مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: منظور تفسيري(محمد همام)_1_
غادرنا بيوتنا في صباح باكر من يوم 21غشت2026، في اتجاه أنامر سموكن/ أو مجمع الوديان المشمس في إحدى واحات الأطلس الصغير بجماعة تمنارت، التابعة لدائرة أقا، في إقليم طاطا. توقفنا في ملتقى الطريق الوطنية أكادير-تزنيت ومنطقة أيت ميلك لنصحب دليلنا من أبناء الواحة، وهو فقيه وإمام وعالم يشارط في إحدى مساجد سوس. كان غرضنا اكتشاف هذه الربوع من بلدنا في جبال الأطلس الصغير. كنت أعرف أن التاريخ يدافع الجغرافيا في تقديم هذه المنطقة وفي التعبير عن ذاتها. منطقة تختزل فيها الواحة حوار القبيلة والعقيدة والغنيمة. وتتقاطع فيها الذاكرة والماء والكلام والأرض، أو ما سماه أحد أعضاء مجموعتنا الصغيرة أفكان وأكال وأوال. (الإنسان والأرض والكلام) لذا قد يكون عنوان: أنامر سموكن: الأرض والذاكرة والتحولات الاجتماعية، مناسبا لبحث أكاديمي للمشتغلين في التاريخ أو في السوسيولوجيا أو في الدراسات العمرانية. وأما ما أقدمه في هذا الحكي فهو مجرد وصف لرحلة انكتبت في ذهني وأنا أتسلق جبال تمنارت الشماء، حيث ترى تفاعلات الثلاثي المذكور في كل بقعة وفي كل قمة وفي كل علو وفي كل منحدر، جبلا أو شعبا أو سهبا، أي: أفكان وأكال وأوال. فالرحلة، كما نعرف في الأدب الرحلي، تتيح الفرصة للرحالة ليرى الجغرافيا في خضم التاريخ والثقافة والعمران. يقدم رحلته كما تخلقت في ذهنه، ويقدمها كما ركبتها الذاكرة حذفا وذكرا وتحيزا وتفاعلا. لذا أجد نفسي مدفوعا لأن أقدم الوصف في صيغة تركيبية، يتجادل فيها التوثيق والتأويل والتفسير، مع المقارنة والاستنتاج، وكذا التداعي والتذكر، وكل ذلك من وحي اللحظة؛ فكلما توقفنا للاستراحة أعدت ترتيب المعطيات في ذهني، فشيئا ذكرت وأشياء نسيت. ولكن أحاول أن أكتب لكم نصا رحليا رقميا ومعاصرا، ومتخففا من قيود الكتابة الرحلية المتعارف عليها في مدونات الرحلة والرحالين، وليعذرني نقاد الأدب الرحلي ومؤرخو الرحلات في ذلك. ورغم ذلك فقد استحضرت ما تأتى لي وأنا بصدد الملاحظات الميدانية والوصف المباشر للأرض والمجال والإنسان والكلام، واستشارة الأصحاب، من المصادر التاريخية، العامة، والمحلية، مما يتعلق بالأدب والتاريخ والاجتماع في سوس، وكذا المعطيات الإحصائية الرسمية المتعلقة بالمنطقة.
تشعرك المسافة بين أكادير وأنامر سموكن، مرورا بمدينة تزنيت، بأنك بصدد كتاب في التاريخ والتحولات الاجتماعية تقلب صفحاته من منطقة إلى أخرى. تجد نفسك، في سيارة مسرعة، بصدد عرض التحولات الجغرافية والتاريخية والعمرانية بشكل متدرج من سهل سوس إلى مرتفعات الأطلس الصغير، من الأسفل إلى الأعلى، ومن الطريق المستقيم إلى المنعرجات الوعرة، والمرتفعات الصخرية، ومن مجال حضري وساحلي إلى مرتفعات جبال الأطلس الصغير إلى مجال شبه صحراوي بواحاته ومجاريه استقر بجوارها سكان أنامر سموكن. لتشكل هذه المنطقة همزة وصل بين المجال السوسي بكل عناصره الثقافية واللغوية وبين المجال الصحراوي بخصوصياته كذلك. لذلك تعمدت أن أستعمل الترجمة العربية ل: أنامر سموكن: مجمع الوديان المشمس، من خلال بحث فيلولوجي محدود. ففي أنامر سموكن لا تجتمع وتتداخل وديان المياه فقط بل وديان الثقافة واللغة والفن ومفردات الحياة الاجتماعية لبناء الهوية المغربية الجامعة ومتنوعة الروافد، وهو مارأيته رأي العين في واحة أنامرسموكن، لذلك كانت حقا مجمع وديان الهوية المغربية وليس المياه وحسب. لذلك وصفها عبد الرحمن التمنارتي(1060ه/1650م) صاحب كتاب: (الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة) بأنها: الحد الفاصل بين بلاد الصحراء وبلاد التل. وهذا ما أهلها أن تكون منارة شاهدة على تفاعل الروافد الثقافية لهوية السكان وكذا الروافد الطبيعية لحياتهم الاقتصادية التي تقوم على الجبل والماء والواحة.
تقدر مسافة رحلة الصيف إلى أنامر سموكن بحوالي 300كلم ذهابا، أكثر من ثلثيها ذو طبيعة جبلية. كانت أكثر من ذلك بكثير وأصعب قبل تنفيذ بعض برامج فك العزلة عن المناطق الجبلية. وليست المسافة رقما وحسب، بل صورة لنمط طبيعي وجغرافي وحياة اجتماعية واقتصادية ترى قساوتها في كل المعالم والمظاهر والوجوه والحركات… تنبئ بذلك الدواوير المتناثرة حول مياه الأنهار، ومحاطة بالجبال الصماء والعالية، كأنها في سقف العالم. تحتمي بالطبيعة وبخيراتها، رغم أن الطبيعة تقسو عليها في أكثر من مرة بظواهرها المرعبة، فيضانا أو زلزالا أو جفافا أو حرا أو حريقا…وترى علامات قساوة الطبيعة على سكان الدواوير الجبلية لتمنارت في أكثر من مكان. وكانا واديا تمنارت وسموكن أكثر عطاء للسكان وأكثر قساوة عليهم في الوقت نفسه.
ستلاحظ في الرحلة الجبلية أن الطبيعة المحيطة بأنامر سموكن شديدة الانغلاق؛ كأن الدواوير معتقلة طبيعيا على حافة نهر بين مرتفعات صخرية أحكمت سيطرتها على المجال السكاني، وقد تسمح بفتحات محدودة في اتجاه وادي درعة الكبير، وفي طريقه العيون والسواقي أو مناجم الذهب الأبيض للسكان. ( وجعلنا من الماء كل شيء حي/ الأنبياء30 )؛ فالماء هو بطل الحكاية الكبرى في سيرة هذه المناطق. وفي هذا السياق الطبيعي القاسي تعيد الزراعة الواحية سيرتها وسط معتقل طبيعي، وفي وسط بيئة شبه جافة تتجاور فيها الجبال والواحات والشعاب والسهوب.
برغم هذه القساوة الطبيعية تستقبلك الواحات المعتقلة بين المرتفعات الصخرية بأشجار النخيل المثمرة والنباتات الذكية التي تكيفت مع قساوة الطبيعة والمجال؛ فلا تخطئ العين النباتات الشوكية، وأشجار اللوز والخروب والأركان في جنبات المرتفعات الصخرية الحادة.
لم تتغير معالم دواوير تمنارت، ومن ضمنهم أنامر سموكن، كثيرا؛ إذ الطريق الرئيسة في المرتفعات مازالت من النوع الضعيف والمتهالك والضيق. مع قلة التشوير الطرقي إلا في مداخل الجماعات السهلية وفي المنعرجات الخطيرة في المرتفعات. كما تعاني الكثير من محاور الطريق بسبب انكسارات وانجرافات الأمطار والسيول، ولم تتم صيانتها، خصوصا في محاور وديان جارفة وخطيرة يمر الطريق من قلبها بل يسكن السكان وسطها، مما عرضهم لمخاطر ذهب ضحيتها كثير من الأبرياء؛ ٱخرها سنوات 2023-2024 كما حكى لي الكثير من سكان الدواوير التي عرجنا عليها في طريقنا إلى أنامر سموكن.
حضرت تمنارت في كتب التاريخ المحلي لسوس؛ في طبقات الحضيكي، في الجزء الأول والثاني، وفي معسول المختار السوسي، في الأجزاء 1و9و11 وفي (إليغ قديما وحديثا)، وخصتها (معلمة المغرب) بمادة علمية مهمة في الجزء15. أوردت هذه المراجع النقاش حول الطبيعة والسكان وأصول الأسر وأنسابها، خصوصا الأسرة الحضيكية، وكذا الأعلام والمدارس. ويمكن أن نستخلص من هذه المادة التاريخية أن قبيلة سموكن مثلها مثل العديد من قبائل سوس؛ هي تاريخ من التنوع التاريخي، تنوع الأنساب والأصول، وتنوع التحالفات، والانتقالات، والمصاهرات، والصداقات، والعداء، والترابطات، والنزوح، والهجرات… وعندما كنت أسأل عن أصول السكان في أنامر سموكن كانت أغلب الإجابات، وليست كلها، تربطهم بمدينة تامدولت التاريخية والتجارية، وهي إجابات تحتاج إلى تدقيق وبحث ومقارنة.
كما أوردت المراجع التاريخية ما وقفت عليه ورأيته رأي العين وهو أن الدين الإسلامي يشكل الرابط الجامع لكل القبائل، وبجواره اللغة العربية باعتبارها لغة علم وعبادة، والأمازيغية لغة تواصل يومي، بما يجعل أنامر سموكن قطعة من المنظومة الدينية الواسعة التي تخيط الهوية المغربية بتنوع روافدها؛ كما تظهر هذه المناطق بشكل لافت جدا، وبشكل يومي، على أنها
جزء من شبكة الذاكرة الدينية السوسية القديمة والحديثة والمعاصرة؛ فالمسجد جامع، والمدرسة القرآنية جامعة، وإمام المسجد جامع. مع تنوع في الزوايا وفي أنماط التدين. وقد وارتبط التاريخ الثقافي والاجتماعي لأنامر سموكن بالولي الصالح سيدي أحمد أوداود السمكوني وقد وجدنا الاستعدادات جارية للاحتفال به. وهوالمدفون بأنامر سموكن؛ ذكره الحضيكي(1775م) في الجزء الأول من طبقاته، وهو أقدم المترجمين له. وذكر المختار السوسي عددا من العلماء السمكونيين في المعسول في المجلدات 1و9و11، من أبرزهم العربي بن محمد السمكوني، كان أغلبهم يدرس في المدارس العتيقة وفي المساجد في طاطا وتزنيت وتارودانت. فرحلة العلم كانت توجههم إلى الجنوب، أما هجرات السكان اليوم من أنامر سوكن فتوجههم إلى الشمال في الرباط وسلا والدار البيضاء وطنجة وتطوان وأكادير، وهي أكثر المدن استقطابا لسكان أنامر سموكن. وعنما تخالط سكان الدوار القادمين من (الشمال والغرب) المغربيين، وقد خالطتهم، خصوصا تجمعات الأطفال والشباب، تخيل نفسك في إحدى أحياء العكاري بالرباط، أو الرحمة بالدارالبيضاء، أو في إحدى أحياء مدن سلا أو الشمال. تسمع دارجة مغربية جهوية ومحلية تنبئ بمسقط الرأس. وتسمع بالمقابل الأمازيغية بين الآباء وكبار السن، وتلك قصة أخرى سأعود إليها في خضم الحكي والوصف.من طرائف رحلة الطريق أن لاوجود للدرك في المرتفعات الجبلية، وبقدر الارتفاع في الجبل بقدر قلة رؤية الإنسان أو الحيوان. وفي خضم هذا الصمت تجد لغة تواصل تضامني صامتة وعجيبة؛ ففي أماكن كثيرة ربما معروفة عند مستعملي الطريق وعند الرحالة والمهاجرين تجد أماكن لشرب الماء في قنينات كبيرة معدة لذلك الغرض بعناية كبيرة، بل وجدنا مقاهي وبيوتا يعرضون الضيافة مجانا على القادمين من وإلى هذه المنطقة الجبلية المرتفعة. وعلى مشارف الدواوير ترى لوحات السيارات الكثيرة للقادمين إلى جذورهم. وأغلب الأرقام كما ذكرت، من: الرباط، وسلا، والدار البيضاء، ومدن الشمال، وبني ملال، وأكادير. ولا ترى لوحات السيارات الأجنبية إلا ناذرا. وعنما سألت أخبرت بأن هذه المنطقة عرفت الهجرات الداخلية فقط. وهي بذلك (هجرة دائرية)؛ تتكون من محور موضوعي هو المهنة ومدارس الأطفال، في الرباط وسلا وتطوان… ومحور ذاتي وجداني هو الأرض و(الدار القديمة) والمسجد والمقبرة والضريح والواحة في أنامر سموكن. فالمهاجر الدائري عقله في المدينة التي هاجر إليها وقلبه في الدوار الذي غادره. ويستثمر فرصة عطلة الصيف أو الأعياد الدينية ليصل الرحم الباطنية الكبرى بين عقله وقلبه على أرض الأجداد في الدوار. وكانت رحلة الصيف إلى أنامر سموكن فرصة سانحة لي لاختبار هذه المقولة التفسيرية التي ستتكشف لنا من خلالها الكثير من المعطيات والحقائق التي تحجبها عنا أيديولوجيا المدينة وغشاوتها ومصالحنا فيها، بما يحجب عنا ليس الحقيقة الموضوعية على الأرض بل حقيقة أنفسنا، والعوامل المؤثرة في شخصياتنا وفي مواقفنا. فكلما استمعت إلى نقاش أو إلى ادعاءات في المدن بصدد قضية من القضايا، فاذهب إلى البادية لترتوي بالحقيقة، ولتعرف جدية الادعاءات وقيمتها العلمية والتاريخية والاجتماعية التي تتردد في أزقة المدن.



