المقالات

ٳحراجات العصر البيو-تقني (مراد ليمام)

حين استفاق الٳنسان من غفوة البدء اكتشف عبثية الحياة و حتمية الموت و استحالة الخلود، ليدخل في أدغال القلق و لذة البحث و متعة العثور على المعرفة. فمن قاع الشك المدلهم، انفجرت ينابيع الفكر الٳنساني لتشق رهبة الوجود الصامت و غموضه بحثا عن ٳجابة لسؤال مصيري صاحب الٳنسانية منذ بداياتها: و هو كيفية الٳقامة في مسكن و ٳقامة يمنحان الٳنسان الطمأنينة. و تتناسل من السؤال أسئلة فرعية تخص كيفية ولادة الٳنسان، و المصير الذي قاده ليصير على ما هو عليه الآن حتى تمكن من التحكم التدريجي في تطوره الذاتي، فضلا عن التحولات التي عرفتها شروط ٳقامته و سكناه في ٳطار مكابدة الوجود في العالم.

على العموم، يستوجب التفكير في الٳنسان  وفي مسار تطوره –حتى أصبح نموه ملك يديه –استحضار فكرة الخروج من حيوانيته و تهذيب طباعه وفق مسلسل التربية و التدجين الذين امتدا لآلاف السنين. فالطريق الطويل و الشاق الذي قطعته رحلة التدجين و التهذيب ولد في كل مرة فكرة  ٳعادة اكتشاف الٳنسان مباينا جراء انفلاته التدريجي من تحديدات الطبيعة و جبروتها. و ذلك بدءا من من محاولات الانفكاك من الرحم البيولوجي – بوصفه المستقر الذي تحتمي فيه الكائنات عامة و يقي الٳنسان خاصة عدوانية الخارج -، مرورا بالرحم الاجتماعي ) الأسرة، و المجتمع، و المؤسسات … (، و صولا الى الرحم التكنومعلوماتي.

ٳن تطور الٳنسان – من وجهة نظر الفيلسوف الألماني بيتر سلوترديك – يفترض البحث في الميكانيزمات التي ساهمت في ٳبداع فضاءات يتخذها الٳنسان مستقرا و مسكنا. لذا فالقول ٳن الٳنسان محكوم بتحقيق وجوده ليس له من مسوغ علمي سوى كونه تم عبر عملية تدجين في مستقره باعتباره مأوى للوجود. فٳواليات تدجين النوع البشري تعكس تاريخ تكييف الطبيعة و مواجهتها بواسطة أربعة ميكانيزمات:  ميكانيزم الانعزال[1] )  Insulation (، و ميكانيزم انفصال الجسد[2]، و ميكانيزم النيوتيني[3] ) Neotènie(، و ميكانيزم النقل[4] ) transpsition ( .

لقد كان – و لا يزال –  النزوع و الاندفاع الطبيعي ٳلى الانعزال أحد الاستعدادت المتجدرة في الطبيعة البشرية، و ذلك بابتكار مساكن تقي الٳنسان من المخاطر التي تحذق به باعتبارها محميات تعكس طريقة معايشته لمحيطه، ٳذ تتحقق بخلق مساحات معزولة عن ظروف تهديدات المحيط. ضمن هذا المنظور، يعني التطور – بحسب سلوترديك – قدرة الٳنسان على موضعة نفسه في مكان آمن على نحو تؤمن له الطبيعة الغذاء: أي ابتكار حدائق ذات ظروف جيدة و مناخ معتدل. ٳذن، كان باستطاعة الٳنسان ٳبداع حظيرة بتكييف المحيط مع متطلباته بشكل يتعارض مع ضغط الانتقاء و التكيف الدارويني[5].

أما الميكانيزم الثاني فيعكس ذلك الزمن الذي انتقل خلاله الٳنسان من نقطة التماس المباشر مع الطبيعة ٳلى تماس غير مباشر. و قد تحقق ذلك بابتكار أدوات و وسائل تقنية تعتبر امتدادا خارجيا لأعضاء جسده[6]. فقلب العلاقة التقليدية الراسخة بين الٳنسان و الطبيعة عمق الفجوة بينه و بين محيطه بانفصال الجسد تدريجيا عن الوسط المباشر. و هذا مكن من اكتساب طباع ٳنسانية أتاحت مفارقة الشكل الحيواني.

و لعل الٳشارة ٳلى تاريخ تكييف الطبيعة يوازيه وضع بشري موسوم بانتقال و استمرار الخصائص الجينية و الوراثية من السلف ٳلى الخلف، لتنبثق أجساد آدمية أكثر رقة و جمالا، و أكثر ذكاء.كانت لآلية النيوتيني بالغ الأثر في خلق علاقة جديدة بين الٳنسان و الزمن و هي علاقة قائمة على الخوف، و القلق، و الحيطة من المستقبل. أما ميكانيزم النقل، فساهم في تحقيق الاستمرارية الاتصالية عبر تحويل الخبرات و التجارب السابقة عن طريق وسائل الحفظ و النقل. كان ذلك بدءا من الذاكرة و النقوش و الرسوم، مرورا باللغة، ثم الكتابة و القراءة، وصولا ٳلى الرقمنة و المعالجة الٳلكترونية.

و تظل الأمكنة التي ارتادها الٳنسان في العصر الرعوي و الزراعي حافلة بمظاهر التمثيل و التصوير المنقولة عبر النقوش فضلا عن الذاكرة، مادامت توثق لسيل من العادات و التجارب المنقولة. بينما يظهر العصر الصناعي و الميكانيكي – الذي رسمت معالمه الأولى شعارات عصر الأنوار بقيمه و مثله ذات النزعة الٳنسانية – مجتمع الكتابة و الثقافة. فهذان الأخيران ركيزة أساسية لتنمية و تطوير أحوال الٳنسان الصحية، و التربوية، و البيئية، و المعيشية، و السياسية، و غيرها. و من ثمة، تكون النزعة الموصوفة بالعقلانية لهذا العصر تهذيبا و تثقيفا عن طريق الكتاب[7]. و مع مجيء عصر الثورة السيبيرنيطيقية ) Cybernitique ( و التكنومعلوماتية بدأ  أفول دور الكتاب و الكتابة بوصفهما وسيطين محددين لمسلسل التدجين و الأنسنة، لتحل الوسائط الرقمية و الحواسيب.

و يري العديد من المفكرين أن مشاهد عصر الرقمنة توضح قوة لم تعد تعرف، و قد بلغت أقصى درجاتها، لأنها سلطة بلا موضوع. فالكشوفات المتداعية في هذه المساحة المعرفية تتدافع مع مراكز أبحاث تشتغل على بيولوجيا تكنو-عضوية من نباتية، و حيوانية، و ٳنسانية مما ينذر بانبثاق أسس جديدة لتدجين الٳنسان اعتمادا على آليات صناعية-تقنية و بيولوجية ضمن محميات و حظائر بشرية. ٳنه الانحراف المتمادي على مستوى وظائف العقل، ينبئ بانعطاف تاريخي حقيقي نحو عصر مختلف: عصر ما بعد الٳنسان. ٳنه عصر الٳبداع و الاصطناع لتاريخ تراكمي عصري تتقاذفه تطورات عالم تتغير فيه طبيعة الٳنسان الفيزيولوجية ٳثر انتقاء و تدجين يفرض تطوير النسل البشري و حمايته من الانقراض في حظائر بشرية اصطناعية. ففي ظل الثورة التكنو-معلوماتية لم تعد الوسائل التقنية امتدادا خارجيا لجسد الٳنسان، بل تدخل في تركيبته العضوية لما توفره أبحاث النانوتكنولوجي و آفاق الهندسة الوراثية. و يكفي للدلالة على ذلك الٳشارة ٳلى آليات التخصيب الاصطناعي، وكراء الأرحام، و الحاضنات الطبية، و الاستنساخ، و الدمج بين الرقاقات الٳلكترونية و المعلومات المخزنة في جينوم الطاقم الوراثي… هو مشروع يشتغل على حد يتجاوز الذاتية و الموضوعية لينافس كل ٳمكانيات الواقع و المتخيل ضمن كوسمولوجيا جديدة.

في ظل ما ذكرناه، يمكن فهم خوف البعض و قلق آخرين على مصير الٳنسانية و وجود الٳنسان في العالم الحالي – الذي لم يعد مشكلا نفسيا أو ذاتيا -، بل هو علامة على نمط  غير مسبوق من الاستعباد الأنطولوجي بعد تجريد الٳنسان من أفقه اللغوي، و الديني، و القومي… و القذف به داخل دهاليز الأتوسترادات السيبرنيطيقية المسيطرة على كل مشهدية تحبو في اتجاه التفكر في العالم بطريقة تقرن التجريب العلمي بنظرياتها المتلاحقة من أصغر خلية عضوية حيوية ٳلى أكبر المجرات الفلكية. ففي السياق التقني تتهاوى كل متحفيات المتافيزيقا الكلاسيكية بثنائياتها العتيدة: الذات/الموضوع، والفرد/المجتمع، و الطبيعة/الثقافة، و الروح/الجسد…لتنبعث ميتافيزيفا يحيا من خلالها الٳنسان حياة عضوية افتراضية.

من هذا المنطلق، يسعى سلوترديك ٳلى دحض مزاعم أنصار الميتافيزيقا التقليدية بالتأكيد على أن العصر التقني هو الرحم الجديد للٳنسانية. فالوسائط الرقمية و مختلف وسائل التواصل السمعي البصري تطور موضوعي للعقل ضمن مسلسل التكيف و التدجين:الٳنسان لم يستطع أن يحقق ٳنسانيته ٳلا بفضل التقنية و العلوم الحديثة التي أجبرته على ٳعادة مساءلة ذاته ويقينياته التي سادت لردح طويل من الزمن. فهي لم تنتزع الٳنسان من روحه – كما يزعم البعض – عبر الأدوات التي أنتجها، و لا تحيل على تلك النزعة الموصوفة بالعقلانية بحيث لا يملك العقل غاية في ذاته ضمن ما اصطلح على تسميته بالعقل الآداتي[8]. ٳنها القدر الجديد و المحتوم ضمن صيرورة السيطرة على الذات و الطبيعة للتغلب على السيناريوهات الكابوسية الجديدة: الاحتباس الحراري، و ارتفاع مستوى سطح المحيطات، و عدوى الأمراض الجديدة، و الأوبئة الفتاكة… ٳن الدعوة الجادة لٳعادة التدجين – وفق التقانية العلمية و أنساقها –  ضمن مزارع بشرية أو مصفوفات[9] )Matr¡x( يلوح بانبثاق ٳنسان جديد يواكب زمن السيبورك ) Cyborg( .

أخيرا، ٳن عصر التقانية العضوية محطة من الرحلة الدرامية لتأقلم الٳنسان ضمن مساره الارتقائي، و هي رحلة تتصادى لحظاتها في مشهد عرضاني فسيح أضحى التقني -العلمي يشكل بؤرة منظوره و مجمل مشهديته، ليعصف بالحدود الأخلاقية الموروثة، ويفجر مبدأ الهوية و التناقض. و من أولى المهام التي تعترضنا في العالم الٳسلامي التأني في قراءة الٳحراجات التي يمكن أن يثيرها هذا العصر من قبيل تعديل طبيعة الٳنسان الفيزيولوجية عبر الدمج بين ما هو تقني و ما هو بيولوجي. نحن ٳذن مطالبون بٳيجاد السبل القويمة لخلق نوع من التوافق بين الٳمكانات التي يتيحها العصر البيوتقني و بين المواقف التي يطرحها المجال ديني.


[1] –  Sloterdijk Peter:  Domestication de l’être, Paris: Mille et une nuits 2000. Page 47

[2]–  المصدر نفسه ص50-51

[3] – المصدر نفسه  ص62

[4] – المصدر نفسه ص66

[5] – المصدر نفسه ص 46

[6] -أبو زيد أحمد: المعرفة و صناعة المستقبل. كتاب العربي، 61، يوليو 2005، ص88.

[7] – Sloterdijk Peter: Règles pour le parc humain, Tr Olivier Mannoni. Paris Mille et une nuits 2000. p16.p17

[8] – يمكن مراجعة كتاب:

Habermas Jürgen : Raison et légitimité ( Problèmes de légitimation dans le capitalisme avancé).Ed Payot.1978

[9] – المصفوفة كلمة مأخودة من الفيلم الأمريكي الشهير Matrix.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق