المقالات

تقديم كتاب:” ابستيمولوجيا الدرس اللغوي في التراث العربي:القوة التفسيرية والكليات اللسانية(إدريس مقبول)

يعتبر مجال فلسفة اللغة من أنشط المجالات التي حضيت باهتمام بالغ أكثر من غيرها في ميدان الفلسفة خلال القرن الماضي، وهو ما أكده جون سورل في كتابه”ما اللغة؟”، يقول:” أظن أنه من أعظم الفتوحات في الفلسفة خلال الـ100 عام الماضية أو الـ125 عاما حصلت في فلسفة اللغة، إذ لا يوجد فرع في الفلسفة بلغ مستوى رفيعا للغاية مثلما بلغت فلسفة اللغة”.

في كتاب “إبستمولوجيا الدرس اللغوي في التراث العربي” وهو كتاب في فلسفة اللغة، ينبش الباحث عبد القادر لقاح في المباني المَنسية، أو لنقل بعبارة الدكتور مولاي أحمد العلوي بحث في الفلسفة المتوارية للغويات العربية، بحث يستهدف صاحبُه الباحث في اللسانيات العربية إماطة اللثام عن العلاقات المتوارية خلف علاقة “العقل” بـ”اللغة” من خلال منطق الكليات التي ترجع لها كافة جزئيات الوصف والتفسير. وهو البحث الذي أبدع فيه الألمان أمثال فيلهلم فون همبولت و يوهان جوتفريد هردر وليو وايسغيربر وغيرهم.

كتاب “إبستمولوجيا الدرس اللغوي في التراث العربي” كتاب كتبه صاحبه بمنهج حفري، يستقصي فيه الجذور والأصول في التراث اللغوي العربي، ولهذا جاءت مباحثه ومطالبه بأسلوب استدلالي متراص، يستفيد منه المتخصص بلا شك، في الوقت الذي يجفو على القارئ العادي لاستعصاء مُدخلاته النظرية ومخرجاته.

لاشك أن البحث كما يعرضه الأستاذ عبد القادر لقاح، يتجه للبحث في الأصول، فهو نظر ذو بعد فلسفي، كشف لنا من خلال عمله كيف أن اللغويين العرب القدامى اهتموا به، ولم يكتفوا بالأصول الكلية المستنبطة من استقراء كلام العرب، بل احتكموا إلى مستوى أعلى، وهو ما يمكن أن نسميه بالكليات اللسانية.

في هذا الكتاب، ومن منطلق تكاملية العلوم العربية والإسلامية، يطوف بنا المؤلف في مساحات واسعة من المعرفة العربية نحوا وصرفا وبلاغة ومنطقا وفقها وتفسيرا وفلسفة، باحثا عن النواظم المشتركة ومناقشا بجرأة وبرهان في ذلك أطروحات عدد من المستشرقين منهم كيس فيرشتيخ في دراسته عن مفهوم المستويات التحتية للتراث النحوي العربي، دون أن يغفل عن مناقشة اللسانيين العرب في كثير من خلاصاتهم ونتائج أبحاثهم المبتسرة على النحو الذي نجده في نقده لميشال زكريا وبخاصة في كتابه بحوث ألسنية عربية.

المؤلف: الدكتور عبد القادر لقاح

لقد سعى الأستاذ عبد القادر لقاح أن ينفتح بكل سلاسة على المنجز اللساني الغربي بلا انبهار، مستعينا بفقهه للفروقات الفلسفية بين أنساقها التحليلية والوصفية، مشددا على أن الصرامة التي يضفيها البعض على قوتها التفسيرية، يوجد لها نظير متقدم في الممارسة اللغوية العربية التراثية.

من ميزات عمل الباحث أنه وسع دائرة البحث في فلسفة اللغة خارج دائرة العالم السُّني وخارج مدوناته المعروفة، فأتاح لنا فرصة التعرف على جزء يكاد يكون منحجبا، بسبب النزعة الطائفية، عن كثير من باحثينا في فقه اللغة وفلسفتها.

من حسنات هذا العمل، وهي بلا شك متعددة، أنه أتاح للقارئ المتخصص في اللسانيات أن يطالع نظريات وأقوالا على درجة من العمق في فهم اللغة لا من داخل مصنفات النحو والصرف، بل من بطون كتب الفقه والتفسير والمنطق، ولعلها أحد أهم دروس هذا الكتاب ورهاناته، وهي أن النظرية اللسانية العربية قد توجد بعض عناصرها حيث لا يُتَوقَّع عادة العثور عليها أي في نَظَر فقيه أو أصولي أو تأويل مفسر أو تأمل فيلسوف، ولعل في مثل هذا الصنيع يصح أن يقال على لسان الشاعر:

إنْ كان في صُدَفِ الأزمانِ رائعةٌ   فهذا من خير ما جادتْ به الصُّدَفُ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق