المقالات
أخر الأخبار

أسطورة العنف الديني.. قراءة في أطروحة وليام كافانو ( أحمد بوعود)

عند حدوث عنف في عالمنا المعاصر غالبا ما تتسارع التحليلات والقراءات إلى ربطه بالدين، وبالتالي يصبح هناك تلازم بينهما. وقد دعا كثير من الدارسين والمنظمات والهيئات إلى تجنب التطرف والعنف الدينيين، استنادا إلى الدين نفسه، وإلى العقل مرة أخرى باعتباره القاسم المشترك بين بني الإنسان، كما دعا كثير من المفكرين إلى عدم التدين مادام الدين هو المصدر الرئيس للعنف. في المقابل، لا نجد حديثا عن العنف ذي الإيديولوجية العلمانية، أو الإلحادية، إلا فيما ندر، وذلك لأن اللادينية، أو العقلانية، لا يمكن أن تنتج عنفا أو تطرفا.

لكن يفاجئنا الفيلسوف وليام كافانو T. W. Cavanaugh في كتابه أسطورة العنف الديني[1] بأطروحة مفادها أن العنف الديني مجرد أسطورة؛ ذلك أن الدين في نظره لا يمكن أن يكون مصدرا للعنف، وأن الغرب يرسخ فكرة مفادها أن العنف الديني خطير وغير عقلاني، بينما العنف العلماني عنف عقلاني يسعى للسلام.

فهل العنف الديني فعلا أسطورة؟ وما سبب كونه كذلك؟ وأين تتجلى أسطوريته؟

1- أسطورة العنف الديني عند كافانو تعريف وتوصيف

يطلق كافانو أسطورة العنف الديني على الفكرة القائلة بأن الدين -بما هو سمة عابرة للثقافة والتاريخ للحضارة الإنسانية- يختلف جوهريا عن السمات العلمانية كالسياسة والاقتصاد، وذلك لأنه يحمل ميلا مخصوصا وخطيرا نحو العنف. ومن ثم فلا بد من كبحه ومنعه من الوصول إلى السلطة العامة. من هنا يؤكد كافانو أن ما يضعه على المحك ليس جدالا أكاديميا ومناقشات حول التعريفات وحسب، فحينما نبدأ بالسؤال عما يعنيه المدافعون عن اقتران الدين والعنف بمصطلح “دين” فإننا نجد بأن قدرتهم التفسيرية عرجاء وقاصرة بسبب عدد من الافتراضات غير المبررة حول ما ينبغي أو لا ينبغي اعتباره دينا.

وفي هذا السياق يتحدث كافانو عن الغرب فيقول: “في الغرب أصبح الاشمئزاز من القتل والموت باسم الدين أحد المبادئ التي نصبح بوساطتها مقتنعين بأن التقل والموت باسم الدولة القومية أمر مناسب وجدير بالثناء، كما أن أسطورة العنف الديني تزود الأنظمة الاجتماعية العلمانية بهدف سهل، ألا وهو التعصب الديني ليؤدي دوره كعدو أولا”[2].

إن هذا الكلام يذكرنا ببيان المثقفين الستين على أي أساس نقاتل؟ والذي نقرأ فيه مثلا: “في بعض الأحيان يكون على الوطن أن يدافع عن نفسه باستخدام القوة المسلحة، والحرب أمر خطير تقتضي التضحية بالأنفس النفيسة من كلا الطرفين… القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله وهو أعظم غدر لشمولية معنى الإيمان لدى البشر.  نحن نقاتل للدفاع عن أنفسنا وعن هذه المبادئ العالمية”[3].

يرى كافانو أن الطريقة الوحيدة التي يأمل أن يجابه الأسطورة بها هي الكشف عن جينيالوجيا هذه الانزياحات العرضية وإظهار كيف أن المشكلة التي تدعي أسطورة العنف الديني تشخيصها وحلها- مشكلة العنف في المجتمع- قد تفاقمت في الحقيقة بفعل أشكال السلطة التي تشرعن لها هذه الأسطورة، لا يمكن تفكيك أسطورة العنف الديني سوى بإظهار أنها تفتقر إلى الموارد لحل المشكلات الرئيسية التي تحددها.

إن هناك كمية وفيرة من الدلائل التاريخية التي تبعث الشك في فكرة أن ظهور الدولة الحديثة قد أنقذ أوربا من عنف الدين؛ فصعود الدولة الحديثة لم يكن إعلانا عن أوربا أكثر سلاما، ولكن صعود الدولة قد ترافق مع انزياح من القيمة التي يقاتل البشر ويموتون من أجلها. ويعضد هذا بالمقولة التي أصبحت معيارية: “كم جميل أن يموت المرء من أجل وطنه”.

وتكمن خطورة القول بأن العنف ينزع بطبيعته إلى العنف تكمن في كون هذا القول جزءا رئيسيا في تأسيس ثنائية الغرب في مقابل بقية العالم.

فما هي مرتكزات هذه الأسطورة؟

2- مرتكزات أسطورة العنف الديني

إن الفكرة القائلة بأن الدين سبب العنف هي واحدة من أكثر الأساطير انتشارا في الثقافة الغربية. لكن يلاحظ كافانو أن معظم المؤلفين الذين كتبوا عن الدين والعنف لم يقدموا تعريفا للدين، بل اكتفوا بوصفه. من هنا، فقد اكتفوا بوصف  فقط الدين، وعلى هذه الأوصاف بنوا أسطورة العنف الديني.

أولا: الدين إطلاقي

وهنا يورد كافانوا فيلسوف الدين جون هيك ومقالته لا مطلقية المسحية، وتشارلز كيمبال وكتابه عندما يصبح الدين شريرا، وريتشارد وينتز وكتابه لماذا يفعل البشر أشياء شريرة باسم الدين؟

في نظر كافانو يتهم اللاهوتي التعددي جون هيك الدعاوى القائلة بفرادة ومطلقية الوحي الذي جاء إلى عيسى المسيح عليه السلام بأنها تسببت بتحريض المسلمين على العنف ضد اليهود في أوربا وضد عير المسيحيين في جميع أنحاء العالم الثالث. وتجدر الإشارة إلى أن جون هيك من وراد التعددية الدينية.

يقول هيك: “لا بد من القول بأن دعاوى الأديان الأخرى بالصلاحية المطلقة، ومن ثم بتفوقها على غيرها لديها نفس الميل، نظرا للطبيعة الإنسانية المشتركة، للمصادقة على العدوان العنيف والاستغلال وعدم التسامح”[4].

يتعامل هيك مع الدين باعتباره مفهوما عابرا للتاريخ والثقافة، إنه –في نظر كافانو- مقتنع بأن الدين في الحياة الإنسانية، عبر التاريخ كان بعدا عالميا.

ثانيا: الدين انقسامي

وهنا يورد كافانو مؤرخ الأديان مارتن مارتي وكتابه السياسة والدين والخير المشترك، وعالم الاجتماع مارك يورغنزمايؤ وكتابه الإرهاب في عقل الرب الصعود العالمي للعنف الديني، وديفيد سي رابوبورا ومقالته بعض الملاحظات العامة حول الدين والعنف.

يقوم الموجه للدين عند مارتن مارتي على أساس تشكيل هوية بإقصاء الآخرين، ومن ثم فإنها تقسم البشر إلى نحن وهم. يحاول مارتي أن يسمح للدين بالحضور السياسي العام، ولكن بعد أن يتم تطهيره من نزعته الانقسامية. يقول مثلا: “إن من يطلق عليهم متدينون يشكلون بشكل طبيعي جماعات وقبائل وأمما… ويشعرون بأنهم قد اختيروا ليكونوا في رتبة اعلى من الآخرين… يشجب المختارون الآخرين لعبادتهم للآلهة الخاطئة، وأحيانا يتصرفون بعنف تجاه غير المؤمنين”[5].

ويعلق كافانو على أطروحة مارتي هاته بكون الأدلة التي ساقها لدعم أطروحته أدلة تاريخية تتضمن وصف ريغان الاتحاد السوفياتي بأنه إمبراطورية الشر، فيقول: “وعلى الرغم من أن ريغان ومؤيديه صرحوا غير مرة بنظرتهم للولايات المتحدة على أنها مباركة بشكل خاص من الرب، فليس من الواضح لماذا يصبح هذا المثال دليلا على النزوع العنيف للدين بدلا من أن يكون دليلا على نزوع الهوية القومية والوطنية للعنف”.

ثالثا: الدين لاعقلاني

ويورد هنا كافانو بيخو باريخ وكتابه صوت الدين في الخطاب السياسي، وسكوت أبيلبي وكتابه التباس المقدس الدين والعنف والمصالحة، وتشارلز سيلنجت كتابه الغضب المقدس فهم العنف الديني.

هذا النوع يتصل بكون الدين إطلاقيا، إلا أنه يركز أكثر على الأبعاد الذاتية للإيمان الديني. والادعاء هنا يقوم على أن الدين ينزع نحو العنف لأنه ينتج لدى أتباعه مشاعر غير عقلانية ولا عقلانية كثيفة، لا تخضع لأحكام العقل الصارمة.وتستعمل كلمات مثل الحماسة، والحمية، والتعصب كمرادفات لوصف الحالة الذهنية للفاعلين الدينيين المنساقين نحو العنف.

يقول بيخو: “… فالدين قد يكون إطلاقيا، مغرورا، واثقا بصلاحه الذاتي، دوغمائيا، وغير قادر على تقبل التسويات، كما أنه قادر على بعث الدوافع القوية، واللاعقلانية أحيانا، وقادر على زعزعة استقرار المجتمع بسهولة، متسببا بالخراب السياسي…”[6]. لكن كافانو يعلق بأن الدوافع اللاعقلانية القوية تظهر فجأة في كل مكان، داخل الليبرالية نفسها أيضا.

هكذا يشرح وليام كافانو أسطورة العنف الديني ويدعو إلى مراجعة هذه الأطروحة بدءا من مراجعة تعريفنا للدين، ذلك أن الدين يخضع فقط للتوصيف ويبتعد عن التعريف، وهذا ما يجعل الكثيرين يصفونه بكونه مصدر عنف. وعلى الجملة، يبقى الكتاب مادة دسمة تفتح شهية الباحثيين في الفلسفة وعلم الاجتماع والأديان لدراسته ومناقشته، في وقت صارت الحاجة ملحة لمثل هذه المواضيع.

تجدر الإشارة إلى ان الكتاب يقع في 383، ويشتمل على أربعة فصول، هي: 1- تشريح الأسطورة، وهو الذي كان موضوع حديثنا؛ 2- اختراع الدين؛ 3- أسطورة الخلق: الحروب الدينية؛ 4- استعمالات الأسطورة.


[1] – وليام ت. كافانو، أسطورة العنف الديني الإيديولوجيا العلمانية في وجذور الصراع الحديث، ترجمة أسامة غاوجي، (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط 1، 2017).

[2] – نفسه، ص 9.

[3]على أي أساس نقاتل؟ (معهد القيم الأمريكية، فبراير 2002).

[4] – أسطورة العنف الديني، ص 28.

[5] – نفسه ص 35-36.

[6] – نفسه، ص 72.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق