المقالات

أهمية التأويل في البناء الحضاري(لطيفة يوسفي)_4_

القضية الثالثة : التأويل الصحيح وأثره في حوار الأديان والحضارات

إن القرآن الكريم بين في آيات عديدة أن تعدد الحضارات الإنسانية واختلاف الناس في الدين أمر من مقاصد الخلق. قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَأُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَإِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾[1]. فالاختلاف أمر قدري مثلما هو أمر مقصود لتقوم الحجة على المخالف لكن ليس للاقتتال والنزاع. أما التنوع في الأعراق والأجناس والألوان واللغات فإنما يقصد به التعارف والتقارب، لا التنافر والتفرق. قال الله تعالى﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[2] فالقصد من التعدد والتنوع الحضاري في أدنى مراحله هو التلاقي والتعارف وتبادل الأفكار والخبرات التي تطورها أنماط الحياة المختلفة. وذلك مما يزيد من عمق مكونات كل حضارة بما تولده من الحضارات الأخرى. وبتواصل الاحتكاك السلمي بين الحضارات يتعلم أفراد البشر أن يقللوا من تحيزاتهم، وأن يلطفوا من مشاعرهم السلبية تجاه أصحاب الحضارات الأخرى، فيزيد التسامح بين البشر، وتصحح تلك الأفكار الخاطئة تجاه الآخرين.

ففعل التعارف يقتضي ” التزام منهج الحوار بدءا من أصغر الدوائر الفكرية والمجتمعية، إلى أعلاها في مستوى التعارف وبناء أواصر العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الشعوب المختلفة الأديان والمذاهب والملل والنحل.”[3]

والملاحظ أن القرآن أكد أهمية تطهر المحاور المسلم من عقدة الاستعلاء الديني ومن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة دون غيره، فالحقيقة لها عدة وجوه وكلها تعكس رحمة الله ولطفه قال الله عز وجل ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.[4]

إن ثقافة الحوار تقوم أساسا على قناعة مفادها أن تصوراتنا كما هو حال تصورات غيرنا صحيحة، ولكنها تحتمل الخطأ. وهذا السلوك الثقافي لا بد أن يرتبط بالتربية في كل مستوياتها إذ علينا أن نربي الناشئة على عدم التعصب والاعتراف بالخطأ واحترام آراء الآخرين والأخذ بها عند اللزوم. ولذلك، عمل الوحي الإسلامي على تربية الرسول على الحكمة والاعتدال فخاطبه:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[5]

والزمخشري قال  في تفسير هذه الآية ما يؤكد اهتمام القرآن بالبعد الثقافي للحوار، إذ فسر﴿الْحِكْمَةِ﴾بالمقالة  المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة كما ذهب أن﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها. أما قوله ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين.[6]

وهكذا فإن الحوار الناضج والمسؤول لا بد – من منظور قرآني – أن يعتمد الحكمة بما هي علم تتفق كل الثقافات على منهجه وصرامة أدائه وأن يتسلح بحسن النية والنصيحة الصادقة التي يحب فيها غيره من البشر كما يحب نفسه، لا فائدة من حوار – اعتمادا على هذا التصور – لا يحقق سعادة الإنسان ولا ينفع البشر. بالإضافة إلى ذلك، نفهم تأويل الزمخشري لهذه الآية أن الإنسان مطالب، وهو يحاور الآخر أن يتجنب الانفعال والحقد، وهذه المقاربة تعني أن التشدد والتعصب والتهكم يؤدي حتما إلى القطيعة ويولد البغض والخصام، ولذلك نبه القرآن الرسول ” فقال سبحانه وتعالى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.[7]

والمتدبر في نهاية الآية، يتبين له أن الله خص نفسه بمعرفة المخطئ من المصيب ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾وهذا التصريح يؤكد على ضرورة الاهتمام بالإنسان بما هو إنسان خارج إطار ثنائية الضلال والهداية. يقول الرازي” والمعنى: أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين، والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية، فبعضها نفوس مشرقة صافية قليلة التعلق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات إلى الروحانيات، ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها، لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها، فلهذا قال تعالى: اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وبإشراق النفوس المشرقة الصافية فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة، كما قال الله عز وجل ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾”([8]) ([9])

وهذه الآيات وغيرها في الكتاب المبين تحمل في دلالتها التأسيس لآلية الحوار وترقيتها والنهوض بها مما يدل على أهميتها الحيوية في بناء المعرفة الإسلامية،إنه آليةمثلى لاستجلاء الحقائق بين الحضارات والثقافات. والدعوة الحوارية جاءت في القرآن الكريم ” بهدف تعميق مساحات الحركة الفكرية الفاعلة، في خط التعارف واللقاء المثمر بين الشعوب، كوسيلة تطبيقية عملية تستنهض طاقات الأمة، وتوحد صفوفها في عملية مواجهة التحديات الحضارية والثقافية والاقتصادية.”[10]

فالقرآن الكريم ” كتاب حوارفهو الذي  يجبأن ندرسه دراسة واعية، لنجد فيه الوثيقة الرائعة من وثائق الحوار الديني الذي يتعلق بكل قضايا العقيدة ابتداءا من فكرة وجود الله، ووحدانيته، إلى الأحكام الشرعية.”[11]

وفي السيرة النبوية تطبيق لهذه المبادئ التي أقرها الإسلام في بيان أساليب الحوار ـ مع المسلم أو مع غير المسلم ـفالنبي صلى الله عليه وسلم قد كتب كتابا يتضمن المبادئ التي قامت عليها أول دولة في الإسلام، وفيها من الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتسامح الديني والتعاون على مصلحة المجتمعوذلك فيما يعرف بصحيفة المدينة[12]التي تعد أول ميثاق للتعايش في المجتمع المسلم. وفي ذلك يقول محمد حسين : إن ” السيرة النبوية الشريفة هي بحق تمثل التطبيق العملي للمنهج القرآني الذي ركز القاعدة وأقام البناء.”[13]

وعلى هذا الأساس اجتهد الفقهاء المجتهدين في استنباط الأحكام التي تخص أهل الذمة في سبيل ما أكده الإسلام من حوار وتعايش وتعارف.ومثاله إن اجتمعت على الذمي جزية سنين ” استوفيت كلها عند الجمهور.

وقال أبو حنيفة: تتداخل وتؤخذ منه جزية واحدة، وأجراها مجرى العقوبة، فتتداخل كالحدود، والجمهور جعلوها بمنزلة سائر الحقوق المالية كالدية والزكاة وغيرهما.

وذهب ابن القيم إلى أن ” قول الجمهور أصح، إلا أن يناسب التخفيف عنه بترك أداء ما وجب عليه للمسلمين ولاسيما إذا كان ممن لا يعذر بالتأخير.ولو قيل بمضاعفته عليه عقوبة له لكان أقوى من القول بسقوطها، والله أعلم.”[14]

ومثاله أيضا : أموالهم التي يتجرون بها في المقام وزروعهم وثمارهم التي يستغلونها من أرض الخراج فليس عليهم فيها صدقة.[15]

والحجة في ذلك ما رواه «أبو عبد الله، قال: ليس على أهل الذمة في نخلهم، ولا في مواشيهم، ولا زرعهم، ولا كرومهم صدقةإنما الصدقة على المسلمين، طهرة لهم.»[16]قال في كتاب أبي: وكذلك قال مالك.”[17]وأما ما استغلوه من الأرض العشرية فهي مسألة اختلف فيها إلى أقوال: روي عن ” أبي حنيفة قال: إذا اشترى الذمي أرض عشر تحولت أرض خراج.قال: قال أبو يوسف: يضاعف عليه العشر.

ومذهب أحمد أنه ” يجب عليهم عشران وعليه أكثر نصوصه واحتجاجه، وكثير من أصحابه يحكي مذهبه أنه لا عشر عليه، ومنهم من يقول: وعنه عليهم عشران وإذا كانوا إذا اتجروا في غير بلادهم أخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين مع جواز التجارة لهم، وأنهم لا يسقطون بها حقا لمسلم، فإذا دخلوا في الأرض العشرية بشراء أو كراء وهم ممنوعون من ذلك، فلأن يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم بطريق الأولى، إذ لو لم يؤخذ منهم لتعطلت حقوق أرباب العشر وما عليه منالمنقطعين من الجند والفقراء وغيرهم، وفي ذلك فساد عظيم، فإنا لو مكناهم من الدخول في أرض العشر وهم يعلمون أنه لا عشر عليهم لتهافتوا وتهالكوا عليها لكثرة المغل وقلة المئونة فتذهب حقوق المسلمين وهذا باطل.

وقياس الأرض على المواشي والعروض قياس فاسد، فإن المواشي والعروض لا تراد للتأبيد بل تتناقلها الأيدي، وتختلف عليها الملاك والأرض إذا صارت لواحد منهم ولا عشر عليه فيها ولا خراج، عض عليها بالنواجذ وأمسكها بكلتا يديه، وعطل مصلحتها على أهل العشر ولهذا لما علم أبو حنيفة فساد هذا قال: إذا اشترى أرض العشر تحولت خراجية.”[18]

ومذهب الشافعي في هذا: أنهم لا يمكنون من شراء أرض العشر واكترائها، وأنه لا شيء عليهم في زروعهم وثمارهم، كما لا زكاة عليهم في مواشيهم وعروضهم ونقودهم. إذ يقول “ومن كان منهم ذا زرع يقتات من حنطة أو شعير أو ذرة أو دخن أو أرز أو قطنية لم يؤخذ منه فيه شيءحتى يبلغ زرعه خمسة أوسق يصف الوسق في كتابه بمكيال يعرفونه فإذا بلغها زرعه فإن كان مما يسقى بغرب ففيه العشر وإن كان مما يسقى بنهر أو سيح أو عين ماء أو نيل ففيه الخمس. ومن كان منهم ذا ذهب فلا جزية عليه فيها حتى تبلغ ذهبه عشرين مثقالا فإذا بلغتها فعليه فيها دينار نصف العشر وما زاد فبحساب ذلك. ومن كان ذا ورق فلا جزية عليه في ورقه حتى تبلغ مائتي درهم وزن سبعة فإذا بلغت مائتي درهم فعليه فيها نصف العشر ثم ما زاد فبحسابه.”[19]

وهو اختيار ” أبي عبيد وطائفة من أصحاب أحمد، وهو المشهور عند أصحاب مالك، ومذهبه الذي نص عليه منعهم من شراء أرض العشر.”[20]

وغيرها من الاجتهادات التأويلية في التاريخ الإسلامي، فالفقهاء تعاملوا مع مفهوم أهل الذمة وأصلوا من خلاله للعديد من الأحكام الشرعية في حقهم، بحيث رسموا بتأويلهم خطا لتحقيق التوازن، والتعادل في نفس الإنسان المسلم بين ثقته المطلقة، بأحقية دينه، وصوابيته من جهة، وبين احترام سائر الأديان وأصحابها من جهة أخرى.

الخاتمة

إن اعتماد التأويل الصحيح الجامع بين النقل والعقل في استنباط الأحكام يؤسس لتشريع حضاري، يكون فيه الإنسان المستخلف فاعلا منتجا لحضارة سامية تنعكس إيجابا في عبادته ومعاملاته وسلوكه وثقافته وعقليته، ويكون ـ هذا التشريع الحضاري ـ كذلك دليلا على مرونة هذه الشريعة وحيوتها وقابليتها للنماء المستمر واحتضانها لكل المتغيرات الحضارية.

والتأويل العقائدي الصحيح بمنهج فكري توحيدي يعد منطلقا في حركة التحضر وبناء المعارف الكونية والإنسانية، ودافعا إلى تحقيق مبدأ العبادة والاستخلاف والعمران.

والقرآن الكريم كتاب حوار والسنة النبوية هي التطبيق المنهجي لمبادئ وأساليب هذا الحوار، والناظر المؤول لمعاني نصوص الوحي يرسم بتأويله الصحيح خطا لتحقيق التوازن في نفس الإنسان المسلم بين ثقته المطلقة، بأحقية دينه، وصوابيته من جهة، وبين احترام سائر الأديان وأصحابها من جهة أخرى.

إن السؤال الذي تثيره هذه الورقات هو البحث الجاد في التأويل الصحيح لصياغة فقه حضاري يشمل الحقائق الكونية والإنسانية.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق