا وبالتأقلم مع البيئة التي تتغير باستمرار. ولمعالجة هذا المشكل، فإن المعطيات الواردة ليست كافية مما يستلزم، أيضا، استغلال المشهد الذي نحن بصدده او المحادثة الجارية. ولقد تتغدى هذه الفرضيات (أو البديهيات) على تجربتنا وتعدل الإدراك. ويسمح توازن المعلومات الواردة والبديهيات من منح المعلومة معنى وحل الالتباسات (عندما تختبئ أشياء في الصدارة وراء أخرى او عندما يكون تشويش في المحادثة التي نحاول متابعتها). ويؤدي عدم التوازن بين المعالجة الحسية والبديهيات إلى إدراك خاطئ للمحيط وقد يمكن أن يكون وراء الهلوسات.

إذا كانت ظروف الحجر الحالي قادرة على أن تقودنا للتفكير على خطر الهلوسات قد تقلص إلا أن الطلبة المحجورون في مساكن ذات مساحات ضيقة أو الأشخاص المتقدمون في السن (العجزة) في حالة عزلة والذين يعانون من عجز حسي قد يكونون عرضة للخطر.

قد تكون بعض التجمعات السكانية أكثر عرضة للخطر من خفض الاتصالات الاجتماعية التي قد يؤثر أيضا على المسارات المندمجة للنمو العقلي. ولكي يتم تفسير العواقب الوخيمة لظروف معينة من العزلة على المعتقلين فإن “هاني” يؤكد بشكل خاص على الأشخاص يعتمدون على التواصل الاجتماعي مع الغير لكي يختبروا ويتحققوا من إدراكهم للبيئة والعالم الذي من حولهم. وقد تمنع عزلة السجن المعتقلين في الانخراط في هذه المسارات من “الاختبار الاجتماعي” للواقع لدرجة قد يصير الغياب التام للتواصل الاجتماعي تمييز ما هو حقيقي وغير حقيقي (مراقبة الواقع) او ما هو داخلي وخارجي (مراقبة المصدر) أمرا جد صعب. وينشأ عن هذه الظروف ظهور أعراض ذهانية مثل الهلوسات وتغيرات في الإدراك أو تجارب تبدد الواقع. ومع ذلك وفي غياب المعارف حول أثار الحجر على الهلوسة يجب أن نتوخى الحذر في استنتاجاتنا لأن المعطيات المتاحة تظل متباينة كما أن العلاقة السبية بين العزلة الاجتماعية والذهان تقتضي مرة أخرى أن يتم تأكيدها.

ت

يبشر التتبع الدقيق للمرضى الصابين بالفصام بأن عواقب الحجر لهؤلاء المرضى سوف تكون معتدلة ذلك أن العديد منهم لديه ميل جد واضح ليعيش عيشة تشبه الحجر وبالتالي فهم يشعرون بتفاوت بالنسبة لوتيرة الحياة التي يزاولها النشيطون. لقد ولد الحجر لدى بعض المرضى إحساسا بالاعتيادية: «الآخرون ملزمون بالعيش كما أعيش دائما»، ويؤكد مريض آخر على أن النشيطين عندما تم حجرهم في منازلهم أصبحوا أكثر إتاحة لمهاتفتهم.

ومع ذلك، فالهلوسات ليست حكرا على مرضى الفصام بل يمكن مصادفتها في حالات مرضية أخرى (باركنسون ، الزهايمر ، الصرع) وربما في حالات منعزلة. وسوف يكون مهما تقويم الظهور المحتمل لأعراض الهلوسة أو الهذيان لدى أشخاص معرضين للذهان أو أيضا في عموم الساكنة. إن الإفصاح عن هذا الخطر يؤكد على أنه موجود وأنه ليست له بالضرورة صلة بي حالة مرضية معيقة، وأنه سوف يساهم بعدم التشهير بهذه الأعراض وسوف يسمح للذين كانوا يعانون منه الحديث وعيادة الطبيب. ولقد افترح “بادكوك” وآخرون أن الهلوسات لدى الأشخاص المسنين كان يقلل من قيمتها بسبب ترديد الحديث عنها كما لا يمكن لغياب التحقيق في هذه الأعراض في الدراسات المنشورة لحد الآن إلا أن يساهم في إدامة هذا المحظور. وفي هذا الصدد يمكننا أن نؤكد على مبادرة موفع (http://www.chu-lille.fr/chess) المخصصة لمساعدة الأطفال والمراهقين على تدبير هلوستهم أثناء الحجر.

لقد وصفت الأعراض التالية بشكل جيد في الأدبيات بحيث تمثل كلها نقاط اليقظة خلال وبعد فترة الحجر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق