الترامبية وقمع مؤيدي فلسطين بالذكاء الاصطناعي في أمريكا(محمد الناسك)_2_
رغم أن الأمر التنفيذي نفسه لا يدعو بشكل مباشر إلى ترحيل الطلاب، فإن فكرة قمع المتظاهرين الطلاب المشاركين في الأنشطة المؤيدة لفلسطين كانت أحد وعود حملة ترامب الانتخابية في 2024 وأثارت نقاشًا حادًّا في الولايات المتحدة. وسعى الجمهوريون على نطاق واسع إلى تصوير الاحتجاجات ضد الحرب الإسرائيلية على غزة على أنها تعبير عن دعم حماس، ودعوا إلى معاقبة الجامعات التي لا تقمعها.
ووفقًا لمراسل مجلة “بوليتيكو” (Politico) في البيت الأبيض، إيري سنتنر (Irie Sentner)، فإن الجمهوريين أبغضوا الجامعات سنوات، فأمدتهم الاحتجاجات المناهضة للحرب بسبب لمعاقبتها. وقد كان جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، قد وصفها بأنها “العدو”. وطالما أنحى الجمهوريون باللائمة على الجامعات كونها أرضًا خصبة لعدد من قضايا الحرب الثقافية “اليقظة”، أو “الصحوة”، والمشهورة بــ”الووكيزم” التي يهاجمونها الآن، بما في ذلك مبادرات التنوع والمساواة والإدماج والأطر الأكاديمية مثل نظرية العرق النقدية. لقد أعطت الاحتجاجات التي عصفت بالجامعات في الربيع الماضي في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة وقودًا للجمهوريين لملاحقة الجامعات(12).
يتوافق هذا النهج بشكل وثيق مع “مشروع أستير” اليميني الذي يدعو لاستهداف الحركة المؤيدة للفلسطينيين. وكان عضو مجلس الشيوخ السابق، ماركو روبيو، قبل أن يصبح وزير الخارجية، قد حث على إلغاء تأشيرات الطلاب الذين احتجوا على إسرائيل بسبب حملتها الانتقامية على غزة. وفي رسالة وجَّهها إلى بلينكن، وصف روبيو المتظاهرين المؤيدين لفلسطين بأنهم “مؤيدون لحماس”، وحث الحكومة الفيدرالية على “إجراء مراجعة كاملة وتنسيق الجهود لإلغاء تأشيرات أولئك الذين أيدوا أو تبنوا نشاط حماس الإرهابي”. ويدعو الأمر التنفيذي الوكالات الفيدرالية إلى تحديد “جميع السلطات المدنية والجنائية أو الإجراءات التي تقع ضمن اختصاص كل وكالة” حتى يمكن استخدامها لمكافحة “معاداة السامية في الحرم الجامعي”.
وكان الطالب في جامعة كولومبيا، محمود خليل، من فلسطين، أول ضحايا تلك السياسة. يقول المدافعون عن حقوق الإنسان: إن ضباط وزارة الأمن الداخلي احتجزوا (محمود) في منزله في مدينة نيويورك، وهو مبنى سكني مملوك للجامعة. وقد اعتقل خليل وهو مع زوجته الحامل في شهرها الثامن، وهدد الضباط الزوجة بالاعتقال إن لم تترك زوجها وتذهب إلى شقتهما(13).
وفي تعليقه على هذه الحادثة، قال ترامب: إن اعتقال الطالب الفلسطيني، محمود خليل، الذي لعب دورًا بارزًا في الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في جامعة كولومبيا في نيويورك، ستتبعه اعتقالات أخرى. وأضاف في منشور على منصة تروث سوشيال: “بناء على الأوامر التنفيذية التي وقَّعتها سابقًا، ألقت إدارة خدمات الهجرة والجمارك (ICE) بفخر القبض على محمود خليل، وهو طالب أجنبي متطرف موال لحماس في حرم جامعة كولومبيا. هذا هو الاعتقال الأول من بين الكثير من الاعتقالات المقبلة. نعلم أنه يوجد مزيد من الطلاب في جامعة كولومبيا وجامعات أخرى في أنحاء البلاد شاركوا في أنشطة مؤيدة للإرهاب ومعادية للسامية ومعادية لأميركا، ولن تتسامح إدارتي مع ذلك. العديد منهم ليسوا طلابًا، بل هم مثيرون للفتن مدفوعون. سنبحث عن هؤلاء المتعاطفين مع الإرهاب، ليجري اعتقالهم وترحيلهم من بلادنا، ولن يعودوا إليها مجددًا”. ثم خاطب الطالب الفلسطيني: “إذا كنت تدعم الإرهاب، بما في ذلك قتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، فإن وجودك يتعارض مع مصالحنا الوطنية والدولية، وأنت غير مرحب بك هنا. ونتوقع من جميع الكليات والجامعات الأميركية الامتثال لذلك”. ونشر البيت الأبيض على منصة التواصل الاجتماعي إكس صورة للطالب خليل أرفقها بتعليق “شالوم محمود”، مقتبسًا تهديدات ترامب بشأن الطلاب الذين انخرطوا في الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين.
ونُقل خليل إلى سجن اتحادي للمهاجرين في لويزيانا، بحسب ما ورد في قاعدة بيانات المعتقلين الأميركية. وجاء نقله في الوقت الذي بدأ محاموه طعنًا قانونيًّا في إجراءات اعتقاله في المحكمة الجزئية بمانهاتن. وحتى قبل اعتقال خليل، أعلنت إدارة ترامب إلغاء 400 مليون دولار من المنح والعقود الممنوحة لمجموعة جامعات من بينها كولومبيا. وهذا ما سيحرم طلابًا كثيرين من جميع مناطق العالم من متابعة دراستهم في الجامعات الأميركية. وعلَّلت إدارة الخدمات العامة إقدام إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على إلغاء تلك المنح بالتقاعس عن مواجهة المضايقات المستمرة للطلاب اليهود وحمايتهم.
وفي تدوينة أخرى، أرفق حساب البيت الأبيض صورة خليل مع تعليق “جرى اعتقاله”، متهمًا المحتجين ضد حرب الإبادة ضد الفلسطينيين بأنهم على صلة بحركة المقاومة الإسلامية حماس.
ووفقًا لموقع “زيتيو”(Zeteo) ، فإن محمود خليل طلب من رئيسة جامعة كولومبيا الحماية قبل يوم من اعتقاله. وقال لها في رسالة إلكترونية: “لم أتمكن من النوم، خوفًا من أن تأتي وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك أو شخص خطر إلى منزلي. أحثكم على التدخل وتوفير الحماية اللازمة لمنع المزيد من الأذى”. لكن الرئيسة اختارت الانحياز إلى صف ترامب(14).
هل سينجح ترامب في فرض إرادته؟
قد يحقق ترامب، في سعيه المحموم لقمع الأصوات المؤيدة للقضية الفلسطينية، بعض النجاح، بترحيل بعض الطلبة الأجانب. لكنه بالتأكيد لن يستطيع تحقيق ما يصبو إليه. فهؤلاء جزء يسير من قاعدة عريضة ما فتئت تتسع من الأميركيين المؤيدين للحق الفلسطيني. وقد بدأ الرأي العام الأميركي يغير موقفه من القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي بشكل جذري بعد طوفان الأقصى، خاصة وسط الشباب الجامعي، وهؤلاء الشباب هم قادة المستقبل، وهذا ما يرعب اليمين الأميركي واللوبي الصهيوني في أميركا ومن ورائهم إسرائيل. لقد عصف طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما تلاه من حرب إبادة على غزة بمعظم المنجزات التي حققتها الصهيونية خلال 100 عام من غزوها لعقول الغربيين وقلوبهم. فضلًا عن هذا، سيجد ترامب نفسه في مواجهة القضاء الأميركي الذي اعترض على ترحيل محمود؛ فقد أصدر القاضي جيسي فورمان قرارًا بعدم ترحيله “ما لم تأمر المحكمة بذلك”.
لقد أثار اعتقال محمود موجة من النقد والإدانة، وجادل المنتقدون بأن الإشارة إلى عمليات الترحيل في صحيفة الوقائع يمكن أن تنتهك الدستور الأميركي في حال تنفيذها. ومن المنتقدين للاعتقال، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، الذي قال: إن عملية اعتقال محمود “غير مسبوقة وغير شرعية ومناقضة للمفاهيم الأميركية”. وقال عنها بن ويزنر، مدير مشروع الخطاب والخصوصية والتكنولوجيا في الاتحاد: “إن إنفاذ قوانين الهجرة الذي يستند إلى خطاب محمي هو أمر غير دستوري”. وأضاف: “نعتقد أن الأمر التنفيذي من المحتمل أن يؤدي إلى تجاوزات في تطبيق القانون وإجراءات الهجرة غير القانونية، ولكن علينا أن نرى”.
من جهتها، نددت منظمة الأمم المتحدة بالاعتقال، وأكد المتحدث باسم الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، “أنه من الضروري تسليط الضوء على أهمية صون الحق في حرية التعبير والحق في التجمُّع السلمي في كل مكان”. كما استنكر نواب في البرلمان الأميركي ومنظمات مدنية اعتقال الناشط محمود، ورأوا أن الخطوة تشكل “سابقة خطرة وانتهاكًا لحرية التعبير المكفولة في الدستور”. وحذرت الصحفية إيميلي تامكين، وهي خريجة يهودية من جامعة كولومبيا، من أن تركيز إدارة دونالد ترامب على “معاداة السامية” تجعل اليهود أقل أمنًا، مشيرة في تقرير نشرته مجلة “ذي نيو ريببليك” (The New Republic) إلى أن استخدام ترامب الساخر لمعاداة السامية لتسويغ حملة القمع أدى إلى تعريض كثير من اليهود للخطر. وترى تامكين أن هذه التطورات لا تتعلق بمكافحة معاداة السامية، أو حتى بحماية اليهود. بل يبدو أنها حيلة ساخرة من إدارة مليئة بمن يروجون لمؤامرات معادية للسامية، وهي إدارة مهووسة بمهاجمة التعليم العالي، وحرية التعبير والتجمع، ومعايير الهجرة والإجراءات القانونية الواجبة، مستغلةً اليهود والخوف اليهودي ومعاداة السامية ذريعة لتحقيق ذلك.
وقالت تامكين إنها ليست وحدها على هذا الرأي، فقد كتب لها شيلدون بولوك، الأستاذ الفخري لدراسات جنوب آسيا في جامعة كولومبيا، عبر البريد الإلكتروني: “لقد بذلت إدارة جامعة كولومبيا قصارى جهدها لإرضاء إدارة ترامب، من خلال إنشاء مكتب جديد ضخم للمساواة المؤسسية وبروتوكولات تدريب جديدة، من بين أمور أخرى.. لم ينجح أي شيء وهذه الهجمة لا علاقة لها بمعاداة السامية الفعلية. فالانتقاد المشروع لحملة التطهير العرقي الواسعة التي تشنها إسرائيل يُستخدم ذريعة لتدمير الجامعة الأميركية ومبادئها الأساس المتمثلة في الحرية الأكاديمية وحرية التعبير”(15). وفضلًا عن هذا، فإن أصحاب الشأن من الطلبة يعتقدون أن القمع الذي تتعرض له الحركة المناصرة للحق الفلسطيني يحفز الناس في الحركة على إظهار تضامن أقوى مع بعضهم البعض، “إن الاتهامات تحفزنا في الواقع على النضال أكثر والكفاح بقوة أكبر”(16).
بناء على ما سبق، يتبين أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتخذ من حربه على “معاداة السامية”، ذريعة لتحقيق مآرب أخرى، وهي فرض أجندة يمينية متطرفة تؤمن بتفوق الرجل الأبيض، وتسعى إلى تغيير هوية المجتمع الأميركي. وهذه السياسة لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء وتنم عن جهل بمنطق التاريخ، ولن تحقق ما تسعى إليه. وهذا ما جعل الكاتب الصحافي، توماس فريدمان، يحذر من أن سياسة ترامب في ولايته الثانية لن تصيب نجاحًا، وأن “انهيارًا عظيمًا يجري على قدم وساق”(17).



