المقالات

إسرائيل وإفريقيا: الانقسامات والمصالح(حكيم ألادي نجم الدين)_1_

يجب اعتبار الأزمة الناتجة عن محاولات إسرائيل اختراق منظمة الاتحاد الإفريقي المتتالية فرصة للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي لإعادة النظر في لوائح منح الكيانات والمنظمات غير الإفريقية صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، ومراجعة حقيقة هذه الصفة وكيفية مساهمتها في أهداف الكتلة القارية.

لم يخلُ الاتحاد الإفريقي، كغيره من المنظمات الإقليمية والقارية، من الانقسام الداخلي بسبب محاولات هيمنة دول أو إقليم وفرض موقف معين وقضايا أخرى. ولكن الأزمة الأخيرة داخل الكتلة القارية الإفريقية جاءت بعد قرار اتخذه رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي “موسى فكي محمد”، في يوليو/تموز 2021، بمنح إسرائيل صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي؛ الأمر الذي استدعى مقاومة ومعارضة شرسة من قبل مجموعة من الدول التي طالبت بالتصويت على القرار في مؤتمر الاتحاد الإفريقي الأخير المنعقد في فبراير/شباط 2022، على أمل أن يلغي التصويت العام من قبل الدول الأعضاء هذا القرار.

على أنه في 6 فبراير/شباط الماضي (2022)، قرر الاتحاد الإفريقي أثناء قمته تأجيلَ المناقشة والتصويت على قضية وضع إسرائيل كمراقب في الكتلة، وذلك لوجود قضايا أخرى قائمة وبالغ الأهمية مثل أزمة كورونا وتداعياتها في القارة وعودة الانقلابات العسكرية ببعض الدول الإفريقية. وبالتالي، يعني تعليق النقاش والتصويت حول القضية انتصارًا آخر للدبلوماسية الإسرائيلية، كما يعني أن الموضوع ستُعاد مناقشته مرة أخرى في قمة الاتحاد الإفريقي القادم في عام 2023.

وقد أعلن “ماكي سال”، رئيس السنغال ورئيس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، عقب القمة الأخيرة “تشكيلَ لجنة خاصة ستتكون من ثمانية رؤساء دول وحكومات وستقدم مقترحاتها في القمة المقبلة”، وذلك من أجل التوصل إلى اتفاق حول القضية. وستضم هذه اللجنة جنوب إفريقيا والجزائر اللتين عارضتا قرار “فكي” لاعتماد إسرائيل، وكذلك رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية اللتين أيدتا القرار. إضافة إلى الكاميرون التي طلبت أن تكون عضوًا في اللجنة، ونيجيريا التي طلبت جنوب إفريقيا أن تكون ضمن اللجنة.

علاقات إسرائيل مع إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى

يمكن تتبع علاقات إسرائيل مع إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى أواخر الخمسينات من القرن الماضي عندما اعترفت إسرائيل، في عام 1957، باستقلال غانا. وفي عام 1958، عندما تأسست الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي “ماشاف” (Mashav) لدعم الدول الإفريقية المستقلة الناشئة. وقد أُنشِئت في عام 1963 أول سفارة إسرائيلية في نيروبي بكينيا. وتعد إثيوبيا حليفها الرئيسي بسبب المصالح السياسية والدينية رغم انقطاع العلاقات بين الجانبين عامي 1973 و1989.

وعلى مستوى الاتحاد الإفريقي؛ منحت منظمة الوحدة الإفريقية التي سبقت الاتحاد الإفريقي إسرائيل صفة مراقب. ولكن إسرائيل فقدت هذه الصفة والمكانة عندما حُلَّت المنظمة القارية في عام 2002 لتحل محلها المنظمة الجديدة في عباءة الاتحاد الإفريقي. ومنذ ذلك الوقت تحاول إسرائيل استعادة تلك الصفة مع معارضات قادَتْها جنوب إفريقيا وليبيا تحت زعامة الزعيم “معمر القذافي” الذي هدد بوقف الدعم المالي الليبي في حال منح إسرائيل تلك الصفة. وتقدمت إسرائيل في كل من عام 2003 وعام 2016 بطلبٍ دون نجاح للحصول على هذه الصفة.

ويفضي تتبع سجل الزيارات والتبادلات بين إسرائيل والدول الإفريقية إلى القول بأن أقوى علاقات إسرائيل في القارة هي مع دول في غرب ووسط وشرق إفريقيا؛ إذ لدى إسرائيل حاليًّا علاقات دبلوماسية مع 46 من 55 دولة عضوًا في الاتحاد الإفريقي. والقرار الأخير من قبل الاتحاد الإفريقي بمنح إسرائيل صفة مراقب لم يكن سوى خطوة جديدة لتلميع صورة إسرائيل ومحاولة لتعزيز علاقاتها مع القارة مرة أخرى.

ولم تكن التطورات الأخيرة أيضًا بمنأى عن الجهود السابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”؛ إذ كثفت إسرائيل حملاتها بإفريقيا تحت قيادته؛ ففي يوليو/تموز 2016، زار “نتنياهو” دولًا بإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ليكون أول رئيس دولة إسرائيلي يزور المنطقة منذ “ليفي أشكول” في عام 1966. وتمَثَّل هدف الزيارة في كسب دعم القادة الأفارقة للحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي وتطوير العلاقات السياسية والتجارية بين دول المنطقة. وكانت إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا من بين البلدان التي زارها، وهي الدول نفسها التي تُتهم اليوم بتسهيل إجراءات ودعم طموح إسرائيل في الاتحاد الإفريقي، خاصة أن إثيوبيا وكينيا تمتعتا في فترة من الفترات بعلاقات قوية مع إسرائيل وعملتا معها في القضايا الأمنية لـ “مكافحة الإرهاب”.

جدير بالذكر أن بعض الدول الإفريقية طورت علاقاتها مع إسرائيل بسرية تامة، بينما دول أخرى أجرت تعاملاتها معها بشكل علني وفق احتياجاتها خاصة في مجال الاعتماد على التكنولوجيات الإسرائيلية. بل في عام 2016 عندما كانت علاقة إسرائيل مع أوغندا في مرحلة التطور؛ أظهر الرئيس الرواندي “بول كاغامي” اهتمامه بإسرائيل مُرَاهِنًا على تاريخ بلاده في الإبادة الجماعية. وفي عام 2017، ألقى “نتنياهو” في ليبيريا خطابًا سياسيًّا أمام 15 عضوًا في “المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا” (إيكواس)، ليكون أول رئيس دولة غير إفريقي يفعل ذلك؛ حيث تعهد وقتذاك بتوفير “مساعدة” اقتصادية وتكنولوجية في مجالات مثل الزراعة والموارد المائية والطاقة والصحة. ومن خلال هذه التحركات قدَّم مرة أخرى اهتمامه بالحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي ودعا الرؤساء والوفود البرلمانية الإفريقية لزيارة إسرائيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق