المقالات

في وداع فيلسوف ماليزيا سيد محمد نقيب العطاس: مؤسس النموذج المعرفي لنهضة ماليزيا المعاصرة:(محمد همام)

 توفي يوم الإثنين 19رمضان1447/08مارس2026 الفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس Syed Muhammed Naquib al-Attas(1931-2026) بمدينة كولالمبور عاصمة مملكة ماليزيا. وأعرف أنني أكتب عن فيلسوف مجهول في المغرب، وفي العالم العربي عموما، ولا يشار إليه في كتابات الفكر الإسلامي المعاصر وفي الفلسفة الإسلامية المعاصرة في السياق الثقافي العربي إلا لماما. ويرجع هذا التجاهل/ أو الجهل بفيلسوف من حجم محمد نقيب العطاس إلى مشكل قطيعة كبرى بين الفكر العربي والإسلامي في المشرق العربي وشمال إفريقيا مع الفكر الإسلامي في جنوب شرق آسيا والأناضول.  لذا فإن تعرفي على الفيلسوف محمد نقيب العطاس  مر عبر رحلة تستحق الذكر في حدها الأدنى في هذا السياق، على أساس أني خصصت لها حيزا واسعا من حكي سردي ذاتي  لم يحن وقت نشره الآن.

قمت برحلة علمية إلى ماليزيا في جنوب شرق آسيا في بداية الألفية الثالثة لحضور مؤتمر علمي في الجامعة الإسلامية العالمية في كولالمبور، في رحلة طيران طويلة ومتعددة المحطات. لم أكن أعرف عن ماليزيا الكثير، إلا أنها من الدول الصغيرة في الجغرافيا والسكان، لكنها من النمور الأسيوية الناهضة، من خلال الجمع بين العلم الدقيق والأخلاق العالية والفضيلة. فقد استقلت عن المملكة المتحدة UK سنة 1957م. وتأسست  بشكلها الحالي بنظام سياسي يقوم على ملكية دستورية فدرالية سنة1963.

ماكنت أعرفه عن ماليزيا التسعينيات، وما كان يصلنا، أنها أسست نهضتها على القيم الإسلامية، وأن مشروعها النهضوي في العلم والفضيلة قادته حركة شبابية ذات امتداد جماهيري في ماليزيا اسمها حركة ABIM؛ أي: الحركة الإسلامية للشباب في ماليزيا. وهي منظمة دعوية وإصلاحية، وكان من قادتها أنور إبراهيم Anwar Ibrahim، وهو رئيس ماليزيا اليوم. كان من القيادات الطلابية والحركية المشهورة في ماليزيا وذات تأثير كبير في صفوف الطلاب والمثقفين والأوساط الجامعية والأكاديمية والطبقات الوسطى في  نهاية السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. صادف ظهوره ونشاطه الثقافي والسياسي بروز قطب آخر للتنمية الحديثة في ماليزيا هو الدكتور محمد مهاتير زعيم حزب الاتحاد الوطني الماليزيUMNO الحاكم في ماليزيا. وقع تحالف بين الرجلين فغادر أنور إبراهيم الحركة الدعوية ABIM والتحق بالحزب الحاكم UMNO. وتولى مناصب وزارية مهمة في الدولة؛ مثل: وزير الشباب والرياضة، ثم وزير التعليم العالي، ثم وزير المالية، ثم نائب رئيس الوزراء. وقاد مع الدكتور مهاتير سياسة اقتصادية ناجعة في ماليزيا تقوم على جذب الاستثمار وتشجيع النمو الاقتصادي الماليزي. واستطاعا الجمع بين خلفيتهما الدينية الإصلاحية والفعالية في الأداء السياسي والنزاهة الأخلاقية، وإدارة ملفات الاقتصاد الماليزي المعقدة.

دخلت إلى ماليزيا في السنوات الأولى من الألفية(2002)، فوجدت الوضع السياسي متوترا جدا في البلد بسبب الخلاف الذي نشب بين الحليفين دكتور محمد مهاتير وأنور إبراهيم أبرز وزراء حكومته (1998). ففصل مهاتير أنور ووجه له تهما كثيرة وجره إلى المحاكم، ووجدته حينها في الإقامة الجبرية، ثم اعتقل وزج به في السجن. تحدثت كتب كثيرة وتقارير عن هذه الأزمة بين قائدين كبيرين في ماليزيا من رواد نهضة ماليزيا الحديثة. ويرجع الكثيرون الأزمة إلى أياد خارجية في المحيط الإقليمي القريب من ماليزيا وفي المحيط الدولي البعيد، لم تكن تنظر بعين الرضى إلى هذا النموذج التنموي الصاعد والذي يتكئ على مرجعية إسلامية تخيف القريب والبعيد في سياق الحملة الغربية على النماذج التنموية الصاعدة في آسيا وفي إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية. خصوصا النماذج التي يظهر عليها التمايز المرجعي والعائد الثقافي والحضاري المتمرد على الحضن الكولونيالي.

 خرج إذن أنور إبراهيم من المسؤؤلية السياسية ودخل في محنة المحاكمات والسجون، واستمر الدكتور مهاتير في مشروعه التنموي لنهوض ماليزيا. ولم يستسلم أنور لهذه الأقدار إذ قاد أنصاره حركة سياسية واسعة للدفاع عنه ومواجهة الدكتور محمد مهاتير. وتأسست حركة الإصلاح الماليزيةReformasi، وظهرت بسبب نشاطها تحالفات المعارضة الماليزية وقادت أنور إبراهيم إلى رئاسة الوزراء. وعاد من حيث أخرج لاستكمال برنامج النهوض الماليزي(2022).

لماذا ذكرت هذا السياق الذي وجدت فيه نفسي عند زيارتي لماليزيا في رحلة علمية؟ وماعلاقة هذا الحكي بالفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس، رحمه الله؟ اردت أن أظهر أنني لم أكن أتوفر إلا على معطيات سياسية تتعلق بماليزيا، وهي بالمناسبة كثيرة وفرعية ومرتبطة بسياقاتها المحلية. ذلك ماجعلني منذ أن وطئت قدماي مطار كولالمبور أهتم بملاحظات كل ما يصادفني في طريقي، من تجهيزات، وبنيات تحتية، وتنوع بشري عجيب، ووسائل نقل، وطرقات، وفنادق، ومساجد، ومعابد، وجامعات، وحدائق، وأسواق، وأزقة، وملاعب… مما دونته في مذكراتي التي قد ترى النور في يوم من الأيام.

مارأته عيني منذ ولوج مطار كوالالمبور ينطبق عليه (صدمة الشرق ودهشته)، بسبب من القوة المادية والتقنية والتنظيمية لهذا البلد. اكتشفت أننا نعيش في رقعة ضيقة من العالم نولي وجوهنا شطر الغرب آناء الحاضر وأطراف المستقبل، وخلفنا عالم آخر أقرب إلينا حضاريا، وأنسب لنا للإلهام في التنمية والنهوض، بناء على خصوصياتنا ومقوماتنا وإمكانياتنا، الثقافية والبشرية تحديدا، ولا نعرفه. لذلك كانت أزمتنا عندما اكتفينا بالترجمة الجامدة للكوجيطو(أنا أفكر إذن أنا موجود)، وبجواب كانط عن سؤال (ما الأنوار؟)؛ فلم نحقق وجودنا الحاضر اللائق بنا، ولم نصنع حالة تفكير مبدع في أوساطنا، كما لم ننجز تنويرنا. وفي المقابل لم ننتبه خلفنا إلى نداء حضاري أطلقه الدكتور محمد مهاتير عنوانا لمشروعه النهضوي الذي صعد بماليزيا بالاشتراك مع أنور إبراهيم، متفقين أو مختلفين، بعنوان: أنظر شرقا Look East، وهو عنوان مشروع نهوض يقوم على ركيزتين: الثقافة والاقتصاد؛ ويتفرع عن هذا الثنائي المترابط علاقات تركيبية متعمقة، تنشأ من خلال التربية والتعليم والخبرة العلمية، هي الأخلاق التطبيقية والانضباط Work Ethic، والتدبير الفعال، والابتكار، والتقنية الحديثة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، والثقة في الذات، والانطلاق من أعماقها، من الهوية والثقافة الوطنية القائمة على التعدد الديني والإثني، رغم أن أغلبية سكان مملكة ماليزيا مسلمون. صاغ مهاتير وأنور هذا النموذج وأعينهم تنظر شرقا إلى اليابان وكوريا الجنوبية والصين، وقد أدوا الإثنين ثمن هذه النظرة إلى الشرق غاليا، أقله أن فرقوا بينهما لإعاقة الصعود الماليزي المبهر.

وقع الخلاف السياسي الحاد بين الزعيمين لكنه لم يؤثر على منحنى الصعود التنموي. تعرفون لماذا؟ لأنه كان يقوم على أرضية صلبة، وعلى مادة رمادية مشعة ومشتركة، هي قيم الدين والأخلاق، وعلى سردية دينية إنسانية بآفاق رحبة وميتافيزيقا مركبة ومستوعبة لانتظارات الإنسان من الدين، بما يحول هذا النموذج الماليزي، والأسيوي عموما، إلى تجربة منهجية في التنمية قادرة على الجذب والإلهام.

وكانت اهتمامتي الفكرية تدفعني إلى البحث عن البنائين الأصلاء لهذه التجربة؛ بناء جذرها المعرفي، ومفاهيمها التأسيسية، وروحها الدينية. هنا وجدت الفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس، رحمه الله.  شامخا ومؤسسا، ومن هنا بدأت الحكاية.

شاركت في مؤتمر علمي في الجامعة الإسلامية العالمية في أكتوبر2003، بعنوان: وحدة الأمة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين: فرص وتحديات. وأذكر أني شاركت بمداخلة بعنوان: (النقد الثقافي مدخلا إلى الوحدة والتأليف)، وقد نشرت ضمن أعمال المؤتمر. والجامعة الإسلامية العالمية تأسست سنة1983 من مبادرة مشتركة بين الحكومة الماليزية ومجموعة من الدول الإسلامية، خاصة: المملكة العربية السعودية، وباكستان، وتركيا، ومصر، والمالديف. وكان رئيس الحكومة الماليزية حينها الدكتور محمد مهاتير. تناوب على رئاستها المفكر المصري محمد عبد الرؤوف 1983-1988، والمفكر السعودي عبد الحميد أبو سليمان 1989-1999، والمفكر الماليزي محمد كمال حسن 1999-2006، وآخرون إلى اليوم. فعندما شاركت في المؤتمر كان حينها يرأسها الأستاذ محمد كمال حسن، رحمه الله.  وصادف تاريخ تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية البروز السياسي لأنور إبراهيم بعد التحاقه بحزب الدكتور مهاتير UMNO(1982). وكانت الجامعة، بنظري، رغم طابعها العالمي صوتا معرفيا جديدا لحركة الصعود الماليزي الذي قاده مهاتير وأنور، على قاعدة الإصلاح الإسلامي الجديد. وستعزز هذا العمق المعرفي بتأسيس الفيلسوف محمد نقيب العطاس سنة1987 المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة International Institute of Islamic Thought and Civilisation (ISTAC)، سيتأسس المعهد داخل الجامعة الإسلامية العالمية مع مستوى كبير من الاستقلالية الأكاديمية كان نقيب العطاس حريصا عليه. وقد حدد العطاس للمعهد أهدافا تتقاطع مع أهداف الجامعة الإسلامية العالمية؛ فقد كان الهدف الأكبر لتأسيس الجامعة الإسلامية العالمية دمج المعرفة الإسلامية مع العلوم الاجتماعية والطبيعية الحديثة، وإعداد العلماء والمفكرين، والحفاظ على التراث الإسلامي، وتعزيز التفاهم بين الحضارات، وترسيخ ثقافة الخدمة المجتمعية، وصناعة القيادات الفكرية والأكاديمية العالمية. ومن هذا الأهداف الكبرى استخرج العطاس لمعهده أهدافا دقيقة ومنهجية، تقوم على إعادة بناء المعرفة من منظور إسلامي، ودراسة الحضارة الإسلامية، مع التركيز على محاور الفلسفة والتصوف واللغة والأدب والتراث العلمي، و من هنا التأسيس المعرفي والمنهجي لمشروعه الكبير (إسلامية المعرفة) من منظور نقدي. وهذا ما نلمسه في تراثه الفكري الممتد الذي خلفه من كتب ودراسات ومحاضرات ومؤسسات، مما سنأتي على ذكره.

وسيتعزز دور الجامعة الإسلامية العالمية في بناء الجذر المعرفي للقوة الجديدة الصاعدة في ماليزيا من خلال الشراكة التي ستعقدها مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن (تأسس سنة1981)، مما يعني أن فترة الثمانينيات كانت فترة تأسيس مؤسسات الفكر الإسلامي العالمية، من جامعات، ومعاهد، ومراكز. وحصلت شراكة كبيرة ونافعة بين الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا وبين المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، توجت سنة1989 بتولي الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، رحمه الله، إدارة الجامعة الإسلامية العالمية لمدة عقد من الزمن. فحصلت شراكة فكرية بين المؤسستين، وتعاون أكاديمي، وتنسيق على مستويات البحث والنشر والتسويق المعرفي والإعلامي الأكاديمي لأطروحة (أسلمة المعرفة).

فنحن إذن أمام جامعة إسلامية عالمية IIUM، ومعهدين؛ معهد الفكر الإسلامي والحضارة ISTAC، برئاسة سيد محمد نقيب العطاس، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي IIIT، برئاسة عبد الحميد أبوسليمان، داخل جامعة واحدة، وبهدف واحد هو: إنجاز مشروع إسلامية المعرفة.

قضيت في ماليزيا أكثر من أسبوع، وكنت أتردد يوميا على الجامعة الإسلامية العالمية في منطقة Gombak  في ولاية Selangor (20 كلم شمال كولالمبور)، والتقيت بعدد كبير من الأساتذة في الجامعة، وأغلبهم أجانب، من مختلف الدول الإسلامية. وكنت أسمع عن تاريخ الجامعة وعن إنجازاتها، وعن فلسفة تشييدها، وهي بالمناسبة بناية/ تحفة معمارية بعبق حضاري جذاب. فيها تخصصات علوم الوحي والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية وعلوم الطب والهندسات المختلفة… كما كنت أسمع عن دور الشراكة مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي في تطوير الجذر المعرفي للجامعية، وفي صياغة برامجها التربوية والعلمية، وفي تطوير مؤسسات البحث العلمي بالجامعة. وهو أمر سيلحظه كل مهتم بمؤسسات الفكر الإسلامي المعاصر، وكل متابع لإنجازات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن. وهو مؤسسة أزعم أني ممن احتكوا بمؤسسيها، وبمديريها، وبقادتها الفكريين، ومن المطلعين على إنجازها الفكري في البحث والنشر، ومن المشاركين في مؤتمراتها داخل المغرب وخارجه. ولكن الذي أثار انتباهي أن لا أحد يذكر معهد الفكر الإسلامي والحضارة، ولا أحد يتكلم عن فيلسوف ماليزي كبير هو سيد محمد نقيب العطاس، على الأقل في اللقاءات التي حضرتها، والمداخلات التي استمعت إليها، إلا لماما.

وأهم ما اكتسبته من رحلة ماليزيا أني كنت أجهل عالما لانعرفه إلا في الخريطة وهو آسيا. وأما ماليزيا فهي اكتشاف حقيقي ودهشة لا حدود لها. ومنذ رجوعي بدأ اهتمامي بالفكر الماليزي، وبالفكر الأسيوي عموما. وزاد من شغفي به ومن الرغبة في اكتشاف مناطق جديدة من الجهل في ذهني وفي ثقافتي، أن قدر لي أن أخوض تجربة رحلة أخرى إلى الشرق، هي رحلة الحج 2003، مما كتبت عنها صفحات كثيرة سيأتي الوقت لنشرها في حينها، إذا أمد الله في العمر. قضيت في الحج أكثر من شهر كانت تجربة جديدة في الزمان والمكان والفكر والإحساس. وقدر لي أن ألتقي بعالم موسوعي عراقي  هو المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مدير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ومدير مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ومؤلف موسوعة فلسفة الدين في ثماني مجلدات. كان يقيم حينها في طهران. قضيت معه أكثر الوقت في موسم الحج، واستفدت من خبرته الثقافية ومن شبكة علاقاته العلمية الواسعة جدا.  وكان مطلعا بموسوعية مدهشة على الفكر الإسلامي في آسيا؛ في إيران، والهند، وباكستان، والأناضول. ومنه التقطت بعض المعطيات عن سيد نقيب العطاس، وأذكر أنه أشار إلى أن الفيلسوف الماليزي هو مبدع أطروحة إسلامية المعرفة، وأن رؤيته تختلف عن رؤية المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وأن أطروحته معرفية ونقدية وغير تراثية. هنا بدأ يحضر في ذهني سيد نقيب العطاس. وبدأت أسأل عن فكره وعمن يعرفه، فجاء قدر معرفي آخر، فزارني في أكادير المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد، رحمه الله، وقضى عندنا وقتا طويلا، بتيسير من صديقه محمد بن عيسى، وزير الخارجية المغربي السابق، رحمه الله. وكانت ليالي أكادير والدار البيضاء شاهدة على نقاشات علمية ممتعة مع أبي القاسم حاج حمد، مما دونت منه الكثير، سيحين وقت نشره. ومن الموضوعات التي دار حولها النقاش المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وقد قضى فيه أبو القاسم حاج حمد سنة للتفرغ العلمي لكتابة أطروحته الفكرية الجديدة بعنوان: (منهجية القرآن المعرفية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية)، سيتحفظ المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن في نشرها، وسينشرها عبد الجبار الرفاعي ضمن منشورات (مركز فلسفة الدين). وكان أبو القاسم حاج حمد صديقا لرئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي طه جابر العلواني. لكن جرأة الكتاب وقفت دونها حواجز في النشر. وقد حكى لنا حاج حمد الكثير من خبايا قصة الكتاب. ومما كان يذكره لنا في مسامراته بأكادير والدارالبيضاء الفيلسوف الماليزي محمد نقيب العطاس. وتحدث لنا عن مشروعه العلمي بتفصيل، وعن رؤيته لتجديد الفكر الإسلامي، وعن اختلافاته الواسعة مع مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ولما لاحظ حاج حمد اهتمامي بالسؤال عن الفيلسوف الماليزي نقيب العطاس، وعن مشروعه الفكري، وعن تصوره لأطروحة (إسلامية المعرفة) أخرج من حقيبته كتابه بعنوان: ( إبستمولوجية المعرفة الكونية: إسلامية المعرفة والمنهج) (أصدره حاج حمد ضمن منشورات مركز فلسفة الدين)، وقال لي اقرأ  الصفحة 82، ذهبت لها رأسا وقرأت نصا لنقيب العطاس أورده حاج حمد، يقول  في تقديمه حاج حمد: ” أما السببب في استبعاد العطاس فهو دمجه بين (العرفانية) ومحاولاته المنهجية (لتكييف) ما يسميه الأسلحة المعرفية الغربية (الإبستمولوجي) مع استيعابه لتطور الغرب وفلسفته”. ويضيف حاج حمد: « هكذا خرجت مسارات (الأسلمة) من يد العطاس، وبقيت شعارا بلا منهج، مما دفعه للحنق والغضب الشديدين خصوصا وقد تناول كثيرون موضوع (الأسلمة) من بعده فشوهوها وزيفوها”. وأورد حاج حمد نصا للعطاس يقول فيه: ” ومنذ ذلك الوقت توالى عقد دورات عديدة للمؤتمر العالمي للتعليم الإسلامي في مختلف العواصم الإسلامية، ولكن لم تصلني أية دعوة لحضور تلك المؤتمرات. وانتحلت أفكاري بدون إثبات أي حق لي. ومنذ عام1982م ظل بعض العلماء المتطلعين للشهرة وبعض الحركيين والجامعيين والصحفيين يتولون نشر أفكاري تلك بطرق وأساليب غير محكمة ولا مجودة، واستمر ذلك الأمر إلى يومنا هذا”. ويضيف نقيب العطاس، نقلا عما أورده أبو القاسم حاج حمد في كتابه المذكور: ” إن المسلمين لابد أن ينتبهوا إلى المنتحلين والمزيفين. والمحاكون من الجهلاء إنما يرتكبون جرما كبيرا وشرا عظيما حينما يقومون بنشر القيم الهابطة التي يفرضونها على الغافلين فرضا، لأنهم بذلك يشجعون على الرداءة، وينتحلون الأفكار الأصلية فيقدمونها للتطبيق المستعجل ساعين إلى كسب الثناء والحمد الذي لا يستحقونه، والله جل شأنه يقول: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) آل عمران188. ذلك لأن الأفكار الأصلية لا يمكن أن تطبق بشكلها الصحيح إذا عرضت بطريقة مغلوطة وسقيمة. ومن يفعل ذلك فسينقلب حمده ذما، وسيندم على ما أقدم عليه. وكذا الأعمال الفكرية الأصلية والمبتكرة إذا سرقت وعرضت بشكل غير محكم فإنها حتما ستتعرض للتشويه والضياع(…) ولا غرو فإن النتيجة الحتمة لسوء السلوك إنما تهيئ المناخ المناسب لظهور مغالين من الناس، من جهلهم رأس مال يتاجرون به بين الجماهير. ولأن قيمة الأفكار الجديدة وصحتها لا يمكن أن تتضح أو تتبلور إلا من خلال قنوات وأطر مناسبة يضعها مخترع هذه الأفكار شخصيا”.

لقد وقع إذن توتر حاد في فهم صلب أطروحة (أسلمة المعرفة) بين نموذج سيد محمد نقيب العطاس وبين نموذج المعهد العالمي للفكر الإسلامي على أرضية الجامعة الإسلامية العالمي بماليزيا. ولما كان المعهد العالمي للفكر الإسلامي هو الواجهة التي يطل منها المهتمون بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر والفلسفة الإسلامية المعاصرة في العالم العربي على المجتمع العلمي العالمي، والمجتمع العلمي في البلاد الإسلامية، وكانت ماليزيا من تلك البلاد، وكان أغلب رواد المعهد العالمي للفكر الإسلامي وقادته من جنسيات عربية، لذلك صمتوا عن هذا الخلاف المعرفي الحاد في تفسير الأطروحة، وحرمنا في العالم العربي من نقاش علمي كان سيكون مثمرا ودافعا لعجلة تجديد الفكر الإسلامي، كما صمتوا عن فيلسوف كبير هو سيد نقيب العطاس، وحرمنا من تجربته الفكرية، ومن ميراثه العلمي. وبدأت رحلة بحثي عن فكره ومازالت مستمرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق