المقالات

أهمية التأويل في البناء الحضاري(لطيفة يوسفي)_3_

القضية الثانية : التأويل الصحيح وأثره التشريعي

وبناءا على هذا المنهج التأويلي الصحيح اجتهد علماء الشريعة في تأويل النصوص الشرعية لبناء تشريع حضاري يدل على أننا أمام شريعة ربانية قادرة على إنتاج الحضارة والإنسان والواقع، وإيجاد الحلول التي تراعي مصلحة الإنسان في الدارين وفق أصول وقواعد شرعية لا تنافي مقصد الشارع من استخلاف الإنسان في مستقر الأرض وتحقيق العبودية لله عزوجل.ومن هذه التأويلاتما تم استنباطهفي كيفية قضاء الصوم من الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُبِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾[1]” قال الشيخ أبو بكر[2]: قد دل ما تلونا من الآية على جواز قضاء رمضان متفرقا من ثلاثة أوجه أحدها: أن قوله﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قد أوجب القضاء في أيام منكورة غير معينة، وذلك يقتضي جواز قضائه متفرقا إن شاء أو متتابعا، ومن شرط فيه التتابع فقد خالف ظاهر الآية من وجهين: أحدهما: إيجاب صفة زائدة غير مذكورة في اللفظ، وغير جائز الزيادة في النص إلا بنص مثله، ألا ترى أنه لما أطلق الصوم في ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لم يلزمه التتابع، إذ هو غير مذكور فيه؟ والآخر: تخصيصه القضاء في أيام غير معينة، وغير جائز تخصيص العموم إلا بدلالة.

والوجه الثاني: قوله تعالى﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فكل ما كان أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله، وفي إيجاب التتابع نفي اليسر وإثبات العسر، وذلك منتف بظاهر الآية.

والوجه الثالث: قوله تعالى﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾يعني والله أعلم قضاء عدد الأيام التي أفطر فيها، وكذلك روي عن الضحاك وعبد الله بن زيد بن أسلم. فأخبر الله أن الذي يريده منا إكمال عدد ما أفطر، فغير سائغ لأحد أن يشترط فيه غير هذا المعنى لما فيه من الزيادة في حكم الآية، وقد بينا بطلان ذلك في مواضع.”[3]

ومثاله أيضا مسألة التسعير الجبري فيما روي عن أنس رضي الله عنه : قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال.»[4]

والتسعير في اللغة من :(سعر) السين والعين والراء أصل واحد يدل على اشتعال الشيء واتقاده وارتفاعه. من ذلك السعير: سعير النار. واستعارها: توقدها.”[5]

وعرفه الإمام الشوكاني بقوله ” التسعير: هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.”[6]

وقد اختلف العلماء في تأويل هذه المسألة بين الجواز والمنع للتسعير، يقول الباجي ” أن إجبار الناس على بيع أموالهم بغير ما تطيب به أنفسهم ظلم لهم مناف لملكها لهم، ووجه قول أشهب ما يجب من النظر في مصالح العامة، والمنع من إغلاء السعر عليهم والإفساد عليهم، وليس يجبر الناس على البيع، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده الإمام على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمبتاع، ولا يمنع البائع ربحا، ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس.”[7]

وذهب جمهور العلماء إلى أن الحديث معناه “تحريم التسعير وأنه مظلمة ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾”([8])([9])

وروي عن “مالك أنه يجوز للإمام التسعير وأحاديث الباب ترد عليه وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء وهو مردود.

وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما كان قوتا للآدمي ولغيره من الحيوانات وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة وجوز جماعة من متأخري أئمة الزيدية جواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة كما حكى ذلك عنهم صاحب الغيث وقال شارح الأثمار: إن التسعير في غير القوتين لعله اتفاق، والتخصيص يحتاج إلى دليل، والمناسب الملغي لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة، بل لا يجوز العمل به على فرض عدم وجود دليل كما تقرر في الأصول.”[10]

يتبين من خلال هذه التأويلات في هذه المسألة أن من التسعير ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإباحته مطلقا لا تجوز، ومنعه مطلقا لا يجوز.

فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس كإكراه الباعة على البيع بثمن المثل عند الجشع والاحتكار فهو واجب، لأنه إلزام بالعدل الذي أمر الله تعالى به، ودفع للضرر الذي نهى عنه.

وتأويل هذه المسألة بمقصد تحقيق العدل هو من مقومات البناء الحضاري، إذ أن العدل اسم جامع للوسطية والتسوية يقول الراغب الأصفهاني ” العدل هو التقسيط على السواء.”[11] فالشاهد العدل هو الذي ” يحكم بموقع وسطي بين الفرقاء، فإذا هو يعطي كل ذي حق حقه سواء في نسبة الوقائع والأوصاف إلى أهلها كما هو في الواقع دون اعتبار لميل ذاتي، أو في توصيل الحقوق والمستحقات إلى محالها بناء على الوقائع والأوصاف. وتكون شهادة العدل إذن العمل على ما من شأنه أن يسوي بين الناس في الحقوق بأن يؤول كل قسط إلى محله الذي يستحقه.”[12]

والتحضر الإسلامي بني على ” هذه الشهادة العدل : حكما ووصفيا على أحوال الناس وآرائهم وأقوالهم، وحكما تنفيذيا في التعامل بالقسط، وفي نصرة المظلومين المسلوبة حقوقهم برفع يد الظلم عنها وتمكينهم منها، فأصبحت هذه الشهادة عنصرا من العناصر الفقهية في التحضر الإسلامي.”[13]

وغيرها من التأويلات التشريعية ـ عبادة ومعاملة وحدودا تنظيما لحياة هذا المستخلف في مستقر الأرض وحفظا لحقوقه ـ بغية تحقيق تشريع حضاري ينعكس فيه مبدأ العمارة والاستخلاف لهذا الإنسان المكلف في الأرض وفق مقتضيات الشريعة بمنهج رباني. إذ أن ” الأحكام الفقهية الجزئية وسائل صياغة وحفظ وتسديد ودعم في إيقاع وحفظ وصيانة وتسديد ودعم ” الفعل العمراني “، وهنا تصبح مفردات ” الخطاب القرآني ” مفاهيم في جملتها تقوم بينها علاقة ترابط لا تنفصم تضعها في إطار ” الوحدة البنائية ” في الآية ثم في السورة فالجزء فالقرآن، وتدرك علاقات ” التناسب البلاغي ” في دائرة ” الترابط الإعجازي المفاهيمي ” وتتقاسم هذه المفاهيم الأدوار في صنع بيئة الخطاب ودائرة الخطاب وإطار التلقي، والاشتباك مع ذلك كله لإحداث الدافعية لدى الإنسان لإيقاع ” الفعل العمراني ” ثم منحه الشرعية والفاعلية، وهنا فقط تبرز ” المنهاجية وتتضح معالم المنهج ” ويبرز دور مصادر ومفاهيم الإطار المرجعي وتظهر العلاقة الوثيقة بين الأطر المرجعية والمفاهيم المنبثقة عنها، والمتصلة بها فحيث يقدم الإطار المرجعي الناظم للمفاهيم فإن دعائم الإطار تقدمها المفاهيم.”[14]


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق