المقالات

التربية بالفتوى في القرآن والسنة النبوية (محمد عصام تليمة)

من الموضوعات التي تفتقدها الدراسات المتعلقة بالفتوى، ما يمكن أن نطلق عليه: التربية بالفتوى، أي: الاستناد للتربية في الفتوى، سواء من حيث جعلها أحد مصادر للاستدلال عند الفتوى، أو هدف يتحقق بها، أو يراعيه المفتي عند صدور فتواه، بحيث يربط بين الفتوى كسؤال، وبين الإجابة عليه، ومخاطبة المستفتي خطابا يعزز لديه الجانب التربوي.
فالقارئ لكثير من كتب الفتوى قديما وحديثا، يجدها تتناول الجانب الفقهي فقط، فمنها ما يذكر الخلاف المذهبي، أو الرأي حسب مذهب المفتي، وقلما يستدل على ما يذكر، وإن استدل، فيكون استدلاله مرتبطا بالمسألة الفقهية دون ما يتعلق بها من أمور أخرى، تربط المستفتي بالجانب التربوي وهو المعني والمهم في التشريع الإسلامي، وما كان يتغياه في النصوص التشريعية من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
غاية الأحكام والتشريع تربية الناس:
فالمتأمل لآيات الأحكام في القرآن الكريم، سيجدها لا تخلو من النص على الجانب التربوي، سواء كانت بالحث على التقوى، أو مراقبة الله تعالى، أو تقوية الضمير والوازع الديني عند المسلم، ولا تكتفي الآيات بذكر الحكم الشرعي فقط، وهو ما نلاحظه في جل الآيات سواء المتعلق منها بالجانب التعبدي من الصلاة والصيام والزكاة والحج، أو جانب المعاملات، كالبيع والشراء، والنكاح والطلاق، والميراث، والحرب والسلم.
الربط بين الفتوى والتربية في القرآن الكريم:
وكذلك في جانب الفتوى والأسئلة في القرآن الكريم، فباستقراء الآيات التي وردت فيها صيغ السؤال والفتوى، بقوله تعالى: (يستفتونك) أو: (يسألونك)، سنجد نفس المعيار وهو ربط التشريع بالتربية والخلق، وسواء كان السؤال مرتبطا بأمر عقدي، أو اجتماعي، أو سياسي، سنجده دائما مربوطا بهذا الهدف.
فقد وردت صيغة (يستفتونك) مرتين في القرآن الكريم، قال تعالى: (‌وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا) النساء: 127، وقال: (‌يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ) [النساء: 176، فرغم بيان الإجابة عن الآيتين فيما يتعلق بحقوق النساء المالية، من حيث النفقة والزواج باليتامى، أو بأمهاتهم، ربط الفتوى بفعل الخير، وفي الآية الثانية، بعد بيان حكم (الكلالة)، ختم الآية الكريمة، بالهدف من هذا البيان، وهو ألا يضلوا، ويتمسكوا بالهدى والصواب.
ووردت صيغة (يسألونك) في عدة آيات كريمات، وأيضا نجد الإجابات فيها بعد بيان الحكم الفقهي، مرتبطة بشكل وثيق بالهدف التربوي من الفتوى والسؤال، فمثلا نجد قوله تعالى: (يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ) البقرة: 189، فالآية تبين الإجابة عن السؤال عن الأهلة، وبيان حكمها، وإتيان البيوت من أبوابها، ومع ذلك ذكرت الآية الأمر بالتقوى مرتين.
وعند السؤال عن الإنفاق، قال تعالى: (‌يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ) البقرة: 215.
وعند السؤال عن أمر سياسي يتعلق بالقتال، والحرب في الأشهر الحرم، قال تعالى: (يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ) البقرة: 217. وكذلك عند السؤال عن الغنائم بعد الحرب، قال تعالى: (يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) الأنفال: 1.
وعند الحديث عن الأكل والشرب، ما يحل منه وما يحرم، يبين القرآن الكريم الجواب، مع الحث على الجانب التربوي والتزكوي، فقال تعالى: (‌يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ ‌وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ) البقرة: 219، (يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ) المائدة: 4، وهكذا عند تتبع صيغ الفتوى والسؤال في القرآن الكريم، نجد الهدف ثابتا، وإن اختلفت صيغة الطلب المحقق له.
التربية في الفتوى النبوية:
وفي السنة النبوية أحاديث وردت في صيغة الفتوى، كذلك تربط بينها والتربية برباط وثيق، سواء كان ذلك في الأحاديث التي تناولت التشريع دون سؤال، أو التي كانت إجابة عن سؤال من سائل، وهي أمثلة كثيرة، أكثر من أن تحصى، لكن نضرب بعض النماذج منها، لنثبت بها ما قدمنا به في الموضوع.
فمن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحث الصحابة على إدراك الركعة الأولى، والصف الأول مع الإمام، ولكن صحابيا كان في الطريق للمسجد، وقد اقترب من باب المسجد، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يهوي من الوقوف للركوع، فركع الصحابي في الطريق، ودخل المسجد راكعا، ليدرك بذلك الركعة، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فقال له: “زادك الله حرصا ولا تعد”، فهنا الفتوى بعدم العودة، وعدم تكرار الفعل، وأن عليه أن يدخل المسجد بالسكينة والوقار، فما أدركه فليصل، وما فاته فليتمه بعد ذلك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الدافع وراء خطئه هو حرصه على الأجر، ولذا لا ينبغي التنفير من هذه النية، ولا تأتي الفتوى بخطأ ما فعل، على حساب التربية على الحرص نفسه، فبدأ بذلك، فقال: زادك الله حرصا، تزكية منه لدوافعه، مع تخطئة الفعل، بقوله: ولا تعد.
ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم في عيد الأضحى، نهى المسلمين عن ادخار طعام الأضحية، ولهم أن يأكلوها في أول ثلاث أيام، دون ادخار، ثم بعد ذلك رفع النهي، فقال: “إنا كنا نهيناكم أن تأكلوا لحومها فوق ثلاث، كي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا، وادخروا، واتجروا، ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب، وذكر الله”، وكانت العلة في ذلك كما دلت السنة النبوية: إنما نهيتكم لأجل الدافة التي دفت عليكم، والدافة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد، يقال: هم يدفنون دفيفا والدافة: قوم من الأعراب يردون المصر، يريد أنهم قوم قدموا المدينة عند الأضحى: فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها فينتفع أولئك القادمون بها.
ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم أن تقطع الأيدي في الغزو، أي: أن الإنسان إذا اقترف جريمة يستحق عليها العقاب في ساحة الحرب، فالأولى هنا تأجيل العقوبة، أو يؤخر، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في حديث آخر: أن الحد إذا وصل للإمام فليس له العفو، أو التأخير، ومع ذلك كانت فتوى الحرب بهدف تربوي مهم، وهو ألا يفتن مقترف الجريمة، فربما أدى ذلك إلى انتقاله لمعسكر الأعداء، وربما حين يرى الموت في الحرب، فإن استشهد فعل الله يغفر له ما تعلق بحقوقه سبحانه، ولو ظل حيا، فلعل جهاده يوقظ ضميره، فيتوب إلى الله عز وجل.
والنموذج الأبرز والأوضح الذي يجمع بين الفتوى، والنقاش العقلي، والتربية الخلقية، موقف الشاب الذي جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه الإذن بالزنى، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: أترضاه لأمك، لأختك، لعمتك، لخالتك، والشاب يجيب بـ: لا، فقال صلى الله عليه وسلم: وكذلك الناس. وبعد هذا النقاش، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليه، وقال: “اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه”. يقول راوي الحديث: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء …”.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعالج الأمر الفقهي في سؤال الشاب، أو طلبه الإذن بالزنى، فكان يكفيه في ذلك، أن يقول له: إنه حرام، وقد قال تعالى: (ولا تقربوا الزنى)، ولكنه علم أن الأمر لا يعالج من جانب واحد، بل من جوانب عدة، وآخر هذه الجوانب هو الفتوى بمعناها الحرفي، فلا بد من علاج فكرة الشاب عن العفة، ولذا بعدما انتهى من الإقناع العقلي، ذهب صلى الله عليه وسلم إلى علاج قلبه، وهو موطن الداء في ذلك، فدعا له: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. إشارة إلى جوانب العلاج الشاملة في الفتوى.
الصحابة والأئمة على خطى القرآن والسنة:
إن التربية بالفتوى أمر واضح وجلي في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وسار على هذا المنهج الصحابة الكرام، فمن يتأمل في فتاوى الخلفاء الراشدين، والصحابة المفتين، ثم التابعين، ومؤسسي المذاهب الفقهية، سيجد تكاملا وانسجاما بين الفتوى والتربية، ولكن جاءت مرحلة امتدت لزماننا إلا فيما ندر من الفقهاء، خلت فيه الفتوى من هذا الجانب، وأصبحت فتوى مجردة، تعاني من الجفاف الروحي، رغم أهميتها، وثقل من يقومون بالإفتاء، من حيث الملكة الفقهية، وصناعة الفتوى.
لكن بُعدًا مهما ظل غائبا عن فتاواهم، وهو الربط بين الفتوى والتقوى، أو الفتوى والخلق والسلوك، والتربية بكل مستوياتها، والتي هي هدف رئيسي من التشريع، فكيف ولماذا تم الفصل بين الفتوى والتربية؟ وما محاولات الفقهاء في تراثنا الفقهي لإعادة الفتوى والفقه للمسار التربوي؟ لعلنا نوفق في الإجابة عن السؤالين في مقالنا المقبل إن شاء الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق