المقالات

ابن تيمية والسبكي وابن خلدون: رؤى إصلاحية(عبد الله الطحاوي)_4_

رؤية خلدونية
رغم أن ابن خلدون كتب ‘المقدمة‘ وتاريخه ‘العِبر وديوان المبتدأ والخبر‘ قبل وصوله إلى مصر عام 784هـ/1382م للاستقرار فيها، وإن زاد في عمليه كثيرا هناك ونقحهما؛ فإنه عقد فصلا في تاريخه عنونه بـ”الخبر عن دولة الترك (= المماليك) القائمين بالدولة العباسية بمصر والشام من بعد بني أيوب ولهذا العهد ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم”.وتحدث مؤرخنا في هذا الفصل عن تدرج الأتراك في سلم المجتمع الإسلامي، بداية من عملهم في الصنائع والمهن، مرورا بانخراطهم في الجيوش جنودا مقاتلين، ودخولهم دواوين الحكم مديرين وكتبة مثقفين، وانتهاء بتبوّئهم أعلى مناصب السلطة العسكرية والسياسية قادة وسلاطين، وخاصة في مصر بعد نهاية الدولة الأيوبية فيها عمليا بمقتل الملك المعظم توران شاه الأيوبي سنة 648هـ/1250م وتسلم مماليكها السلطة بدءا من السيدة شجرة الدر (ت 655هـ/1257م).

ولعل وضع ابن خلدون في مصر بوصفه ضيفا لاجئا وإيثاره السلامة جعلاه لبقا في حديثه المقتضب عن المماليك؛ فهو يرى أنه كان “من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بإحياء رمقه، وتلافى شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه، بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها الغزيرة المتوافرة أمراء حامية وأنصارا متوافية”، مؤكدا أن “أكثر.. الترك الذين بديار مصر من القفجاق (= قبيلة مغولية)”، وجاعلا “لملوك الترك بمصر… الفضل والمزية بما خصهم الله من ضخامة الملك وشرف الولاية بالمساجد المعظمة وخدمة الحرمين”.

أما ‘المقدمة‘؛ فقد كتبها ابن خلدون وهو على مشارف تاريخ يلملم أوراقه، إذ كان يكتب وهو يعرف أن عالمه الإسلامي يقف على الحافة بعد أن “نادى لسانُ الكون في العالم بالخمول” الذي كان ينتظر حضارته، ولم يذكر فيها دولة المماليك إلا عرضا عند حديثه عن وظيفة “الحاجب” وصناعة “الطراز” (= زخرفة الملابس السلطانية) في عدد من الدول، فذكر ما جرى به العمل فيهما بدولة المماليك.

لقد كانت ‘المقدمة‘ إجابة تفصيلية عن أسئلة ابن المقفع الأربعة، لكن ابن خلدون أجاب عنها بطريقة مختلفة مركزا على سؤال الحضارة ومتحدثا عن الدول صعودا وهبوطا، وكيف تنسلخ الدولة من الأخرى بإكمال دورتها العُمُرية مثل الإنسان الذي يولد فيكبر ثم يهرم فيموت، وإذا “انتقض عمران الأرض [فذلك] بانتقاض البشر”.

إجابة حضارية
كان ابن خلدون يريد أن يشخّص بدقة ما الذي حدث للحضارة العربية الإسلامية؟ وحينما يكون السؤال على مستوى الحضارة تصبح الإجابة على مستوى الدين والعوائد والسياسة والاقتصاد والمعارف، وطبيعة العمران الاجتماعي، والتكوينات الاجتماعية والدوافع العصبية، وقد حفل الكتاب بالرؤى عن كل ذلك، وعن العلاقة بين أرباب رأس المال وأصحاب السلطة، وبين المثقفين والعسكريين، وعن تاريخ العلوم وانماط عمل الوظائف والصناعات.

لقد كانت “العصبية” مادة ابن خلدون الذهبية التي فهم من خلالها كيف صعدت الدولة العربية المضرية، ثم كيف ضعفت من داخل جهاز الدولة نفسها باستخدام الموالي والأرقاء، راصدا لحظة ظهور العصبية العجمية وخاصة التركية القائمة على شرعية القوة العسكرية، والتي آلت إليها مصائر الحكم في معظم وأهم أصقاع الإسلام.

وتبدو ‘المقدمة‘ كقرص ممغنَط شديد التكثيف مهّد فيه ابن خلدون الطريق لفهم أن الحضارة هي شيء أكبر من دولة ومن مذهب ومن عرق، وعندما كتب ‘المقدمة‘كانت الحضارة الإسلامية في أشد لحظاتها تراجعا، فقد “تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره، وكأنه خَلْق جديد ونشأة مستأنَفة وعالَم محدَث”.

لقد كان هذا هو الوقت المثالي ليدوّن قصة الحضارة، حيث “احتاج [الناس] لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنِّحل التي تبدلت”. وبالتالي فقد أجاب ابن خلدون على أسئلة ابن المقفع بشأن طرق “صلاح الراعي والرعية” في زمنهما الرابع إجابة حضارية، ذاهبا إلى خضوع الحاكم وشعبه لسنن تاريخية وقواعد اجتماعية، هما نتاجها وهما مادتها وأدوات الفعل فيها.

فهل رمى مؤرخنا العظيم ولي الدين ابن خلدون الحضرمي -من وراء ما نظّر له في ‘المقدمة‘- إلى تقديم قواعد حضارية يمكن لدول عهده -بما فيها دولة المماليك- والدول اللاحقة الأخذُ بها لإصلاح الأوضاع المتدهورة، وتأخير السقوط أطول فترة ممكنة –على الأقل- إن تعذّر تحاشيه بالمطلق؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق